الأكثر قراءة

الطاقة النووية السعودية بين واشنطن وإسرائيل… صفقة تتجاوز حدود الطاقة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

لم يعد البرنامج النووي السعودي مجرد مشروع يرتبط بتأمين احتياجات المملكة من الطاقة وتنويع مصادرها، بل بات يتحرك في مساحة أكثر تعقيداً، تتقاطع فيها الحسابات النووية مع الأمن والسياسة والتحالفات الإقليمية والتطبيع مع إسرائيل.

فموافقة البيت الأبيض على التعاون مع السعودية في بناء محطة للطاقة النووية جاءت في توقيت شديد الحساسية، بينما تعيش المنطقة على وقع الحرب الأمريكية-الإيرانية، وتتصاعد المخاوف من سباق نفوذ وتسليح قد يعيد رسم التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

ومن هنا، فإن قراءة الاتفاق النووي السعودي من زاوية الطاقة وحدها تبدو غير كافية. فخلف المفاعل النووي توجد معادلة سياسية أكبر: ماذا تريد السعودية من واشنطن؟ وماذا يريد ترامب من الرياض؟ وما علاقة التكنولوجيا النووية بالتقارب مع إسرائيل؟ وهل يمكن أن يتحول البرنامج النووي السعودي، في مرحلة لاحقة، إلى عنصر جديد في معادلة الردع الإقليمي؟

ولا بد من الوقوف أمام موقف المملكة العربية السعودية، التي تقول بصراحة إن التكنولوجيا النووية لا يمكن ربطها بالتطبيع، وإن التطبيع مرتبط بالشروط السعودية التي تشير إلى أولوية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة إلى جانب دولة إسرائيلية، وبالتالي فإن المقايضة مرفوضة نهائياً لدى المملكة العربية السعودية.

اتفاقية 123… الطريق إلى المفاعل السعودي

العمل على الاتفاقية النووية الأمريكية-السعودية لم يبدأ اليوم. فقد جرت مناقشات حول التعاون النووي بين البلدين منذ سنوات، وسبق أن ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هذا الملف مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

لكن المفاوضات اكتسبت زخماً أكبر خلال إدارة دونالد ترامب، وصولاً إلى توقيع وثيقة محددة في 22 يوليو/تموز.

وقد وقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان ما يعرف بـ«اتفاقية 123»، وهي تسمية مستمدة من المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي، التي تنظم اتفاقيات التعاون النووي بين الولايات المتحدة والدول الأخرى.

وتستمر الاتفاقية لمدة ثلاثين عاماً، وتتضمن إطاراً واسعاً للتعاون في مجال الطاقة النووية، بما في ذلك إمكانية بناء مفاعلات من طراز AP1000 في السعودية.

وبذلك تقترب المملكة من تحقيق هدف قديم يعود إلى عقود، عندما بدأت السعودية في سبعينيات القرن الماضي تطوير مؤسساتها العلمية والبحثية المرتبطة بالطاقة النووية. لكن الطموح السعودي لا يتوقف عند مفاعل واحد.

فعدة وثائق وسياسات سعودية تتحدث عن بناء 16 مفاعلاً نووياً بقدرة إجمالية تتجاوز 17 غيغاواط، ضمن رؤية أوسع لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد الاقتصادي على النفط. وهنا يدخل المشروع النووي في صلب رؤية السعودية المستقبلية.

السعودية تريد الطاقة… ولكنها تريد أيضاً الخيارات

من الطبيعي أن ترى الرياض في الطاقة النووية وسيلة لتوفير مصدر طويل الأمد للكهرباء، وتنويع مزيج الطاقة، وتقليل استهلاك النفط والغاز في إنتاج الكهرباء.

لكن الملف يحمل بعداً استراتيجياً أكبر.فامتلاك بنية نووية مدنية متقدمة يعني امتلاك قاعدة علمية وتقنية وصناعية يمكن أن تتطور مع مرور الوقت، وهو ما يفسر الحساسية الأمريكية والإسرائيلية تجاه البرنامج السعودي.

وهنا تبدأ المشكلة.فالولايات المتحدة تقول إن التعاون يتعلق بالاستخدام السلمي للطاقة النووية، لكن عدداً من السياسيين والخبراء الأمريكيين يخشون من أن يسمح الاتفاق للسعودية مستقبلاً بامتلاك قدرات حساسة، وخصوصاً في مجال تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستهلك.

وهذان المجالان تحديداً هما مصدر القلق الأكبر، لأنهما يمكن أن يوفرَا معرفة وبنية تحتية يمكن، في ظروف معينة، أن تُستخدم في مسار عسكري. ومن هنا جاء الاعتراض داخل الكونغرس الأمريكي.

