
جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
بعد نحو عام ونصف من الأخذ والرد داخل أروقة الكونغرس الأمريكي، وصلت أخيرًا قصة ما أُطلق عليها اسم “العقوبات الجهنمية”، أو “العقوبات الفائقة”، إلى محطة حاسمة. فقد أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يمنح الرئيس دونالد ترامب أداة جديدة للضغط على الدول التي تواصل شراء الطاقة من روسيا أو إيران، عبر فرض تعريفات جمركية يمكن أن تصل إلى مستويات باهظة.
وبذلك، لم تعد المسألة مجرد عقوبات إضافية على موسكو أو طهران، بل أصبحت ورقة يمكن أن تمتد آثارها إلى شركاء تجاريين للولايات المتحدة، وربما إلى دول أوروبية أيضًا.
ويبقى السؤال الأكبر بعد إقرار القانون: من سيكون الهدف الفعلي لهذه الأداة الجديدة؟ روسيا؟ إيران؟ أم أن نطاق استخدامها قد يمتد إلى الاتحاد الأوروبي؟
الكرملين يحذر من تعقيد التسوية في أوكرانيا
لم يتأخر رد موسكو على إقرار مشروع القانون. فقد قال ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس الروسي، إن فرض عقوبات أمريكية إضافية سيعقّد، بلا شك، الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية سلمية للصراع في أوكرانيا.
لكن النقاش حول القانون في الولايات المتحدة تجاوز في بعض جوانبه حدود الصراع الروسي-الأوكراني. فالمشروع الذي ظهر للمرة الأولى في بداية عام 2025 تحول تدريجيًا إلى جزء من نقاش أمريكي أوسع حول حدود السلطة الرئاسية، واستخدام التعريفات الجمركية، والعلاقة المتوترة بين البيت الأبيض والكونغرس.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية القانون: فهو لا يكتفي بإضافة عقوبات جديدة، وإنما يمنح الرئيس مساحة واسعة لتحديد الدول التي ستتأثر بها.
سباق مع عطلة الكونغرس والانتخابات النصفية
جاء التصويت في مجلس النواب قبل يوم واحد فقط من بدء عطلة الكونغرس، التي ستستمر حتى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وكان عامل الوقت حاسمًا. فوفقًا للاستطلاعات التي استند إليها النقاش آنذاك، كان من المتوقع أن يتغير ميزان القوى في مجلس النواب بعد الانتخابات، مع احتمال فقدان الجمهوريين أغلبيتهم. ولذلك، بدا تمرير المشروع قبل العطلة وكأنه سباق مع الزمن.
ولو تأجل التصويت، فقد يصبح إقرار القانون أكثر صعوبة، وربما يدخل المشروع في دوامة جديدة من المفاوضات السياسية. وجاءت النتيجة واضحة: صوّت 203 جمهوريين و58 ديمقراطيًا ومستقل واحد لصالح المشروع، مقابل 152 ديمقراطيًا و7 جمهوريين عارضوه.لكن هذه الأرقام تخفي وراءها انقسامًا أكثر تعقيدًا.
قانون يمنح ترامب صلاحية واسعة
لفهم سبب هذا الانقسام، لا بد من العودة إلى مضمون القانون نفسه. ينص المشروع على إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على واردات من خمس دول، يحددها الرئيس، من بين الدول التي تعد من كبار مستوردي الطاقة الروسية أو الإيرانية. وهذه النقطة تحديدًا هي التي أثارت قلق عدد كبير من الديمقراطيين.
فمن وجهة نظر معارضي القانون، لا تقتصر المشكلة على معاقبة روسيا أو إيران، بل تتمثل في منح ترامب أداة إضافية لاستخدام التعريفات الجمركية ضد دول أخرى وفقًا لتقديره السياسي.
وفي ظل السجل المتوتر لإدارة ترامب في ملف الرسوم الجمركية، يخشى هؤلاء أن تتحول الأداة المصممة للضغط على خصوم واشنطن إلى وسيلة لإشعال نزاعات تجارية جديدة مع دول لا تتوافق سياساتها مع البيت الأبيض.
محاولة لتقييد سلطة الرئيس
ظهر هذا القلق بوضوح عندما كان مجلس الشيوخ يناقش المشروع في أغسطس الماضي. فقد حاول الديمقراطيون تمرير تعديل يحرم الرئيس من سلطة فرض الرسوم الجمركية بشكل منفرد، ويضع قيودًا على قدرته في تحديد قائمة الدول التي تشتري النفط والغاز الروسيين.فشل التعديل، ثم أقر مجلس الشيوخ مشروع القانون بأغلبية كبيرة بلغت 86 صوتًا مقابل 11.
