جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، سعت كييف إلى توسيع دائرة الضغوط على موسكو من خلال ربطها بشبكة حلفائها وشركائها العسكريين، وفي مقدمتهم إيران. فالدعم الإيراني لروسيا، ولا سيما عبر الطائرات المسيّرة، جعل طهران جزءًا من الحسابات الأمنية الأوكرانية، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى تحول إيران إلى طرف مباشر في الحرب. بل على العكس، كشفت التطورات الأخيرة أن الولايات المتحدة نفسها لا ترغب في توسيع الصراع ليشمل إيران، رغم استمرار الاتهامات الأوكرانية لها بدعم المجهود العسكري الروسي.
وجاء الهجوم الذي استهدف سفينة إيرانية في بحر قزوين خلال شهر يوليو ليعيد هذا الملف إلى الواجهة. فقد اعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن إيران أصبحت جزءًا من الحرب منذ عام 2022، عندما زودت موسكو بآلاف الطائرات المسيّرة، إضافة إلى نقل تقنيات تصنيعها داخل روسيا، وهو ما منح الجيش الروسي قدرة أكبر على مواصلة عملياته العسكرية ضد المدن والبنية التحتية الأوكرانية.
لكن الرواية الإيرانية جاءت مختلفة تمامًا. فقد رفضت طهران الربط بين الحادث والحرب الأوكرانية، مؤكدة أن أي اعتداء على إيران ستكون له كلفة مرتفعة، وأن من يستهدفها سيدرك لاحقًا حجم العواقب. وفي الوقت نفسه، شدد المسؤولون الإيرانيون على أن بلادهم لن تسمح بتحويلها إلى ساحة إضافية في الصراع الدائر بين موسكو وكييف.
خلاف سياسي يتجاوز حادثة بحر قزوين
لم تتعامل أوكرانيا مع التصريحات الإيرانية بوصفها مجرد رد دبلوماسي، بل اعتبرتها محاولة لتقديم إيران على أنها ضحية، رغم أنها – من وجهة النظر الأوكرانية – شاركت عمليًا في الحرب عبر تزويد روسيا بالسلاح.
ولهذا أكدت وزارة الخارجية الأوكرانية أن طهران لا تستطيع الاستناد إلى القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة وهي مستمرة، بحسب كييف، في دعم العمليات العسكرية الروسية. وترى أوكرانيا أن الدعم العسكري الإيراني جعل الجمهورية الإسلامية طرفًا غير مباشر في الحرب، وبالتالي فإن انتقادها لأي عمليات تستهدف مصالحها يفتقر إلى المصداقية.
غير أن هذا السجال السياسي لا يغير من حقيقة أن إيران تمتلك قدرات صاروخية بعيدة المدى يمكنها نظريًا الوصول إلى أهداف في أوروبا الشرقية، بما فيها الأراضي الأوكرانية. كما تدرك كييف أن منظوماتها الدفاعية الحالية ليست مصممة لاعتراض جميع أنواع الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى الحسابات العسكرية في حال تطورت الأزمة.
واشنطن ترفض توسيع الحرب
بالرغم الخطاب المتشدد الذي صدر عن كييف، جاءت التحركات الأمريكية في اتجاه مختلف تمامًا. فبعد زيارة الوفد الأوكراني إلى واشنطن، أجرى وزير الخارجية الأوكراني اتصالًا عاجلًا بنظيره الإيراني، أكد خلاله أن بلاده لا تستهدف السفن المدنية أو المدنيين، في خطوة عُدت محاولة لاحتواء التوتر ومنع انزلاق العلاقات إلى مواجهة مباشرة.
لقد ردت طهران بإشارات مماثلة، إذ أكدت أنها لا ترغب في التصعيد العسكري مع أوكرانيا، مع تمسكها بالمطالبة بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بالسفينة الإيرانية.
ويعكس هذا المسار وجود رغبة أمريكية واضحة في الفصل بين الحرب الروسية–الأوكرانية والمواجهة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فواشنطن ترى أن دمج الصراعين سيؤدي إلى تعقيد البيئة الاستراتيجية بصورة قد يصعب احتواؤها لاحقًا.
لماذا ترفض واشنطن جرّ إيران إلى الحرب؟
تدرك الإدارة الأمريكية أن دخول إيران بشكل مباشر إلى الحرب الأوكرانية سيؤدي إلى تغير جذري في طبيعة الصراع.
