جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تواصل إيران تنفيذ هجمات على دول الخليج، ما يعكس استراتيجية تهديدية مستمرة تستهدف المصالح الحيوية في المنطقة. هذه الهجمات، التي تشمل الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة، لا تقتصر على ضرب القواعد والمصالح الأمريكية في الخليج، بل تتجاوز ذلك لتطال المدن والمرافق المدنية والتجارية، ما يعكس تصعيدًا غير مبرر في المنطقة.
على الرغم من أن إيران تدعي أنها تضرب المصالح الأمريكية في الخليج، إلا أن الحقيقة تكمن في أن هذه القواعد العسكرية أصبحت عمليًا دون تأثير حقيقي. ولا يزال المسؤولون الخليجيون، بما فيهم كبار القادة في دول مجلس التعاون، يطالبون بحوار بناء بين إيران وأمريكا، حيث إنهم يعارضون استخدام أجوائهم لضرب دول عربية أخرى. فعلى سبيل المثال، الرئيس الإيراني في تصريحاته الأخيرة اعتذر بشرط: “إذا تم استخدام القواعد الأمريكية ضد إيران، فإننا سنرد على الفور.” ومع ذلك، تواصل طهران تهديداتها وضرباتها العشوائية، مع استهداف للمدنيين والمرافق الحيوية في دول الخليج.
الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي
وفي تصريح علني من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتاريخ 7 مارس 2026، أعلن الرئيس الإيراني اعتذاره لدول الجوار بعد استهدافها بهجمات خلال الأيام الماضية. وقال إن مجلس القيادة المؤقت وافق على تعليق الهجمات ما لم ينطلق هجوم من تلك الدول على إيران.
معتذرًا للدول المجاورة قائلاً: “ليست لدينا عداوة معها”، مضيفًا: “يجب أن نعمل مع دول الجوار بهدف ضمان وتأمين الأمن والسلام”. مبررًا العمل العدائي بالقول إنه: “في ظل فقدان قادتنا وقائدنا بسبب العدوان الوحشي، فإن قواتنا المسلحة تصرفت بشكل مستقل”. وأكد أن إيران “ملتزمة بالقوانين الدولية والمبادئ الإنسانية، ولا يحق للعدو أن يتجاهل حقوقها”. ثم قدم اعتذارًا لدول الخليج على الضربات العشوائية التي تلقتها، مشددًا على التعاون مع دول الجوار الشقيقة. ومع ذلك، يخرج الحرس الثوري الإيراني عن هذا الاعتذار من خلال الاستمرار في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة إلى النقاط الحيوية واستهداف المناطق التجارية والمالية والسكنية في الخليج العربي.
إيران، في واقع الأمر، لم تقتصر هجماتها على دول الخليج فقط، بل وجهت تهديدات مباشرة إلى إسرائيل، لكن نصيبها من هذه الهجمات كان أقل من 40% من الهجمات التي استهدفت دول الخليج، مما يطرح تساؤلات حول أولويات السياسة الإيرانية في المنطقة.
وفي تطور جديد، أعلنت إيران في 15 مارس 2026، من جديد، أنها تعتبر أمريكا هي التي تضرب دول الخليج لكي تتهم إيران، لكن طهران تتهم واشنطن بتصنيع الطائرات المسيرة التي تُستخدم في الهجمات على الأراضي الخليجية، ما يثير الشعور بالخطر لدى دول الخليج ويعرض مصالح هذه الدول للخطر من جراء الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة. وفي إطار هذا التصعيد، أصدرت إيران تصريحات تنم عن نية للاستيلاء على دول الخليج، ما يفاقم حالة التوتر في المنطقة.
دعوات خليجية لتكاتف أمني
في ظل الدعوات العربية الصريحة لتشكيل جيش عربي في المنطقة، مهمته حماية الدول العربية والدفاع عن الأمن القومي العربي، برزت تغريدة مهمة لوزير خارجية قطر السابق، حمد بن جاسم، في 14 مارس 2026. في هذه التغريدة، نصح بن جاسم دول الخليج بتوحيد صفوفها وإنشاء حلف عسكري مشترك، على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع التركيز على الدور المحوري للسعودية.