واشنطن أمام معادلة صعبة

المفارقة التي يطرحها منتقدو الاتفاق واضحة: الولايات المتحدة تخوض مواجهة مع إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي، غير سلمي، وإيران تتهرب من التنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يخيف العالم بأسره ويثير الشكوك حول مشروع إيران النووي.وفي الوقت نفسه، تمنح السعودية تكنولوجيا نووية متقدمة يمكن أن توسع قدراتها النووية المدنية. لكن المشروع السعودي يشير إلى سلميته وربطه بالوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وهنا لا يتعلق النقاش بالسعودية وحدها، وإنما بمستقبل النظام النووي في الشرق الأوسط.فإذا حصلت الرياض على قدرات نووية مدنية متقدمة، واحتفظت بحقوق واسعة في دورة الوقود، فقد تبدأ دول أخرى في المنطقة بالمطالبة بحقوق مماثلة.

ومن هذه الزاوية، فإن اعتراض بعض أعضاء الكونغرس لا ينطلق فقط من عدم الثقة بالسعودية، وإنما من الخوف من فتح باب سباق نووي إقليمي.

ولهذا ينتظر الاتفاق المرور عبر الكونغرس، حيث يمكن أن تواجه الإدارة الأمريكية اعتراضات سياسية وتشريعية قبل دخوله حيز التنفيذ الكامل.

ترامب يربط النووي بالتطبيع

لكن الملف النووي السعودي لا يتحرك منفرداً. فهناك ورقة أخرى وضعها ترامب على الطاولة: التقارب السعودي مع إسرائيل.

ترامب ربط بصورة واضحة بين حصول السعودية على التكنولوجيا النووية الأمريكية وبين انضمام المملكة إلى اتفاقيات أبراهام، التي أراد من خلالها خلال ولايته الأولى توسيع دائرة الدول العربية التي تقيم علاقات مع إسرائيل.

لكن السعودية ترفض إملاءات ترامب وشروطه المرتبطة بالتطبيع مع إسرائيل، بل ترى السعودية بإمكانها إنجاز المشروع النووي بالتوافق مع دول أخرى بعيدة عن الولايات المتحدة.

وبذلك تحولت التكنولوجيا النووية إلى جزء من صفقة سياسية أوسع.السعودية تريد التكنولوجيا النووية والتعاون مع الولايات المتحدة، وواشنطن تريد في المقابل دفع الرياض نحو التطبيع مع إسرائيل.لكن الرياض لم تقدم موافقة مفتوحة على هذا الربط.

السعودية تضع فلسطين على الطاولة

منذ سنوات، حافظت السعودية على موقف واضح من مسألة التطبيع، وربطت انتقال العلاقة مع إسرائيل إلى مرحلة الاعتراف والتطبيع الكامل بتسوية القضية الفلسطينية.

وتتمسك الرياض، وفق النص، بشروط تشمل العودة إلى حدود عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط الخلاف تعقيداً بين الرياض وواشنطن.

فالولايات المتحدة في عهد ترامب اتخذت مواقف مختلفة بشأن القدس، فيما بقي الموقف السعودي مرتبطاً بضرورة الوصول إلى حل سياسي للقضية الفلسطينية.

وهذا يعني أن المسألة ليست صفقة نووية مقابل تطبيع ببساطة، وإنما مساومة سياسية متعددة الملفات. السعودية تريد التكنولوجيا النووية، لكنها لا تريد أن تدفع ثمنها من موقعها السياسي تجاه القضية الفلسطينية.

حلف مكة يضيف بعداً جديداً

وفي خضم هذه المفاوضات، جاءت خطوة أخرى لا يمكن فصلها عن الحسابات النووية الإقليمية، وهي توقيع التحالف الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 أغسطس/آب.

وقد أُطلق على التحالف في النص وصف «حلف شمال الأطلسي السني»، بينما بقيت طبيعة الالتزامات الدفاعية التفصيلية بين أطرافه غير واضحة للرأي العام.

لكن دخول باكستان إلى المعادلة يضيف بعداً حساساً للغاية.

فباكستان هي الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمتلك أسلحة نووية.

ومن هنا بدأت تظهر تساؤلات حول مستقبل التعاون بين الدول الثلاث، وما إذا كان التطور في العلاقات الدفاعية يمكن أن يفتح مستقبلاً أبواباً أوسع للتعاون في التكنولوجيا النووية.وهذه النقطة تحديداً تفسر لماذا ينظر بعض الأمريكيين إلى البرنامج السعودي بقدر أكبر من الحذر.فالمعادلة لم تعد فقط:

السعودية + الولايات المتحدة + الطاقة النووية.