ومع ذلك، لم ينته الجدل. فمعظم الديمقراطيين ظلوا معارضين للقانون، ما يترك الباب مفتوحًا أمام محاولات لاحقة لتعديله بعد انتخابات نوفمبر، إذا تغيرت موازين القوى داخل مجلس النواب.
عندما يتفق خصوم ترامب على العقوبات
المفارقة أن بعض أشد خصوم ترامب السياسيين وجدوا أنفسهم مؤيدين للقانون. ومن أبرز هؤلاء عضو الكونغرس الديمقراطي دان غولدمان، الذي كان من المشاركين في محاولة عزل ترامب خلال ولايته الأولى. وكان موقف غولدمان مثالًا على الانقسام الذي أحدثه المشروع داخل الحزب الديمقراطي. فهو ينتقد ترامب بشدة، لكنه في الوقت نفسه يرى أن أي خطوة تستهدف روسيا يمكن أن تخدم أوكرانيا، وبالتالي تستحق التأييد.وقد لخّص موقفه بالقول إن اتخاذ بعض الإجراءات المناهضة لروسيا أفضل من عدم اتخاذ أي إجراء على الإطلاق.
وهكذا، وجد بعض معارضي ترامب أنفسهم أمام معادلة سياسية غير مريحة: هل يعارضون أداة يمنحها الرئيس سلطة واسعة، أم يؤيدونها لأنها قد تزيد الضغط على روسيا؟
من ستكون الدول الخمس؟
لكن الجزء الأكثر إثارة في القصة لا يتعلق بما ينص عليه القانون فقط، وإنما بكيفية استخدامه.قبل تصويت مجلس الشيوخ، تداولت وسائل إعلام أمريكية قائمة بخمس دول يُحتمل أن تستهدفها الإدارة الأمريكية، باعتبارها من كبار مشتري النفط الروسي.وضمت القائمة الهند والصين وسلوفاكيا والمجر وأذربيجان.غير أن مجرد النظر إلى هذه القائمة يطرح سؤالًا آخر: ماذا عن دول الاتحاد الأوروبي التي لا تزال تستورد بعض أشكال الطاقة الروسية؟وهنا برز اسم فرنسا.
فرنسا تدخل الحسابات
وفقًا لحسابات استندت إلى بيانات يوروستات، أصبحت فرنسا في يوليو الماضي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال الروسي داخل الاتحاد الأوروبي.وبلغت قيمة مشترياتها من الغاز الطبيعي المسال الروسي نحو 365 مليون يورو، مقارنة بنحو 171 مليون يورو للمجر، و132 مليون يورو لليونان، و119 مليون يورو لبلغاريا.وهذه الأرقام تجعل السؤال أكثر تعقيدًا: إذا كان الهدف هو معاقبة الدول التي تشتري الطاقة الروسية، فهل يمكن أن تجد دولة أوروبية نفسها في مرمى القانون الأمريكي؟
السؤال يصبح أكثر حساسية في ظل تدهور العلاقات بين إدارة ترامب وفرنسا، وكذلك التوترات المتزايدة بين واشنطن والاتحاد الأوروبي بشأن التجارة والسياسات الاقتصادية والأمنية. وهكذا، فإن القانون الذي قُدّم أساسًا كأداة للضغط على روسيا وإيران قد يتحول، بحسب طريقة تطبيقه، إلى مصدر توتر جديد بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
العقوبات لا تعني بالضرورة مواجهة دائمة
من الجانب الروسي، لا يرى بعض الخبراء بأن آثار القانون ستكون بالضرورة غير قابلة للعكس.فأن القانون يمنح الرئيس صلاحيات واسعة لتغيير الرسوم الجمركية أو إنهائها، مع وجود بعض الإجراءات التي تتطلب إخطار الكونغرس أو اتباع مسارات قانونية محددة.وبالتالي، فإن العقوبات، من الناحية القانونية، يمكن تعديلها إذا تغيرت الظروف السياسية.وهذا يعني أن القانون لا يمثل بالضرورة قرارًا دائمًا بقطع العلاقات الاقتصادية، وإنما يوفر للبيت الأبيض أداة يمكن استخدامها أو تخفيفها أو تعديلها بحسب تطورات السياسة الأمريكية والعلاقات الدولية.لكن امتلاك الأداة بحد ذاته يحمل رسالة سياسية قوية.
