جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تخوض أوروبا معركة جديدة وغير تقليدية لم تعد ميادينها الدبابات أو خطوط المواجهة العسكرية المباشرة، بل سماء مطاراتها ومنشآتها الحيوية التي باتت مخترقة بطائرات مسيّرة صغيرة الحجم، منخفضة التكلفة، ولكنها شديدة الخطورة والفاعلية. إن العثور على طائرة مسيّرة محمّلة بعبوة متفجرة وصاعق بالقرب من طائرة نقل أوكرانية في مطار لايبزيغ في ألمانيا لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل ناقوس خطر يقرع ليعلن بداية مرحلة جديدة من “الحرب الهجينة” التي تستهدف شل الاستقرار الاقتصادي والعسكري في قلب أوروبا.
إن الخطورة الحقيقية لهذا التهديد لا تكمن فقط في احتمالية وقوع خسائر بشرية، بل في قدرته الفائقة على إحداث شلل لوجستي واقتصادي هائل بأقل الموارد الممكنة. وما كشفته حوادث إغلاق مطار ميونخ والشلل السعري والتنظيمي الذي أصاب قطاع الطيران، بخسائر إجمالية تجاوزت 160 مليون يورو خلال عام واحد، يثبت أن الطائرات بدون طيار أصبحت سلاحًا استراتيجيًا قادرًا على ضرب سلاسل الإمداد، وتعطيل خدمات الطوارئ، وإرباك الملاحة الجوية برمتها. لقد غدت هذه الوسائل الصغيرة ثغرة في جدار الأمن القومي الألماني يتوجب سدها فورًا.
أمام هذا الواقع المستجد، تبدو الخطوة الألمانية نحو إنشاء شبكة دفاع وطنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتدمج بيانات أبراج الاتصالات ورادارات الدفاع المدني والعسكري خطوة في الاتجاه الصحيح. فالمواجهة لم تعد تحتمل الحلول التقليدية أو المبادرات الفردية المقسمة بين الولايات والحكومة الاتحادية. إن تصريحات القائمين على هيئة الملاحة الجوية الألمانية وشركات الدفاع الوطنية تؤكد أن الاستجابة الفعالة تتطلب نظامًا مركزيًا قادرًا على تحليل البيانات فورًا واتخاذ تدابير مضادة، بدءًا من التشويش الإلكتروني ووصولًا إلى الإسقاط المباشر.
غير أن التحدي التكنولوجي والأمني ليس سوى جانب واحد من المشكلة؛ فالجانب التشريعي والردعي لا يقل أهمية. إن اتجاه السلطات الألمانية لنقل تشغيل الطائرات المسيّرة في مناطق المطارات من خانة “المخالفات الإدارية البسيطة” إلى مرتبة “الجرائم الجنائية” التي تعاقب بالسجن لسنوات، يمثل تحولًا مدركًا لطبيعة العصر. فلم يعد مقبولًا أن تُعامل الاختراقات الأمنية في المدارج سواء كانت من شبكات تخريبية أو حتى من نشطاء البيئة الذين يعطلون حركة الطيران بقدر من التهاون، إذ إن البنية التحتية الحيوية للطيران خط أحمر يمس الأمن القومي المباشر.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تكفي التعديلات القانونية والمنصات الرقمية وحدها لدحر هذا التهديد؟ الواقع يشير إلى أن ألمانيا، بوصفها مركزًا لوجستيًا ورئيسيًا لعمليات حلف الناتو، تقع في مربى حجر الهجمات الموجهة من أطراف خارجية تتجاوز إمكانياتها حدود النشطاء أو الهواة. ومن ثم، فإن التجربة الألمانية يجب أن تكون نواة لبناء استراتيجية أوروبية موحدة وعابرة للحدود، تضمن تبادل المعلومات والرصد المبكر للتهديدات السيبرانية والأمنية قبل وصولها إلى أراضي المطار.
في النهاية، تعيد أزمة الطائرات المسيّرة صياغة المفاهيم الكلاسيكية للردع والدفاع في ألمانيا؛ فلم يعد الخطر يأتيك على هيئة جيوش جيل سابق، بل قد يأتي على شكل طائرة صغيرة لا تتعدى قيمتها بضع مئات من ยورو لكنها قادرة على إيقاف مطار دولي بأكمله. إن نجاح برلين في كسب هذه المعركة يتوقف على سرعتها في بناء المنظومة المركزية الدفاعية، وتجاوز البيروقراطية الاتحاديّة، وفرض واقع أمني جديد يوازن بين الانفتاح التكنولوجي وصيانة سلامة المجال الجوي والسيادة الوطنية.


