الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

العرب بين إسرائيل وإيران والفلسطينيين حاملي السردية الإيرانية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في خضم الصراع العربي المستمر، نجد أنفسنا أمام مشهد معقد ومتشابك، حيث لا تقتصر التحديات التي تواجه الأمة العربية على العدو الإسرائيلي فحسب، بل تتداخل معها مخاطر أخرى، أبرزها الخطر الإيراني الذي أصبح جزءًا من المعادلة الإقليمية. يُنظر إلى إسرائيل على أنها العدو الأول في الوعي العربي، خاصة بسبب سياساتها الاستعمارية في فلسطين التي تسببت في الكثير من المآسي والدمار. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة، فهي تساهم في تعقيد الوضع العربي من خلال سياساتها التوسعية التي تسعى لاستغلال الدين كغطاء لتوسيع نفوذها، ما يجعلها تشكل تهديدًا آخر يتقاطع أحيانًا مع المشروع الإسرائيلي.

إيران، مثل إسرائيل، تحاول فرض مشروعها في المنطقة، لكن مع اختلافات في الأسلوب والمبررات. بينما تستخدم إسرائيل القومية اليهودية لتبرير احتلالها للأراضي العربية، فإن إيران تسوق نفسها كمدافع عن المذهب الشيعي والمقاومة، رغم أن طموحاتها في الهيمنة على المنطقة لا تختلف كثيرًا عن الطموحات الإسرائيلية. كلا البلدين يسعيان للسيطرة على الأراضي العربية، وليس لمصلحة الشعوب العربية أو لتحقيق مصالحها، بل لمصالحهما الخاصة.

هذه الحقيقة تجعل الوضع العربي أكثر تعقيدًا. ففي حين قد يبدو من السهل دعم أحد المشروعين في مواجهة الآخر، فإن الواقع يفرض على الشعوب العربية مواجهة تهديدين حقيقيين: الأول من إسرائيل، والثاني من إيران. هذا الصراع بين المطامع الإيرانية والإسرائيلية يقوّض استقرار الدول العربية ويهدد سيادتها.

المشاعر الشعبية ضد اسرائيل

ومع تصاعد المشاعر الشعبية المؤيدة للمقاومة ضد إسرائيل، لا يمكن إغفال التدخلات الإيرانية في الشؤون العربية. إيران، التي تبنت خطابًا ثوريًا منذ الثورة الإسلامية، قد تدعي أنها تدافع عن فلسطين، لكن تدخلاتها العسكرية والسياسية في دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن، جعلت من الصعب تجاهل حقيقة أن إيران تسعى لتحقيق مصالحها الإقليمية الخاصة على حساب استقرار المنطقة. هذا التدخل الإيراني يزيد من تعقيد الأزمة العربية ويفاقم الانقسامات بين الدول العربية.

لكن ما يثير القلق هو تبني بعض الفلسطينيين للسردية الإيرانية بشكل مبالغ فيه. فبينما نرى في كثير من الأحيان تعاطفًا عاطفيًا مع المقاومة ضد إسرائيل، نجد أن بعض الفلسطينيين يرون في إيران القوة الوحيدة القادرة على تحرير فلسطين. وهذا الطرح، رغم أنه يبدو غير منطقي، ويفتقر إلى الفهم العميق للمصالح الإيرانية في المنطقة. إذ تحاول إيران استغلال القضية الفلسطينية ليس لتحقيق العدالة للفلسطينيين، بل لتعزيز مصالحها الخاصة في المنطقة.

تجاهل تضحيات الدول العربية في القضية الفلسطينية

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. بعض الفلسطينيين يظهرون موقفًا عدائيًا تجاه الدول العربية، خاصة الخليجية، ويُتهمون بتجاهل التضحيات الكبيرة التي قدمتها هذه الدول للقضية الفلسطينية على مر العقود. فبدلاً من الاعتراف بالدور العربي الكبير، يظهر بعض الفلسطينيين بمظهر المتجاهلين لمساعدة العرب، بل ويربطون أي تحرك عربي إيجابي مع مصالح إسرائيلية. وهذه النظرة تخلق حالة من الإنكار تجاه الأزمات التي تعصف بالعالم العربي، مثل الحروب الأهلية التي طالت العديد من الدول العربية بفعل التدخلات الإيرانية، والتي خدمت في النهاية الأهداف الإسرائيلية.

من الملفت أن بعض الفلسطينيين الذين يفضلون الهروب إلى أوروبا أو العيش في رفاهية الغرب الأمريكي يتبنون مواقف هجومية ضد العرب والعروبة من الخارج. هؤلاء، الذين استفادوا من فرص التعليم والإقامة في الدول الغربية، يتحولون إلى منابر لانتقاد دول الخليج والعرب بشكل عام، في حين أنهم لا يتوانون عن الاستفادة من كل ما تقدمه تلك الدول الغربية من فرص.