بل أصبحت:السعودية + الولايات المتحدة + إسرائيل + تركيا + باكستان النووية + الحرب مع إيران.وهنا يصبح الملف أكثر تعقيداً بكثير.

إسرائيل تدخل الحسابات السعودية

في المقابل، لا يبدو أن السعودية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مجرد قضية تطبيع دبلوماسي.ففي ظل الحرب الإقليمية، أصبحت العلاقة مع إسرائيل مرتبطة مباشرة بمستقبل الأمن الخليجي والتوازنات العسكرية في المنطقة.

ولهذا فإن السعودية تريد أن تعرف أولاً إلى أين تتجه إسرائيل، وما شكل الحكومة المقبلة، وما إذا كانت ستقدم التزامات واضحة بشأن القضية الفلسطينية.

وبحسب النص، ظهر موقف سعودي أكثر تشدداً عندما أشار مصدر قريب من العائلة المالكة السعودية إلى شرط إضافي يتعلق بالتطبيع، وهو رحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع تفضيل الرياض الانتظار لمعرفة شكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة وموقفها من الفلسطينيين.

وهنا يتضح أن الرياض لا تريد الدخول في اتفاق تاريخي مع إسرائيل في ظل وضع سياسي إسرائيلي غير مستقر، أو في ظل حرب مفتوحة على الفلسطينيين.

صفقة نووية أم إعادة تشكيل للمنطقة؟

في النهاية، لا يمكن النظر إلى الاتفاق النووي السعودي باعتباره مشروعاً لبناء محطة كهرباء فقط.إنه جزء من شبكة واسعة من المصالح والتحالفات والضغوط.

السعودية تريد امتلاك مصادر جديدة للطاقة، وتطوير قدراتها العلمية والتكنولوجية، وتقليل اعتمادها على النفط، وفي الوقت نفسه تعزيز موقعها الاستراتيجي في منطقة أصبحت فيها القوة النووية عاملاً أساسياً في موازين الردع.

أما الولايات المتحدة، فتريد الحفاظ على نفوذها في السعودية والخليج، ومنع انتشار السلاح النووي، وفي الوقت نفسه دفع الرياض نحو تطبيع تاريخي مع إسرائيل.

وإسرائيل تريد ضمان ألا يتحول البرنامج النووي السعودي إلى مسار يمكن أن يهدد تفوقها الاستراتيجي.

أما إيران، فتراقب المشهد من زاوية مختلفة تماماً، لأن أي تطور نووي سعودي قد يضيف لاعباً جديداً إلى معادلة الردع الإقليمي.

وهنا تكمن خطورة المرحلة.فإذا حصلت السعودية على برنامج نووي مدني واسع، وترافقت هذه الخطوة مع اتفاقات دفاعية جديدة وتعاون استراتيجي مع باكستان وتركيا، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة من تعدد مراكز القوة والردع.

الخلاصة

المسألة في جوهرها ليست محطة نووية فقط.إنها تفاوض على الطاقة والأمن والتكنولوجيا والتطبيع والردع ومستقبل المنطقة في وقت يعيش فيه الشرق الأوسط واحدة من أكثر مراحله اضطراباً.

السعودية لا تبدو مستعدة للتخلي عن موقفها الفلسطيني مقابل الحصول على التكنولوجيا النووية، وفي الوقت نفسه لا تريد أن تغلق الباب أمام التعاون مع الولايات المتحدة أو أمام تطوير برنامج نووي مدني طموح.

أما واشنطن، فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تمنح السعودية التكنولوجيا التي تحتاج إليها من دون أن تفتح الباب أمام سباق نووي إقليمي، وكيف تستخدم هذا الملف لدفع الرياض نحو إسرائيل من دون أن تدفعها إلى البحث عن بدائل أخرى؟

ومن هنا يصبح السؤال الأكبر:

هل تنجح واشنطن في تحويل البرنامج النووي السعودي إلى مدخل لتوسيع اتفاقيات أبراهام، أم أن السعودية ستستخدم حاجتها إلى التكنولوجيا النووية لتعزيز استقلالية قرارها الاستراتيجي وبناء شبكة أوسع من الشراكات؟

فالملف النووي السعودي، في هذه المرحلة، لم يعد ملف طاقة فقط.إنه ورقة استراتيجية في إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.

https://hura7.com/?p=83835

الأكثر قراءة