الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الضربات الهجومية ضد الخليج: إقحامه في معركة إيران الخاسرة

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تندلع الحرائق مجددًا في الشرق الأوسط بسبب تطلعات إيران الجهنمية وحلمها الإمبراطوري، مما يشكل تهديدًا خطيرًا على هذا الشرق الملتهب المتعب من الحروب، والذي ينتظر الحلول القادمة، ولكن تلك الحلول تبدو بعيدة. فمنذ عدة سنوات، تحولت منطقة الخليج العربي إلى ساحة لتصعيد الهجمات العسكرية التي تشنها إيران ضد دول المنطقة، في محاولة لاستعراض قوتها الإقليمية وتعزيز مصالحها الاستراتيجية. هذه الهجمات تجاوزت التهديدات اللفظية لتشمل ضربات عنيفة تستهدف البنى التحتية الحيوية في الخليج، مما يزيد من القلق الدولي ويضع المنطقة في قلب صراع مستمر يخدم مصلحة إيران فقط، في حين تدفع دول الخليج ثمن هذه المعركة الخاسرة التي تشنها إيران منذ الأول من مارس 2026.

عندما اشتعلت الحرب مجددًا وبشكل قاتل بين إيران من جهة وأمريكا من جهة أخرى، أصبحت دول الخليج بمثابة “الدرع” لشعارات إيران الفارغة التي تركز على ضرب المنشآت والقواعد الأمريكية. إيران، التي شهدت مرحلة تهدئة وتطلعت لفتح آفاق جديدة مع دول الخليج في الآونة الأخيرة، تناست الجهود الكبيرة التي بذلتها دول الخليج للضغط على الولايات المتحدة لإعادة فتح قنوات الحوار، حيث كانت عمان أول نقطة التقاء بين الطرفين. لكن المشكلة تكمن في أن إيران تسعى لفرض نفسها كلاعب إقليمي بالقوة، على حساب دول الخليج بشكل خاص والدول العربية بشكل عام. وتجاهلت إيران حقيقة أن دورها الإقليمي قد تراجع إلى المرحلة الثانية نتيجة أخطائها في المنطقة وسوء تقديرها للتطورات الجيوسياسية العامة والخاصة بالمنطقة.

تصعيد الهجمات على المنشآت النفطية

من أبرز الهجمات التي تعرضت لها منطقة الخليج كانت الضربات التي استهدفت المنشآت النفطية في السعودية، حيث تعرضت منشآت “أرامكو” عام 2019 إلى هجوم بالطائرات المسيرة والصواريخ. ورغم أن إيران نفت تورطها المباشر في الهجوم، فإن الاتهامات التي وجهتها السعودية والولايات المتحدة لإيران أكدت دور طهران في دعم الميليشيات الحوثية في اليمن، التي أطلقت تلك الهجمات. ضربات كهذه تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمي، حيث يمر نحو 30% من إمدادات النفط البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يعتبر نقطة حيوية في أمن الطاقة العالمي.

الخليج في قلب معركة إيران الإقليمية

تسعى إيران، عبر هذه الهجمات، إلى إظهار قوتها الإقليمية وحماية مصالحها في مواجهة ما تعتبره تهديدات أمنية من دول الخليج، وكذلك من الولايات المتحدة وحلفائها. ولكن، وفي الوقت الذي تعتقد فيه إيران أنها من خلال هذه الهجمات ستعزز قوتها، فإنها في الواقع تضع دول الخليج في دائرة الخطر وتورطها في معركة خاسرة.

في جولة الحرب القائمة في العام 2026، تتبنى إيران سياسة “حافة الهاوية”، حيث تقوم بتصعيد التوترات بهدف تحقيق مكاسب سياسية في المحادثات الدولية. إلا أن هذا التصعيد يأتي على حساب أمن المنطقة واستقرارها، مما يضعها في موقف بالغ الخطورة. من خلال إقحام دول الخليج في هذه المعركة، تعرض إيران المنطقة لخطر مستمر، سواء من خلال التصعيد العسكري المباشر أو تزايد التوترات السياسية. هذا التوجه يهدد الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل ويزيد من تعقيد الوضع السياسي في منطقة الخليج.