هذا التفكير السطحي والمغلوط لدى بعض المثقفين الفلسطينيين يعمق الهوة داخل المجتمع الفلسطيني نفسه. هؤلاء المثقفون يروجون لفكرة أن الفلسطينيين يجب أن يظلوا في صراع مستمر ضد إسرائيل دون النظر إلى الوضع الإقليمي والعلاقات الدولية المعقدة. فهم يُصرون على أن العالم العربي والإسلامي يجب أن يكون في خدمة القضية الفلسطينية، في حين أن معظمهم يبتعد عن المشاركة الفعلية في تلك المعركة.

مواقف فلسطينية ضد العرب والعروبة من الخارج

وما يزيد من تعقيد الأمر هو أن بعض الفلسطينيين يلقون اللوم الكامل على العرب في ما يتعلق بخسارة فلسطين، في حين يتجاهلون حقيقة أن الدول العربية، بما فيها دول الخليج، قدمت الكثير من الدعم السياسي والمالي للشعب الفلسطيني. وبينما يدين هؤلاء التدخلات العربية في الشؤون الفلسطينية، يفتحون أذرعهم لإيران، التي مارست مجازر بحقهم تفوق في حجمها ما قامت به إسرائيل.

إذًا، يعكس هذا الفهم السطحي للقضية الفلسطينية تجاهلًا حقيقيًا للواقع الإقليمي، ويعمي البعض عن حقيقة أن إيران ليست مهتمة بتحرير فلسطين بقدر ما هي مهتمة بتوسيع نفوذها في المنطقة. وبينما يراهن بعض الفلسطينيين على الدعم الإيراني، يغفلون عن أن طهران، من خلال تدخلاتها المستمرة في الشؤون العربية، تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة، حتى لو كانت تلك المصالح تتقاطع مع مصالح الشعب الفلسطيني.

هذه الرؤية الضيقة قد تساهم في تدمير القضية الفلسطينية أكثر مما تعززها. والأهم من ذلك، فإن المصلحة العربية تكمن في مواجهة كلا المشروعين، الإسرائيلي والإيراني، والعمل على بناء جبهة عربية قوية وموحدة لمواجهة التحديات المستقبلية، دون الانحياز الكامل لأي طرف من الطرفين.

العلاقة الإيرانية الفلسطينية

عند الحديث عن العلاقة بين ياسر عرفات والثورة الإيرانية خلال الفترة التي تلت انتصار الثورة الإسلامية في إيران، يكشف عن جوانب معقدة في تاريخ القضية الفلسطينية. يعرف الشعب الفلسطيني أن ياسر عرفات كان قائدًا فاعلاً للثورة الفلسطينية، وقد شهدت فترته دورًا كبيرًا في التواصل مع القوى الإقليمية والدولية. لكن حقيقة أن الخلاف بين عرفات والثورة الخومينية كان له تأثير كبير على مجريات الصراع الفلسطيني والعربي لا تزال نقطة جدل لدى البعض، خاصة في السياق الإيراني.

1-العلاقة الأولية بين عرفات وإيران

منذ بداية الثورة الإيرانية، كان ياسر عرفات يبدي دعمًا واضحًا لها. وقد فتح معسكرات تدريب لثوار إيرانيين في لبنان وقدم لهم الدعم العسكري في إطار التنسيق بين الثورة الفلسطينية والثورة الإيرانية. كما التقى عرفات بالخميني في منفاه في باريس، حيث كان يتحدث معه بالعربية، وهو ما يعكس اهتمامه ببداية العلاقة بين قيادتي الثورة الفلسطينية والثورة الإيرانية.
عندما انتصرت الثورة الإيرانية عام 1979، سافر عرفات إلى طهران لتقديم التهنئة للخميني، وهو ما يعكس الإيمان المشترك في دعم الثورات التحررية ضد الهيمنة الغربية. لكن المفارقة كانت في أن الخميني لم يتحدث مع عرفات بالعربية، بل استدعى مترجمًا، في موقف اعتُبر بمثابة تحديد الفجوة بين القيادتين، حيث كان الخميني يجلس على كرسي أعلى من عرفات، وهو ما اعتُبر بمثابة إشارة رمزية إلى التفوق الإيراني على القيادة الفلسطينية. هذا الموقف كان بداية للتوتر بين الطرفين.