بين موسكو وواشنطن… مساحة للمساومة
في هذا السياق، يمكن النظر إلى القانون باعتباره ورقة ضغط أكثر منه مجرد قائمة جديدة من العقوبات. فإذا قررت الإدارة الأمريكية تفعيل الرسوم، يمكن أن تتعرض الدول المستهدفة لضغوط اقتصادية كبيرة. أما إذا اختارت واشنطن عدم استخدامها، فإن مجرد وجودها في القانون يمنح الرئيس قدرة إضافية على التفاوض.
وهذا ما يجعل مستقبل القانون مرتبطًا بقرار سياسي أكثر من ارتباطه بالنص التشريعي وحده. فالقانون لا يفرض تلقائيًا رسومًا على جميع الدول المعنية، بل يترك مساحة واسعة لتقدير الرئيس.ومن هنا جاءت المخاوف الروسية من أن يصبح القانون أداة للضغط السياسي المباشر.
“العقوبات الجهنمية” وسؤال السلطة
تابع جزء من النقاش الروسي عبر قنوات تيليغرام التي رأت في القانون خطوة عدائية تجاه موسكو، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن تطبيق الإجراءات لا يحدث تلقائيًا.لقد ظهر نقاش أوسع حول تركيز قدر كبير من الصلاحيات الاقتصادية في يد الرئيس الأمريكي.فالمسألة، بالنسبة إلى المنتقدين، لا تتعلق فقط بروسيا أو إيران، وإنما بالسؤال الأوسع: إلى أي مدى يمكن للرئيس الأمريكي أن يستخدم التعريفات والعقوبات كأدوات للسياسة الخارجية؟وهنا يلتقي الجدل الأمريكي مع القلق الأوروبي والروسي، وإن كانت دوافع كل طرف مختلفة.
من العقوبات إلى “قيادة الكوكب”
وبينما كان الجدل محتدمًا حول العقوبات، ظهرت في الإعلام أخبار أخرى أثارت السخرية والجدل بشأن إدارة ترامب، من بينها تقرير يتحدث عن استعداد الولايات المتحدة لتولي زمام القيادة الدولية في حال ظهور حاجة لتمثيل سكان الأرض في التواصل مع كائنات فضائية.
بدت القصة للكثيرين أقرب إلى مادة ساخرة منها إلى ملف سياسي جاد، لكنها استُخدمت في النقاش الروسي الأوسع باعتبارها مثالًا على ما يراه منتقدو ترامب ميلًا إلى توسيع الدور الأمريكي إلى أبعد الحدود. وبغض النظر عن الطابع الساخر لهذه القصة، فإنها تكشف شيئًا عن المناخ السياسي الذي يحيط بقانون العقوبات الجديد: واشنطن لا تستخدم أدواتها الاقتصادية في فراغ، وموسكو وأوروبا وطهران تراقب جميعها حدود القوة التي تستعد الإدارة الأمريكية لاستخدامها.
ورقة جديدة على طاولة ترامب
في النهاية، أصبح لدى ترامب الآن قانون يمنحه أداة ضغط واسعة النطاق.
لكن امتلاك الأداة شيء، واستخدامها شيء آخر.فيمكن توجيهها ضد مشتري الطاقة الروسية أو الإيرانية، ويمكن أن تؤثر في دول مثل الهند والصين، كما يمكن أن تثير حسابات حساسة داخل أوروبا. وفي الوقت نفسه، يستطيع الرئيس، ضمن الحدود التي يضعها القانون، تعديل الرسوم أو إنهاءها إذا تغيرت الظروف السياسية.
ولهذا فإن الأثر الحقيقي لـ”العقوبات الجهنمية” لن يتحدد لحظة إقرارها في الكونغرس، وإنما في اللحظة التي يقرر فيها البيت الأبيض من سيستهدف، ومتى، وبأي مستوى من الرسوم.
عندها فقط ستتضح طبيعة الورقة الجديدة التي حصل عليها ترامب: هل ستكون سلاحًا اقتصاديًا ضد موسكو وطهران، أم وسيلة لإعادة تشكيل علاقات واشنطن التجارية مع أوروبا وآسيا، أم أداة تفاوضية تُستخدم للضغط ثم تُسحب عندما تتغير الحسابات؟
الجواب لن يكون في نص القانون وحده، بل في القرار السياسي الذي سيتخذه البيت الأبيض عند وضعه موضع التنفيذ.


