الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الصين ودورها في الأزمة الإيرانية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لقد لفتت المتابعين والمراقبين في الآونة الأخيرة ظاهرة دخول الصين بقوة على خط حل الأزمة الإيرانية، من دون اعتراض أميركي واضح، خاصة بعد الزيارة الدبلوماسية الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي إلى الصين وروسيا وباكستان. كانت هذه الجولة تهدف إلى إشراك القوى الكبرى في توجيهات إيران، وفتح مسارات دبلوماسية متعددة لتخفيف الضغوط الدولية عليها. إلا أن روسيا، على الرغم من علاقتها الوثيقة بإيران، رفضت الدخول على خط الملف النووي، ونصحت إيران بتسليمه إلى الولايات المتحدة بطريقة تحفظ ماء الوجه وتجنب إحراج طهران.

أما إيران، فقد اختارت استثمار النفوذ الصيني بحذر، عبر تقسيم ملفاتها إلى محاور مختلفة، لإيجاد حلول لكل قضية بشكل منفصل، بما لا يجعلها تبدو وكأنها تخضع تماماً للشروط الأميركية.

وطالبت إيران الصين بالعمل على إيجاد تسوية مع الدول العربية، مستندة إلى تاريخ الصين كضامن للوساطة بين إيران والسعودية سابقاً. فكانت الصين بوابة إيران لإحياء دور الوساطة مجدداً، عبر حل قضية الصواريخ الباليستية، التي شكلت نقطة حساسة في المفاوضات مع إدارة ترامب، وكذلك عبر التوصل إلى تسوية تقلل من تدخل إيران في الشؤون العربية، بما في ذلك الملفات المتعلقة بالميليشيات والنفوذ الإقليمي. وبذلك، قسمت إيران مشاكلها بين محورين أساسيين:

اولًا :الولايات المتحدة: الملف النووي ومضيق هرمز.

ثانيًا:  الصين: إيجاد تسوية مفقودة مع الدول العربية، تشمل الحد من التسلح الصاروخي وتقليص تدخلاتها الإقليمية، خاصة بعد العدوان الإيراني على بعض الدول العربية خلال الأزمة الأميركية-الإيرانية.

وهكذا، وفرت إيران  بدبلوماسيتها الليرلية سلسلة من العوامل التي تمنحها مرونة سياسية ودبلوماسية، بما لا يشير إلى أنها قبلت جميع شروط واشنطن بالكامل، بل حاولت توزيع التزاماتها بين اللاعبين الدوليين لتحقيق أكبر قدر من المكاسب مع الحفاظ على سيادتها واستراتيجيتها الإقليمية.

وقد تدخلت الصين في الأزمة بعد توافر مجموعة من العوامل الحاسمة:

1-الضرر الاقتصادي الذي لحق بالصين نتيجة إقفال مضيق هرمز، وما نتج عن ذلك من تهديد لملاحة سفنها التجارية، بما في ذلك سفن كان على متنها مواطنون صينيون.

2-زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي إلى بكين، مطالباً الصين بالعمل على حل الأزمة ومنع تفاقمها.

3-الاستعداد للقمة الأميركية-الصينية المقررة منتصف الشهر الجاري بين الرئيس دونالد ترامب والزعيم شي جين بينغ، والتي تجعل من الصين لاعباً أساسياً في إدارة التوترات الإقليمية.

كما يُلاحظ أن كوريا الجنوبية  ودول اخرى باتت قاب قوسين أو أدنى من المشاركة في حل أزمة مضيق هرمز، ما يعكس توسع دائرة الدول المعنية بتهدئة التوترات في المنطقة وتأمين خطوط الملاحة البحرية الحيوية.

الصين أمام قلقين أساسيين: الأول مرتبط بمصير مشروع طريق الحرير، الذي يمر عبر إيران، حيث أي اضطراب في طهران قد يعرض الاستثمارات الصينية في الشرق الأوسط لخطر كبير. أما الثاني فهو مصالحها الاقتصادية في منطقة الخليج، والتي تمثل جزءاً أساسياً من احتياجاتها من الطاقة والأسواق الاستراتيجية.

وفي ظل هذه الاعتبارات الجيوسياسية والجيوستراتيجية، تعمل الدبلوماسية الصينية بحذر شديد، مع عدم وجود أي مؤشرات على تدخل أو تورط عسكري مباشر في الصراع القائم بين الولايات المتحدة ودول المنطقة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالصين، التي تربطها علاقات استراتيجية مع دول الخليج، لن تضحي بهذه المصالح لحساب طهران، ما يفرض عليها السير على خط دقيق بين إدارة الأزمة وضمان توازن مصالحها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية.

والدليل على هذا النهج هو استمرار بكين في ممارسة ضغوط دبلوماسية كبيرة على الإيرانيين الذين لجأوا إليها طلباً للدعم، ليخرجوا في النهاية تحت ضغط توافقات مع الأميركيين، بما يعكس قدرة الصين على لعب دور الوسيط الذكي والمتوازن، دون الانخراط المباشر في صراعات عسكرية أو تصعيد التوترات الإقليمية.

في النهاية، يبرز الدور الصيني في حل الأزمة الإيرانية كنموذج للدبلوماسية الحذرة والمتوازنة، التي تراعي مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة. إذ تمكنت بكين من أن تكون وسيطاً فعالاً بين إيران والدول العربية، مع الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، دون الانخراط العسكري المباشر أو تعريض نفسها لمخاطر تصعيد الصراع. وهذا الدور يعكس قدرة الصين على الموازنة بين مصالحها الوطنية ومصالح شركائها الإقليميين، ويؤكد أن الحلول الدبلوماسية المدروسة تظل الخيار الأنجح في إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة.

https://hura7.com/?p=78930

الأكثر قراءة