تصريحات الزعماء الإيرانيين

في موجة التصعيد التي يطلقها قادة إيران حاليًا ضد الخليج، تبرز التصريحات الإيرانية على لسان القادة السياسيين، والتي تشير إلى ضياع البوصلة وفقدان الهدف والتوازن، مع التهاون بهذا الحدث الكبير. تتناثر التصريحات الإيرانية التي تحمل نوعًا من الكلام المعسول والدعوات المكررة للحوار والتعاون الإقليمي. ومع ذلك، ورغم هذه التصريحات التي توحي بالصورة المثالية للسلام والتعايش، تأتي تصرفات الحرس الثوري الإيراني وأفعاله العسكرية لتكشف عن واقع مختلف تمامًا. حيث تتصاعد الأعمال العدائية تجاه دول الخليج، مما يفضح التناقض الواضح بين الأقوال التي تتبنى التهدئة والمصالحة، والأفعال التي تتجه نحو التصعيد العسكري المستمر.

تصريحات الزعماء الإيرانيين: السلام والحوار

في العديد من المناسبات، نجد أن الزعماء الإيرانيين يتحدثون عن رغبتهم في تعزيز التعاون الإقليمي، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حلول سلمية للأزمات التي تعصف بالمنطقة. تصريحاتهم غالبًا ما تركز على الاستعداد لفتح قنوات الحوار مع دول الخليج، وتقديم عروض للتعاون في قضايا الأمن والاقتصاد. تصريحات مثل “نريد بناء علاقات أفضل مع جيراننا”، و”إيران مستعدة للسلام”، هي عبارات متكررة في خطاب المسؤولين الإيرانيين. ولكن هذه التصريحات، التي تحاول تقديم صورة أكثر سلمية، تتناقض بشكل صارخ مع التصرفات الحقيقية على الأرض.

الحرس الثوري الإيراني: الأداة العسكرية للحقد

في المقابل، تُظهر أفعال الحرس الثوري الإيراني الوجه الحقيقي للاستراتيجية الإيرانية في المنطقة. لا يمكن تجاهل أن الحرس الثوري هو القوة العسكرية المهيمنة في إيران، التي لا تقتصر مهمتها على الدفاع الوطني فقط، بل تشمل التدخلات في شؤون دول الجوار، بما في ذلك دعم الميليشيات المسلحة في العراق وسوريا، والتدخلات في اليمن من خلال دعم الحوثيين.

تحت مظلة “حماية الثورة الإسلامية”، يقوم الحرس الثوري بتنفيذ عمليات هجومية تستهدف المصالح الخليجية، وتهدد الاستقرار في المنطقة. الهجمات على المنشآت النفطية السعودية، كما حدث في 2019، أو استهداف السفن التجارية في مضيق هرمز، هي أمثلة واضحة على أن إيران لا تزال تستخدم أذرعها العسكرية لتقويض الأمن الإقليمي.

كما أن الحرس الثوري يعمل على إحداث تغييرات استراتيجية على الأرض في عدة دول عبر دعم الجماعات المسلحة التي تعادي الحكومات الشرعية، مثل “حزب الله” في لبنان و”الحشد الشعبي” في العراق، إضافة إلى تدخله المستمر في اليمن عبر دعم الحوثيين.

التناقض بين الأقوال والأفعال

من الواضح أن الزعماء الإيرانيين يتبنون خطابات دبلوماسية وهادئة في العلن، لكن ما يفعله الحرس الثوري في الواقع هو عكس ذلك تمامًا. تصريحات السلام والتعاون لا تتماشى مع تصرفات إيران التي تستمر في التدخل في شؤون دول الخليج وتفكيك استقرار المنطقة.

هذا التناقض بين الأقوال والأفعال يضع دول الخليج في موقف صعب، حيث لا يمكنها الوثوق في التصريحات الإيرانية التي تعلن رغبتها في التهدئة. فالواقع العسكري على الأرض يعكس تهديدات مستمرة تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، مما يثير القلق في الدول الخليجية ويجعلها تبحث عن تدابير أمنية لحماية مصالحها.

دوافع التصريحات الإيرانية

لماذا إذًا يطلق الزعماء الإيرانيون تصريحات “معسولة” عن السلام والتعاون في الوقت الذي تتصاعد فيه تصرفات الحرس الثوري العدائية؟ الجواب قد يكمن في استراتيجية دبلوماسية مزدوجة تسعى إيران من خلالها إلى تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي وتخفيف الضغوط عليها، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية الصارمة التي تواجهها.

إيران تدرك أن السياسة العسكرية وحدها لا تكفي لتحقيق أهدافها الإقليمية، لذلك تستخدم التصريحات الدبلوماسية لجذب الانتباه وتخفيف الضغوط الدولية، في حين تواصل دعم الميليشيات والقيام بأعمال هجومية لتوسيع نفوذها في المنطقة.

