جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
لقد مرت العقيدة الشيوعية التوتاليتارية بخمس نماذج رئيسية، اختلفت فيما بينها في التطبيق العملي، مما ساهم في شق النظرية الماركسية بين هذه النماذج، وخلق تصنيفات متعددة للشيوعيين والمناصرين الذين عاشوا تجارب مختلفة حول العالم. ويمكن رصد التجارب الشيوعية المختلفة التي تم تطبيقها حتى هذه اللحظة، بالرغم من فشلها وهروب الناس منها.
النموذج الأول: الشيوعية الماركسية اللينينية
كان هذا النموذج الأساس للشيوعية، وقد ترك آثارًا واسعة على الرأي العام العالمي، حيث ساهمت الأفكار الجديدة في شق العالم إلى قسمين: مؤيد ومعارض.
شكّل هذا النموذج الإطار النظري الأول الذي حاولت التجارب اللاحقة البناء عليه، رغم الاختلاف في التطبيق العملي، وأثر بشكل كبير على الفكر الاشتراكي العالمي.
مثل: التجارب الديمقراطية الثورية في أمريكا اللاتينية، شملت مثل تشيلي ونيكاراغوا، حيث حاولت الحركات الشيوعية الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات أو الدعم الشعبي.
في تشيلي، كانت تجربة الرئيس سلفادور أليندي نموذجًا لمحاولة تطبيق السياسات الاشتراكية ضمن نظام ديمقراطي، لكنها انتهت بالانقلاب العسكري، ما أبرز هشاشة هذه التجارب وخذلان بعض الرأي العام والمناصرين.
النموذج الثاني: الصراع الستاليني والتروتسكي
تجسّد هذا النموذج في الصراع بين ستالين، الديكتاتور المركزي، وتروتسكي، صاحب نظرية الثورة الدائمة.
أدى الصراع داخل الحزب الواحد إلى انقسامات داخلية واسعة انعكست على مؤيدي النموذج، ودفعت إلى انشقاقات كبيرة ومواجهات حتى الموت.
انتهت ملحقة تروتسكي في المكسيك على يد عملاء ستالين، وعرف أنصار هذا النموذج باسم “أنصار الثورة الدائمة”، وظلوا يسعون لتطبيق أفكارهم رغم القمع الداخلي.
مثال التجارب الأفريقية والآسيوية:
شملت إثيوبيا وأنغولا وسيريلانكا والهند، حيث حاولت الحركات الشيوعية مواجهة الانقسامات الداخلية والصراعات المسلحة والتحديات الاقتصادية.
في إثيوبيا، فشلت المحاولات الشيوعية في تحقيق التنمية، وأضعفت الخلافات الداخلية والنزاعات العرقية تجارب مثل سيريلانكا والهند، مما زاد من إحباط المناصرين والكوادر الحزبية.
النموذج الثالث: الجماعات الماوية بعد انتصار الثورة الصينية
يمكن النظر إلى هذا النموذج باعتباره نتاج انشقاق عن النموذجين الأول والثاني، حيث أسس أنصاره جماعات ماوية نشطة في مختلف أنحاء العالم بعد نجاح الثورة الصينية.
ركز هؤلاء على تطوير مفاهيم ثورية جديدة، ونشر الأفكار الشيوعية عبر حركات جماهيرية واسعة، مع التأكيد على الصراع الطبقي والنضال المستمر لتحقيق أهداف الاشتراكية.
وشملت يوغسلافيا وألبانيا وأوروبا الشرقية، حيث حاولت تطبيق شيوعية مستقلة عن موسكو مع بعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية.
فشلت التجارب في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والسياسي، مع انفجار الانقسامات الداخلية، وخذلان الرأي العام والأعضاء، مما أدى إلى انهيارها بالكامل.
وشملت العراق والسودان ولبنان وإسرائيل، حيث فشلت الحركات الشيوعية في مواجهة الأنظمة القائمة، مع فقدان الدعم الشعبي، وانقسام المناصرين والأعضاء.
النموذج الرابع: النموذج العسكري أو العسكرتاري للشيوعية
نشأ هذا النموذج بعد الثورة الكوبية، حيث اعتمد على القوة العسكرية كوسيلة رئيسية لنشر النظرية الشيوعية، وممارسة الانقلابات العسكرية على غرار كوبا، إضافة إلى التجارب في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ركز على السيطرة بالقوة، مما عزز الطابع التوتاليتاري، لكنه أدى إلى فشل طويل الأمد في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، مع خذلان واسع للرأي العام والمناصرين.
مثل: التجارب العسكرية الثورية، تركّزت في كوبا ونيكاراغوا بعد الثورة، حيث أصبح الجيش وأجهزة الأمن أدوات رئيسية للحفاظ على السلطة.
رغم بعض النجاحات الأولية في التعليم والصحة، فشلت هذه النماذج في إدارة الاقتصاد، ما أدى إلى تراكم الأزمات السياسية وخذلان الأعضاء الذين كانوا يتوقعون التغيير الحقيقي.
النموذج الخامس: الشيوعية الأوروبية الغربية
تمثل هذا النموذج في الشيوعيين الغربيين، وبالأخص في فرنسا وأوروبا الغربية.
اعتمد على النضال البرلماني والديمقراطية، وفتح المجال لجميع التيارات الاشتراكية لتشكيل تحالفات سياسية تصل إلى البرلمان.
لعبت هذه التجربة دورًا مهمًا بعد ثورة الطلبة في مايو 1968، حيث انتشرت المفاهيم الاجتماعية الجديدة للشيوعية ضمن الحركات الطلابية والثقافية.