وقال بن جاسم: “هذه الحرب في منطقتنا كغيرها من الحروب ستنتهي، ولكنْ هناك دروس وعبر يجب على دول مجلس التعاون أن تستخلصها، وأهمها التكاتف والتحالف ووحدة الكلمة والموقف.” وأضاف: “لقد بات لا مناص أمام دول المجلس من إقامة حلف عسكري أمني فاعل وحقيقي على الأرض، كما هو الحال مع حلف شمال الأطلسي، ويجب أن يكون للسعودية دور رئيسي في هذا الحلف كونها الدولة الأكبر.”
كما شدد بن جاسم على ضرورة بدء هذا التحرك فورًا دون تأخير، مطالبًا الدول الخليجية بتغليب المصالح المشتركة وتجاوز أي خلافات داخلية. وأكد على أهمية تأسيس قاعدة صناعات عسكرية وإلكترونية متقدمة لردع العدوان وحماية شعوب المنطقة من الهجمات المستقبلية.
وفيما يتعلق بإيران، أضاف بن جاسم: “ولعلنا نأخذ العبرة من إيران التي استطاعت، رغم الحصار، أن تطور لنفسها قاعدة صناعة صاروخية متقدمة، قصفت بها للأسف دولنا واعتدت عليها دون وجه حق.”
الخطر الإيراني على الخليج العربي
إن التصعيد الإيراني المستمر ضد دول الخليج، سواء كان عبر الهجمات العسكرية أو عبر التهديدات السياسية، يخلق أجواء من التوتر والخوف في المنطقة. وتدعو هذه التصعيدات إلى ضرورة تعزيز التعاون الخليجي ووحدة الموقف، وخاصة في مواجهة التحديات الأمنية والتهديدات الإيرانية. إذ يرى العديد من المسؤولين في الخليج أنه أصبح من الضروري إنشاء تحالف عسكري مستدام لحماية مصالح المنطقة وتعزيز قدراتها الدفاعية في المستقبل.
وفي هذا السياق، يُظهر التصعيد الإيراني بشكل واضح أن منطقة الخليج لا تزال مطمعًا للعديد من القوى الدولية والإقليمية، التي تسعى لتوسيع نفوذها في هذا الموقع الاستراتيجي الهام. فبالإضافة إلى تهديدات إيران المستمرة، تتشابك مصالح دولية متعددة في المنطقة، من مصالح اقتصادية تتعلق بالنفط والغاز، إلى استراتيجيات أمنية تتعلق بالتوازنات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.
من هنا تأتي أهمية إنشاء قوة دفاعية خليجية مشتركة تكون قادرة على مواجهة هذه التهديدات بكفاءة وفعالية. فلا يمكن لدول الخليج أن تظل تعتمد على القوى الدولية لحمايتها، بل يجب أن تأخذ زمام المبادرة في بناء قدراتها الدفاعية الخاصة. إن تشكيل تحالف عسكري خليجي قوي ومستقل سيعزز من موقف دول المنطقة على الساحة الدولية ويضمن لها حماية أفضل ضد أي تهديدات قد تواجهها في المستقبل.
ومن الضروري أيضًا أخذ الدروس المستفادة من تجربة الحرب ضد إيران الفارسية، التي أثبتت أن الاعتماد على الردع العسكري وحده لا يكفي، بل يجب أن يرافقه استراتيجيات طويلة المدى تتضمن تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين الدول الخليجية، وتطوير التكنولوجيا الدفاعية والقدرة على مواجهة الهجمات الإلكترونية والحروب غير التقليدية. كما يجب أن تركز هذه القوة الدفاعية على تعزيز قدرة دول الخليج على العمل معًا بشكل منسق لمواجهة أي تهديدات مشتركة، وتطوير قدرة استراتيجية على إدارة الأزمات الإقليمية.
إن بناء مثل هذه القوة الدفاعية لا يعني فقط حماية المنطقة من تهديدات خارجية، بل هو أيضًا رسالة قوية للعالم بأن دول الخليج قادرة على الدفاع عن نفسها، وأنها لن تقبل بأن تظل رهينة للقوى الدولية والإقليمية التي تسعى للاستغلال أو التدخل في شؤونها الداخلية. في نهاية المطاف، تبقى قوة الخليج في وحدته، وفي قدرته على بناء مستقبل آمن ومستقر لشعوبه، بعيدًا عن الهيمنة الخارجية والصراعات الإقليمية التي تهدد استقراره.


