جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

قبل أسابيع قليلة من القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، عادت العقوبات الأمريكية لتلقي بظلالها على العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، في خطوة تعكس تمسك واشنطن باستخدام أدوات الضغط الاقتصادي وحقوق الإنسان في إدارة تنافسها الاستراتيجي مع بكين.
فقد أعلن البيت الأبيض فرض قيود جديدة على 43 شركة صينية، مانعًا إياها من تصدير منتجاتها إلى السوق الأمريكية، استنادًا إلى اتهامات باستخدام العمالة القسرية في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم، حيث تقيم أقلية الإيغور إلى جانب الكازاخستانيين ومجموعات عرقية أخرى. ووصفت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية هذه الخطوة بأنها أكبر توسع في إدراج الشركات الصينية على قوائم العقوبات منذ بدء تطبيق قانون منع استيراد للمنتجات المصنعة بالعمل القسري.
وتؤكد الإدارة الأمريكية أن هذه الإجراءات لا ترتبط فقط بحقوق الإنسان، بل أيضًا بحماية الاقتصاد الأمريكي من المنافسة غير العادلة. وفي هذا السياق، شدد وزير الأمن الداخلي الأمريكي على أن الولايات المتحدة لن تسمح لشركات أجنبية تعتمد على العمل القسري بالحصول على امتيازات داخل السوق الأمريكية، موضحًا أن القيود المفروضة منذ إدارة ترامب حالت دون دخول بضائع تتجاوز قيمتها مليار دولار، شملت منتجات الألومنيوم والقطن والنحاس والملابس والطماطم.
غير أن توقيت هذه العقوبات يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب التجاري. فقبل القمة المنتظرة، يبدو أن واشنطن تسعى إلى تعزيز موقفها التفاوضي عبر زيادة الضغوط على بكين، في محلولة للحصول على تنازلات في ملفات التجارة، والمعادن الأرضية النادرة، وفتح الأسواق الصينية أمام الشركات الأمريكية.
شينجيانغ… من ملف حقوق الإنسان إلى ورقة ضغط سياسية
تزامنت العقوبات مع تصاعد النقاش داخل الولايات المتحدة حول السياسة الصينية تجاه الأقليات العرقية، ولا سيما في إقليم شينجيانغ. فقد أعادت مؤسسات ومراكز بحثية أمريكية تسليط الضوء على التحولات التي شهدتها السياسة الصينية خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن بكين انتقلت من نموذج يمنح الأقليات قدرًا من الحكم الذاتي الثقافي والإداري إلى سياسة تقوم على تعزيز الاندماج الكامل ضمن الهوية الوطنية الصينية.
تنشر تحليلات غربية إلى أن القانون الصيني الجديد الخاص بالحفاظ على الوحدة العرقية، الذي دخل حيز التنفيذ مؤخرًا، يمثل تحولًا في فلسفة إدارة التنوع داخل الصين، إذ يمنح الأولوية لتعزيز الهوية الوطنية المشتركة من خلال تعميم اللغة والثقافة الصينيتين، وهو ما تعتبره بكين ضرورة للحفاظ على وحدة الدولة، بينما تنظر إليه واشنطن باعتباره تراجعًا عن مبدأ الحكم الذاتي الذي نصت عليه التشريعات الصينية السابقة.
وبذلك، لم تعد قضية الإيغور مجرد ملف حقوقي، بل أصبحت جزءًا من أدوات المنافسة السياسية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين.
العقوبات لا تعني نهاية الحوار
بالرغم من التصعيد الأمريكي، فإن المؤشرات الدبلوماسية لا توحي بانهيار مسار الحوار بين البلدين. فقد سبقت العقوبات لقاءات بين وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ، في إطار التحضير للقمة المنتظرة بين ترامب وشي جين بينغ.