رغم ذلك، بقيت الديمقراطية أقوى من الليبرالية الشيوعية، بحيث أصبحت الديمقراطية في الحزب الشيوعي الفرنسي أكثر قوة من بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة في نفس الفترة.
كل هذه النماذج والتجارب تكشف عن إخفاقات متكررة للشيوعية التوتاليتارية في التطبيق العملي:
1-رغم تنوع النماذج النظرية، من الماركسية اللينينية إلى الشيوعية الأوروبية الغربية، أظهرت التجارب العملية أن الفشل كان سمة عامة. فالنظريات الثورية الكبيرة التي وُضعت على الورق لم تستطع مواجهة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلدان المختلفة. الانقسامات الداخلية، الصراعات بين القيادات، والانقسامات الأيديولوجية حول كيفية تطبيق الاشتراكية أدت إلى استمرار حالة الفشل وعدم القدرة على الاستقرار السياسي. كما أن بعض النماذج العسكرية أو الجماعية انتهت بانقلابات، وحروب أهلية، أو بانهيار اقتصادي كامل، مما يؤكد أن النظرية لم تتوافق مع التطبيق العملي على الأرض.
2-فشلت في تحقيق التنمية المستدامة، وتحسين الاقتصاد، أو بناء مجتمع متماسك سياسيًا:أغلب التجارب الشيوعية، سواء في آسيا أو أفريقيا أو أوروبا الشرقية، أظهرت قصورًا كبيرًا في القدرة على إدارة الاقتصاد بشكل مستدام. التجارب الاقتصادية مثل كوبا، يوغسلافيا، والعراق، عانت من الأزمات المستمرة، نقص الموارد، والتضخم، بالإضافة إلى ضعف الإنتاجية، ما منع تحقيق النمو الاقتصادي المنشود. كما أن التجارب لم تستطع بناء مجتمع سياسي متماسك، بل زادت الانقسامات الداخلية، وأضعفت الروابط الاجتماعية، ما أدى إلى ضعف مؤسسات الدولة وتعطيل المشاركة الشعبية الحقيقية في الحياة السياسية، وتحول المجتمع إلى حالة من الخضوع للتوجيه المركزي والرقابة الأمنية.
3-خذلت التجارب الرأي العام والمناصرين، وأدت إلى فقدان الثقة بين الأعضاء والكوادر الحزبية:من أهم نتائج هذه التجارب هو خذلانها للأشخاص الذين آمنوا بها ودعموا مشاريعها السياسية والاقتصادية. في كثير من الحالات، خذل النظام الشيوعي الجماهير التي كانت تنتظر تحسين أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، وفشل في الوفاء بوعوده. هذا الخذلان أدى إلى فقدان الثقة بين الأعضاء والكوادر الحزبية أنفسهم، إذ انقسمت الصفوف الحزبية، وظهرت الانشقاقات، وساد الإحباط بين المناصرين، سواء في الدول التي نجحت فيها الثورات مؤقتًا أو تلك التي انهارت فيها الأنظمة بالكامل.
لقد أظهرت هذه التجارب المتعددة أن الشيوعية التوتاليتارية فشلت في التكيف مع البيئات المختلفة، وأن العقيدة، رغم طموحاتها النظرية، لم تحقق نتائج عملية مستدامة على الأرض، سواء في الغرب أو الشرق، أو في العالم النامي والعربي.
أيضًا يمكن القول إن هذه النماذج باتت تعيش حالة من الانحلال التدريجي نتيجة غياب الأفق والاستراتيجية:
1-كوبا ونموذجها الفاشل تعيش في الحصار.
2-دول شرق آسيا أصبحت أدوات لتصريف التجارة الغربية.
3-الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية انهارت، وأعضاء الحزب لم يدافعوا عن النظام بسبب فساد السلطة وسيطرة رجال المخابرات.
4روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي، والصين بين الليبرالية والشيوعية، لم تستطع تقديم نظرية اقتصادية جديدة، بل تبنت الليبرالية محاكاةً للغرب.
5-الحزب الشيوعي الفرنسي فشل فشلًا ذريعا، حيث باتت المناطق الشيوعية والاشتراكية تتبنى الأفكار المتطرفة. حيث باتت المناطق الشيوعية والاشتراكية تتبنى الأفكار المتطرفة.
6-في العالم العربي، بقي التحجر الفكري سائداً، وأصبحت بعض الأوساط تنظر إلى روسيا وقيادتها، وبالأخص فلاديمير بوتين، باعتباره “قائد الأممية الاشتراكية”، رغم أن سياساته تختلف عن المبادئ الماركسية الأصلية، والحلم بالعودة إلى ظل الاتحاد السوفياتي والعيش في ظل القمع والفساد ورجال الأمن.
اذن، بقي التحجر الفكري سائداً في العالم العربي، ، وأصبحت بعض الأوساط تنظر إلى روسيا وقيادتها، وبالأخص فلاديمير بوتين، باعتباره “قائد الأممية الاشتراكية”، رغم أن سياساته تختلف عن المبادئ الماركسية الأصلية. تظهر هذه التجارب المتعددة أن الشيوعية التوتاليتارية فشلت في التكيف مع البيئات المختلفة، وأن العقيدة، رغم طموحاتها النظرية، لم تحقق نتائج عملية مستدامة على الأرض، سواء في الغرب أو الشرق، أو في العالم النامي والعربي. أيضًا يمكن القول إن هذه النماذج باتت تعيش حالة من الانحلال التدريجي نتيجة غياب الأفق.