فإذا قررت طهران الرد عسكريًا على أوكرانيا، فإنها ستصبح عمليًا شريكًا مباشرًا لروسيا، على غرار الدور الذي تؤديه كوريا الشمالية عبر دعمها العسكري لموسكو. وفي المقابل، ستجد أوكرانيا نفسها جزءًا من التحالف الأمريكي–الإسرائيلي في المواجهة مع إيران، وهو ما يعني اندماج حربين منفصلتين في صراع واحد ذي أبعاد دولية.
لكن راي واشنطن، فإن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة. فالولايات المتحدة تحاول، على الأقل في الملف الأوكراني، الاحتفاظ بدور الوسيط القادر على إدارة الاتصالات السياسية ودفع الأطراف نحو التفاوض، حتى مع استمرار دعمها العسكري لكييف. أما في الملف الإيراني، فهي طرف مباشر في النزاع، وبالتالي فإن توسيع الحرب سيجعل إدارة الأزمتين في آن واحد أكثر صعوبة وتعقيدًا.
الحسابات الإيرانية
لا تبدو إيران متحمسة هي الأخرى لفتح جبهة جديدة مع أوكرانيا. فطهران تواجه بالفعل ضغوطًا عسكرية وسياسية واقتصادية نتيجة المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تدرك أن أي تصعيد إضافي سيؤدي إلى استنزاف مواردها العسكرية.
كما أن إيران، رغم تعاونها العسكري مع روسيا، لا ترتبط معها بمعاهدة دفاع مشترك تلزمها بالدخول في الحرب بصورة مباشرة، بخلاف العلاقة التي تربط موسكو بكوريا الشمالية في بعض مجالات التعاون العسكري.
فالترسانة الصاروخية الإيرانية، رغم تطورها، ليست غير محدودة، وهو ما يدفع القيادة الإيرانية إلى الاحتفاظ بها لمواجهة التهديدات التي تعتبرها أكثر إلحاحًا في محيطها الإقليمي.
استراتيجية الرد الإيرانية
وتقوم العقيدة الإيرانية في الرد العسكري على منطق يختلف عن كثير من الجيوش التقليدية. فبدلًا من التركيز على مهاجمة الأراضي الأمريكية مباشرة أو محاولة اختراق أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، تميل طهران إلى استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، أو المنشآت الحيوية التابعة للدول الحليفة لواشنطن.
وترى القيادة الإيرانية أن رفع كلفة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط قد يدفع حلفاء واشنطن إلى ممارسة ضغوط سياسية من أجل إنهاء المواجهة، وهو ما يجعل هذه الاستراتيجية أكثر فاعلية بالنسبة لها من الدخول في مواجهات مباشرة مع الولايات المتحدة.
لماذا تخشى واشنطن هذا السيناريو؟
تكمن المخاوف الأمريكية في أن أي مواجهة مباشرة بين إيران وأوكرانيا قد تفتح الباب أمام استهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في أوروبا أيضًا، وليس فقط في الشرق الأوسط.
ففي حال توسع نطاق الصراع، قد تصبح قواعد الولايات المتحدة في رومانيا وبلغاريا وإيطاليا وإسبانيا، وربما حتى منشآت الدفاع الصاروخي في بولندا، ضمن الحسابات العسكرية الإيرانية إذا اعتبرت طهران أنها تشارك في دعم العمليات ضدها.
مثل هذا التطور سيحوّل الحرب الأوكرانية من نزاع أوروبي إلى أزمة أمنية تمتد عبر عدة مسارح عمليات، وهو ما تسعى الإدارة الأمريكية إلى تجنبه في الوقت الراهن.
بين الاحتواء والتصعيد
تشير المؤشرات الحالية إلى أن جميع الأطراف، رغم تبادل التصريحات الحادة، تحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين كييف وطهران. فأوكرانيا تواصل تحميل إيران مسؤولية دعم روسيا، بينما تصر إيران على أنها ليست طرفًا في الحرب، وتسعى الولايات المتحدة إلى منع تداخل الصراعين حتى لا تتحول الحرب الأوكرانية إلى جزء من مواجهة إقليمية أوسع.
كما يبدو أن الأولوية الأمريكية ما زالت تتمثل في إدارة الحرب داخل حدودها الحالية، وعدم السماح بظهور جبهة جديدة قد تربك حسابات واشنطن العسكرية والسياسية، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط.