ويرى مراقبون أن العقوبات تستهدف زيادة الضغط على الصين دون الوصول إلى مرحلة القطيعة الاقتصادية. فالولايات المتحدة تدرك أن حجم التشابك التجاري مع الصين يجعل من الصعب الانتقال إلى مواجهة اقتصادية شاملة، كما أن بكين بدورها لا ترغب في انهيار قنوات التواصل مع واشنطن في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، أعلنت الصين أنها سترد على الإجراءات الأمريكية، لكنها لم تُظهر حتى الآن رغبة في تعطيل القمة أو الانسحاب من مسار المفاوضات، وهو ما يعكس إدراك الطرفين لأهمية استمرار الحوار رغم تصاعد الخلافات.
رهانات متبادلة قبل القمة
تدخل واشنطن القمة وهي تطمح إلى تحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية، أبرزها تحسين شروط التجارة الثنائية، وضمان استمرار وصول الشركات الأمريكية إلى السوق الصينية، إضافة إلى معالجة ملف المعادن الأرضية النادرة التي تمثل عنصرًا أساسيًا في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.
أما الصين، فتسعى إلى منع تصعيد جديد في الحرب التجارية، وتجنب فرض رسوم جمركية إضافية أو توسيع القيود المفروضة على صادرات التكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب الحفاظ على استقرار العلاقات الاقتصادية مع أكبر شريك تجاري لها.
هل تنجح سياسة العقوبات؟
يرى عدد من المحللين أن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد الأدوات التقليدية نفسها في إدارة تنافسها مع الصين، والمتمثلة في العقوبات التجارية، والقيود الاقتصادية، وربط العلاقات الثنائية بملفات حقوق الإنسان. ويعتقد بعض الخبراء أن هذه السياسة قد تمنح واشنطن أوراقًا تفاوضية إضافية على المدى القصير، إلا أنها في المقابل تدفع بكين إلى تسريع سياسات الاكتفاء الذاتي، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا والأسواق الأمريكية، وتعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية.
ويؤكد عدد من المتابعين للعلاقات الأمريكية– الصينية أن واشنطن لم تقدم حتى الآن مقاربة جديدة في تعاملها مع الصين، بل ما زالت تعتبر العقوبات والقيود التجارية أداتها الرئيسية للضغط وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. وفي المقابل، تنظر بكين إلى هذه الإجراءات على أنها انتهاك للتفاهمات التجارية السابقة، وتراجع عن الهدنة التجارية التي جرى التوصل إليها بين الطرفين، وهو ما يعكس استمرار منطق المنافسة الاستراتيجية بدلًا من الانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا في إدارة الخلافات.
كما تبدو سياسة العقوبات سلاحًا ذا حدين، فهي قد تمنح الولايات المتحدة نفوذًا تفاوضيًا مؤقتًا، لكنها في الوقت نفسه تعمق توجه الصين نحو بناء اقتصاد أكثر استقلالًا، وتسريع مشاريعها في مجالات التكنولوجيا والصناعة وسلاسل الإمداد. ولذلك، فإن استمرار الاعتماد على العقوبات وحدها قد لا يحقق تغييرًا جوهريًا في السلوك الصيني، بقدر ما يرسخ حالة التنافس الاستراتيجي بين القوتين ويؤجل فرص الوصول إلى تفاهمات أكثر استدامة.
مستقبل العلاقة بين واشنطن وبكين
تكشف التطورات الأخيرة أن العلاقات الأمريكية الصينية دخلت مرحلة يصعب فيها الفصل بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي. فالعقوبات لم تعد مجرد أدوات لمعالجة الخلافات التجارية، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
ورغم أن قمة ترامب وشي جين بينغ تبدو مرشحة للانعقاد، فإنها ستجري في ظل أجواء يطغى عليها انعدام الثقة وتراكم الخلافات. ولذلك، من المرجح أن تركز القمة على إدارة المنافسة بين القوتين أكثر من إنهائها، بما يحافظ على قنوات الحوار ويمنع تحول الحرب التجارية والتكنولوجية إلى مواجهة أكثر اتساعًا في المستقبل