في النهاية، تمثل التصريحات الإيرانية الكلام المعسول الذي يهدف إلى تقديم صورة مختلفة عن الواقع العسكري، حيث تحاول إيران إظهار نفسها كداعم للسلام والاستقرار، بينما تستمر في تنفيذ سياسات عدائية من خلال أذرعها العسكرية. هذا التناقض يعكس السياسة الإيرانية في المنطقة التي تجمع بين الدبلوماسية الماكرة والقوة العسكرية المدمرة، مما يجعل من الصعب الوثوق في نوايا طهران لتحقيق السلام في الخليج.

التأثير على الأمن الإقليمي والدولي

مع تزايد التصريحات السياسية في إيران، تتصاعد في المقابل الهجمات العسكرية الإيرانية على الخليج، مما يترتب عليه تداعيات خطيرة على الأمن الإقليمي والدولي.

اولًا، يُنذر التصعيد المستمر بزيادة احتمالية وقوع صراع مفتوح بين إيران ودول الخليج، وهو ما قد يتسبب في تداعيات اقتصادية جسيمة بسبب تعطيل إمدادات النفط، التي تعد شريانًا أساسيًا للاقتصاد العالمي.

ثانيًا، تعزز هذه الهجمات الانقسامات بين القوى الكبرى في العالم، حيث تتباين المواقف بين الدول الغربية التي تدين التحركات الإيرانية، وبين القوى الإقليمية التي تسعى إلى إيجاد حلول دبلوماسية لهذه الأزمة. هذا التباين يعكس التعقيد الذي يشهده الصراع، حيث تتداخل المصالح العالمية مع التوترات الإقليمية، مما يجعل من الصعب الوصول إلى توافق يحقق الاستقرار.

ثالثًا، تزيد إيران من تدهور علاقاتها مع جيرانها العرب، حيث تسعى إلى فرض هيمنتها في منطقة تشهد صراعات معقدة ومتعددة، بدءًا من دعمها للميليشيات الحوثية في اليمن، وصولاً إلى تدخلاتها العسكرية في لبنان وسوريا.

تستمر هذه التدخلات العسكرية في تعزيز حالة عدم الاستقرار في منطقة الخليج، مما يجعل من الصعب على دول المنطقة تحقيق استقرار دائم. بدلاً من أن تركز الدول على تطوير استراتيجيات اقتصادية وسياسية فعّالة لتحسين الوضع الإقليمي وتعزيز التعاون بين الدول العربية، يجد الجميع أنفسهم منشغلين بمواجهة تهديدات إيران المتصاعدة، وهو ما يقوض جهود تعزيز الوحدة الإقليمية ويجعل تحقيق السلام والاستقرار أمراً بعيد المنال.

إيران بين التصعيد والمواجهة

في نهاية المطاف، تصر إيران على تبني نهج التصعيد بدلاً من البحث عن حلول دبلوماسية هادئة. الهجمات التي تستهدف دول الخليج العربي ليست سوى جزء من معركة طويلة تخوضها إيران على جبهات متعددة، سواء في اليمن أو سوريا أو لبنان، في محاولة لتوسيع نطاق نفوذها. ولكن هذا التصعيد لا يعدو أن يكون مغامرة خطيرة تضر في النهاية بالأمن الإقليمي والدولي.

مع ذلك، على الرغم من الهجمات المستمرة، يمكن القول إن إيران لا تزال في وضع صعب، حيث تُواجه ضغطًا اقتصاديًا كبيرًا من العقوبات الدولية والتحديات الداخلية التي تجعلها بحاجة إلى الحفاظ على استقرارها الداخلي. وتظل المنطقة، في المقابل، في حالة ترقب، حيث تواصل دول الخليج تعزيز دفاعاتها والتحالفات الإقليمية والدولية، سعياً لتفادي الوقوع في فخ المواجهة المفتوحة.

تمثل الهجمات الإيرانية على الخليج العربي جزءًا من استراتيجية طهران في تعزيز هيمنتها الإقليمية، ولكنها في النهاية تلقي بالمنطقة في معركة خاسرة لن تحقق إيران منها سوى المزيد من العزلة الاقتصادية والسياسية. بينما تحاول دول الخليج تعزيز أمنها الوطني، فإن تصاعد هذه الهجمات يهدد بزيادة التوترات والمخاطر، مما يضع المنطقة في مسار من عدم الاستقرار المستمر.

https://hura7.com/?p=76110

الأكثر قراءة