2-رغبة عرفات في الوساطة بين إيران والدول العربية

عرفات كان يحاول لعب دور الوسيط بين إيران والدول العربية، حيث كان يسعى إلى تجنب أي صراع إيراني عربي قد يعكر صفو العلاقات الإقليمية، وخصوصًا في وقت كانت القضية الفلسطينية على رأس الأجندة العربية. كان يعتقد أن دعم إيران للقضية الفلسطينية سيكون خطوة مهمة، وطلب من الخميني أن يساهم في تقليص الهوة بين إيران والدول العربية من خلال تغيير تسميات مثل “الخليج الفارسي” إلى “الخليج الإسلامي”. كان هذا يمثل محاولة من عرفات لخلق نوع من التوازن بين القوى الكبرى في المنطقة، إلا أن ذلك لم يكن مقبولًا لدى الخميني، الذي كان يراه جزءًا من استراتيجياته لتوسيع نفوذه.

3-التدخل الإيراني في الشؤون الفلسطينية

من الأمور التي أحدثت خرقًا في العلاقة بين عرفات وإيران كانت رغبة الخميني في أن تصبح إيران القوة الرئيسية التي تقود الكفاح الفلسطيني. وفقًا لبعض المصادر، طلب الخميني من ياسر عرفات أن تكون القضية الفلسطينية تحت سيطرة إيران، بل وأن يُرسل إلى القيادة الفلسطينية عدد من رجال الدين من الملالي والحرس الثوري الإيراني ليقودوا ثورة فلسطين. هذا الاقتراح كان بمثابة تدخل في الشؤون الداخلية للفلسطينيين، حيث اعتبر عرفات ذلك مساسًا بسيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها المستقلة. رد عرفات بالرفض القاطع، مؤكدًا أنه “ياسر عرفات، قائد منظمة التحرير الفلسطينية” ولا يمكنه السماح بإدخال أي قوى خارجية لقيادة الثورة.

4-التحول إلى الدعم الإيراني غير المباشر

رغم التوتر بين عرفات وإيران، إلا أن الواقع على الأرض شهد تحولًا تدريجيًا. فبعد أن فشلت محاولات عرفات في تحقيق التوازن بين القوى الإقليمية، وخاصة مع إيران، لم تلبث طهران أن أصبحت اللاعب الأبرز في دعم الخيار العسكري الفلسطيني. من خلال دعمها المباشر لحركة “حماس” وحركة “الجهاد الإسلامي”، أصبحت إيران الراعي الرئيسي للعديد من الفصائل الفلسطينية التي اختارت طريق المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي. ورغم تباين المواقف، فقد تحولت طهران إلى داعم أساسي لهذه الفصائل، مما أثّر بشكل كبير على القرار الفلسطيني العسكري.

في النهاية، تبين أن فكرة عرفات في موازنة الإيرانيين والعرب في معسكر واحد لم تجد نجاحًا حقيقيًا على أرض الواقع. وبالرغم من ذلك، فإن الدعم الإيراني للمقاومة الفلسطينية أصبح واقعًا قائمًا، حيث تمكنت إيران من التأثير على القرار الفلسطيني العسكري عبر دعم حركات إسلامية في قطاع غزة والضفة الغربية.

بدلاً من أن تكون إيران، حليفًا حقيقيًا للقضية الفلسطينية بشكل كامل، استخدمت الدعم الفلسطيني كجزء من استراتيجيتها الإقليمية. ورغم موقفه الصارم في بداية العلاقة مع إيران، فقد أصبحت طهران الراعي الرئيس للخيار العسكري الفلسطيني، بما في ذلك دعمها لحركات “حماس” و”الجهاد الإسلامي”. في النهاية، لم يكن ياسر عرفات قادرًا على إحداث التوازن الذي كان يطمح إليه بين القوى العربية والإيرانية. بل على العكس، أصبحت إيران هي القوة الرئيسية التي تتحكم في بعض الفصائل الفلسطينية.

إيران، من خلال تدخلاتها في الشؤون الفلسطينية، أظهرت أن مصالحها الإقليمية تفوق حتى المصلحة الفلسطينية. ففي الوقت الذي تدعي فيه إيران دعمها للمقاومة الفلسطينية، نجد أنها تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة في المنطقة، وبالتالي فإن دعمها ليس نابعًا من رغبتها في تحرير فلسطين، بل من استراتيجيتها لتوسيع نفوذها الإقليمي. على الرغم من أن الفصائل الفلسطينية التي تدعمها إيران قد استفادت من هذا الدعم، فإن المصلحة الفلسطينية الحقيقية تكمن في الحصول على دعم عربي موحد وتجنب الانخراط في الصراعات الإقليمية التي قد تضر بالقضية الفلسطينية على المدى الطويل.

في النهاية، يبقى أن المصلحة الفلسطينية يجب أن تكون في موازاة مع دعم دول المنطقة، وعلى رأسها الدول العربية، مع التأكيد على ضرورة مقاومة المشاريع الإقليمية التي تسعى لاستغلال القضية الفلسطينية لأغراض أخرى.

https://hura7.com/?p=77061

 

الأكثر قراءة