ضربة بحر قزوين وتعطيل المنفذ الروسي–الإيراني
لم تقتصر تداعيات الهجوم الأوكراني الذي استهدف سفينة إيرانية في بحر قزوين على الجانب الإيراني فقط، بل امتدت آثاره إلى الحسابات الروسية، نظرًا لأهمية بحر قزوين بوصفه أحد الممرات الاستراتيجية التي تعتمد عليها موسكو وطهران في تعزيز التعاون التجاري والالتفاف على العقوبات الغربية.
فالممر البحري واللوجستي بين روسيا وإيران يمثل جزءًا أساسيًا من شبكة النقل التي تربط روسيا بالشرق الأوسط وآسيا، وخاصة عبر ممر الشمال–الجنوب الذي يهدف إلى ربط الموانئ الروسية على بحر قزوين بالموانئ الإيرانية وصولًا إلى المحيط الهندي. وقد اكتسب هذا الطريق أهمية متزايدة بعد العقوبات الغربية على موسكو، إذ أصبح أحد المسارات التي تساعد روسيا على تنويع تجارتها الخارجية وتقليل اعتمادها على الطرق التقليدية الخاضعة للرقابة الغربية.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف سفينة إيرانية في بحر قزوين حمل رسالة تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ أظهر أن هذا المسار التجاري الذي كانت موسكو وطهران تعتبرانه آمنًا نسبيًا يمكن أن يصبح عرضة للاستهداف أو التعطيل. وأدى ذلك إلى مخاوف روسية من أن تتحول المنطقة إلى نقطة ضغط جديدة على حركة التجارة والنقل، خصوصًا أن أي اضطراب في الموانئ أو خطوط الملاحة في بحر قزوين قد ينعكس مباشرة على تدفق البضائع والطاقة والمعدات بين البلدين.
وترى موسكو أن أمن بحر قزوين لم يعد مرتبطًا فقط بالتوازنات الإقليمية مع دول الجوار، بل أصبح جزءًا من الصراع الأوسع المرتبط بالعقوبات والحرب الاقتصادية. فتعطيل هذا المنفذ يعني تضييق الخيارات أمام روسيا في الوصول إلى الأسواق الآسيوية، كما يؤثر على قدرة إيران وروسيا على تطوير شبكات نقل بديلة عن المسارات الغربية.
ولهذا السبب، فإن حادثة بحر قزوين دفعت موسكو إلى إعادة تقييم مستوى الحماية الأمنية لهذا الممر، خصوصًا مع تصاعد التعاون العسكري بين أوكرانيا والغرب، وامتلاك كييف قدرات متزايدة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى. فالمخاوف الروسية لم تعد تتركز فقط على الجبهة الأوكرانية، بل بدأت تمتد إلى المناطق التي كانت تُعد بعيدة عن نطاق الصراع، ومنها بحر قزوين.
وبذلك، فإن الهجوم لم يكن مجرد حادثة محدودة بين أوكرانيا وإيران، بل كشف عن تحول أوسع في طبيعة الحرب، حيث أصبحت الممرات التجارية والطاقة والبنى اللوجستية جزءًا من أدوات الضغط الاستراتيجي. وهذا ما يفسر القلق الروسي من أن تتحول طرق التجارة البديلة إلى أهداف جديدة في المواجهة غير المباشرة بين موسكو والغرب.
بالنهاية ، تكشف الأزمة الأخيرة أن التنافس الدولي لم يعد يدور في ساحات منفصلة، بل أصبحت أزمات أوروبا والشرق الأوسط مترابطة بصورة متزايدة. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة لا ترى مصلحة في دمج الحرب الروسية–الأوكرانية بالمواجهة مع إيران، لأنها تدرك أن مثل هذا التطور سيؤدي إلى توسيع دائرة الصراع، ويزيد من احتمالات انخراط قوى إقليمية ودولية إضافية في المواجهة.
ولهذا، تبدو السياسة الأمريكية في المرحلة الحالية قائمة على احتواء التصعيد بين كييف وطهران، مع الإبقاء على الضغوط السياسية والاقتصادية على إيران، دون السماح بتحولها إلى طرف عسكري مباشر في الحرب الأوكرانية. فبالنسبة لواشنطن، يبقى الفصل بين مسارح الصراع المختلفة جزءًا أساسيًا من إدارة التوازنات الدولية، وتجنب نشوء أزمة عالمية أكثر تعقيدًا من الأزمات القائمة اليوم.


