الأكثر قراءة

العراق أمام اختبار حصر السلاح وانتهاء الوجود الأميركي

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في الأول من تشرين الأول 2026، تدخل ترتيبات الوجود الأميركي في العراق مرحلة جديدة، بالتزامن مع استحقاق إنهاء مهمة التحالف الدولي، فيما تشير الترتيبات المعلنة إلى اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي من العراق بحلول نهاية أيلول 2026. وقد أكدت واشنطن وبغداد أن مهمة التحالف في العراق ماضية نحو نهايتها في 30 أيلول، مع الانتقال إلى نمط جديد من العلاقات الأمنية الثنائية بين البلدين.

وهذا التطور يضع الحكومة العراقية أمام اختبار بالغ الحساسية، ليس فقط على مستوى العلاقة مع الولايات المتحدة، وإنما أيضاً على مستوى حصرية السلاح بيد الدولة. فقد أصبح ملف السلاح مرتبطاً بصورة مباشرة بمفهوم سيادة الدولة وقدرتها على فرض سلطتها على جميع القوى المسلحة.

انتهاء وجود التحالف في العراق

في نهاية الشهر المقبل، تنتهي مهمة التحالف الدولي في العراق، فيما تعمل الولايات المتحدة على استكمال سحب قواتها العسكرية. وتشير الترتيبات الحالية إلى أن القوات العراقية ستتولى المسؤولية الأمنية بصورة أكبر بعد انتهاء مهمة التحالف، بما في ذلك القوات الأمنية في إقليم كردستان. و يجري أيضاً العمل على توحيد قوات البيشمركة ضمن الإطار الرسمي لوزارة شؤون البيشمركة، بحيث تصبح القوات الكردية أكثر ارتباطاً بهيكل مؤسساتي موحد، وهو مسار تدعمه الولايات المتحدة ضمن ترتيباتها مع إقليم كردستان.

فإن انتهاء الوجود العسكري الأميركي يفتح سؤالاً آخر يتعلق بوضع الفصائل المسلحة ومستقبل السلاح خارج المؤسسات الرسمية. فهل تستطيع الحكومة العراقية تنفيذ مشروعها لحصر السلاح، وإقناع الفصائل بالانضواء الكامل تحت سلطة الدولة، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد مواجهة سياسية وأمنية حول هذا الملف؟

المليشيات العراقية وقرار حصر السلاح

لا يزال قرار الدولة العراقية بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية يشكل أحد أهم الملفات السياسية والأمنية في المرحلة المقبلة. وقد حددت الحكومة العراقية نهاية أيلول/سبتمبر موعداً نهائياً لعملية تسليم الأسلحة الخارجة عن إطار الدولة، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي. لذا، تبدو مواقف الفصائل المسلحة متفاوتة؛ فقد أعلنت بعض الفصائل استعدادها لوضع سلاحها تحت سلطة الدولة والاندماج في المؤسسات الرسمية، في حين لا تزال فصائل أخرى مترددة أو رافضة للتخلي عن سلاحها.

لقد ظهرت بالفعل مؤشرات على استعداد بعض الفصائل للانتقال إلى الإطار الرسمي، إذ أعلنت عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي خطوات تتعلق بوضع السلاح تحت سيطرة الدولة، في وقت تستمر فيه الحكومة بالضغط باتجاه توحيد القرار الأمني والعسكري. هنا تكمن المشكلة الأساسية: هل سيكون حصر السلاح عملية فعلية تؤدي إلى احتكار الدولة للقوة، أم ستتحول العملية إلى إعادة تنظيم للفصائل وإدماجها شكلياً مع بقاء قدراتها ونفوذها خارج السيطرة الكاملة للدولة؟

السياسة الإيرانية وتأثيرها في القرار العراقي

يزداد السؤال حساسية مع الزيارات المتكررة لقائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني إلى بغداد ولقاءاته مع القوى السياسية والفصائل المسلحة. وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن ملف سلاح الفصائل كان من بين الملفات التي نوقشت خلال هذه اللقاءات، وأن طهران تسعى إلى الحفاظ على نفوذ حلفائها داخل المعادلة الأمنية والسياسية العراقية.

و يمكن قراءة الموقف الإيراني باعتباره أحد العوامل المؤثرة في مستقبل عملية حصر السلاح، خصوصاً أن بعض الفصائل العراقية ترتبط سياسياً وأمنياً بإيران. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن القرار العراقي يخضع بالكامل لطهران؛ فالحكومة العراقية تتحرك أيضاً ضمن حسابات داخلية مرتبطة بسيادة الدولة، وبالعلاقة مع الولايات المتحدة، وبالمؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية. أما الحديث عن وجود خطة مبيتة للانقلاب على الحكومة أو الشرعية الرسمية، فلا توجد أدلة موثوقة تسمح بالجزم بوجود مثل هذه الخطة. لذلك يبقى الحديث عنها في إطار الاحتمال والتحليل السياسي، وليس حقيقة مثبتة.

انسحاب القوة الأميركية من العراق

إن تزامن انسحاب القوات الأميركية، وموعد حصر السلاح، والتحرك الإيراني داخل بغداد يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على فرض قرارها السيادي. فنجاح الحكومة في حصر السلاح سيعني انتقالاً مهماً نحو تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، بينما فشلها قد يفتح الباب أمام صراع جديد على النفوذ داخل العراق، ولا سيما إذا اعتبرت بعض الفصائل أن التخلي عن سلاحها سيؤدي إلى فقدان جزء من قوتها السياسية والأمنية.

اذًا، فإن انتهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني بالضرورة انتهاء التأثير الأميركي في العراق. فالولايات المتحدة تتجه إلى علاقة أمنية ثنائية جديدة بعد انتهاء مهمة التحالف، بينما يبقى العراق ساحة لتداخل المصالح الأميركية والإيرانية والإقليمية. وقد تتحول المنافسة من الوجود العسكري المباشر إلى التأثير السياسي والأمني والاقتصادي والدبلوماسي، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد الانسحاب أكثر تعقيداً، لا أقل أهمية.

والسؤال الأهم هنا ليس فقط: هل ستسلم الفصائل سلاحها؟ بل: هل تمتلك الحكومة العراقية القوة السياسية والأمنية الكافية لتنفيذ قرار حصر السلاح، أم أن مصير عملية التسليم سيبقى على المحك، بما قد يؤدي إلى تصاعد التوتر وحدوث فوضى داخلية تهدد استقرار الدولة؟

في النهاية، تبدو المرحلة المقبلة أمام العراق اختباراً حقيقياً لمفهوم سيادة الدولة واحتكارها المشروع للقوة. فبين انتهاء الوجود العسكري الأميركي، واستمرار النفوذ الإقليمي، وملف الفصائل المسلحة، وتعدد مراكز القوة، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تفرض قرار الدولة من دون أن يتحول تنفيذ حصر السلاح إلى مواجهة داخلية تهدد الأمن والاستقرار؟

إن نجاح هذه العملية لن يتوقف على إصدار القرار فقط، بل على قدرة الحكومة على تنفيذه تدريجياً، وإقناع الفصائل بالانضواء تحت المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية، ومنع انتقال الخلاف حول السلاح إلى صراع سياسي أو أمني مفتوح.

https://hura7.com/?p=83376

الأكثر قراءة