الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

العلاقات الأوروبية الأميركية ومعادلة الأعباء الجديدة

جريدة الحرة

خاص ـ تنامت التساؤلات حول الأسس الفكرية والاستراتيجية التي تقف وراء التحول في سياسة إدارة ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولا سيما الاتجاه نحو ما أصبح يُعرف بمفهوم “الناتو الخامل” (Dormant NATO). ويتمحور النقاش حول إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأمريكية، الذي وجّه رسالة حازمة خلال مؤتمر ميونيخ للأمن مفادها أن على أوروبا أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها التقليدي.

ويعكس هذا التصريح إعادة تموضع أوسع في السياسة الخارجية الأمريكية، تشير إلى تقليص البصمة العسكرية الأمريكية في أوروبا وإعادة هيكلة ميزان القوى داخل الحلف.

الأساس الفكري لهذا التحول

يعود الأساس الفكري لهذا التحول إلى ورقة بحثية صدرت عام 2023 للباحث البريطاني والمؤرخ المحافظ سومانترَا مايترا، ونُشرت عبر مركز “Center for Renewing America” المقرب من ترامب. اقترح مايترا في تلك الورقة عقيدة أطلق عليها “الناتو الخامل”، تقوم على إعادة معايرة دور الحلف بحيث يخفّض الولايات المتحدة انخراطها اليومي في الدفاع الأوروبي، مع احتفاظها بحق التدخل المباشر في حال ظهور تهديد مهيمن كبير.

ووفق هذا التصور، يبقى الناتو في حالة “سبات استراتيجي”، جاهزا للتفعيل عند الضرورة، بينما تتولى القوى الأوروبية إدارة الشؤون الدفاعية الروتينية.

يرى مايترا أن “الناتو الخامل” يمثل طريق وسط بين خيارين كلاهما معقد، الانسحاب الأمريكي الكامل من أوروبا، أو استمرار سياسة الدفاع المتقدم والهيمنة العسكرية الأمريكية على القارة. وتستند هذه العقيدة إلى ثلاثة مكونات رئيسية. أولها “نقل الأعباء” (Burden Shifting)، وهو مصطلح ساهم مايترا في ترسيخه.

وعلى عكس “تقاسم الأعباء” الذي يوحي بالتعاون المتكافئ، فإن نقل الأعباء يعني تحويل متعمد للمسؤوليات من الولايات المتحدة إلى الحلفاء الأوروبيين. فقد تحتفظ واشنطن بالمظلة النووية وبعض الوجود البحري، لكن اللوجستيات والاستخبارات والقوات البرية ستنتقل تدريجيا إلى إدارة أوروبية.

أما المكوّن الثاني فيتمثل في نقل قيادات العمليات القتالية داخل الناتو من القيادة الأمريكية إلى جنرالات وأميرالات أوروبيين، ما يعزز الاستقلالية العملياتية الأوروبية ويقلل الاعتماد على الإشراف الأمريكي. والمكوّن الثالث هو وقف التوسع المستقبلي للحلف. إذ يرى مايترا أن الاستراتيجية الكبرى المستقرة تحتاج إلى حدود واضحة وثابتة، وأن التوسع المستمر يقوض الانسجام والوضوح الاستراتيجي. وبناء على ذلك، يتحول الناتو إلى تحالف مغلق دون أعضاء جدد.

تحولات بنيوية في النظام الدولي

تستند هذه الرؤية إلى تحولات بنيوية في النظام الدولي. فبحسب مايترا، يجب على السياسة الخارجية الأمريكية أن تتكيف مع تطورين أساسيين، صعود الصين كمنافس ندّي في آسيا، والإرهاق المالي والسياسي الناتج عن عقدين من “الحرب العالمية على الإرهاب”. فالصين تمثل تحديا استراتيجي غير مسبوق، في حين أدت الحروب الطويلة إلى استنزاف الموارد الأمريكية وتعزيز السخط الداخلي من “الحروب التي لا تنتهي”. لذلك يدعو مايترا إلى تبني استراتيجية “الموازنة من الخارج” (Offshore Balancing)، حيث تبقى الولايات المتحدة منخرطة عالميا، لكنها تقلص انتشارها العسكري الدائم، خصوصا في أوروبا.

العقيدة الجديدة لا تلغي الالتزامات الأمريكية

تعكس الاستراتيجية الوطنية للأمن (NSS) والاستراتيجية الوطنية للدفاع (NDS) في عهد ترامب العديد من هذه الأفكار، من خلال التأكيد على نقل الأعباء ومعارضة توسيع الناتو. كما ردد مسؤولون كبار، بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، هذه التوجهات في خطاباتهم. وقد جرى بالفعل نقل بعض قيادات العمليات داخل الحلف إلى ضباط بريطانيين وألمان وبولنديين وإيطاليين، في مؤشر على تحول تدريجي في البنية القيادية.

غير أن منتقدين يرون أن “الناتو الخامل” قد يتحول إلى “ناتو ميت”، عبر إضعاف المادة الخامسة التي تنص على الدفاع الجماعي. ويرفض مايترا هذا الطرح، مشيرا إلى أن الناتو كان فعليا في حالة خمول خلال الحرب الباردة، إذ لم يُفعّل إلا في حالات قصوى. ويؤكد أن العقيدة الجديدة لا تلغي الالتزامات الأمريكية، بل تعيد ضبطها. فإذا واجهت أوروبا تهديد مهيمن حقيقي، كما حدث مع ألمانيا النازية أو الاتحاد السوفيتي، فإن الولايات المتحدة ستتدخل. تبقى المادة الخامسة قائمة، لكن المسؤوليات اليومية تنتقل إلى الأوروبيين.

أوروبا قادرة على ردع موسكو بمفردها

تتمحور إحدى أبرز الاعتراضات حول روسيا. ففي ظل حرب أوكرانيا والموقف الروسي التوسعي، يرى البعض أن الوقت غير مناسب للانكفاء الأمريكي. ويرد مايترا بوصف روسيا بأنها “قوة إزعاج إقليمية” لا ترقى إلى مستوى التهديد المهيمن. صحيح أنها تمتلك ترسانة نووية ضخمة، لكنها برأيه تفتقر إلى القدرة على السيطرة العسكرية على أوروبا.

ويؤكد أنه لا يوجد سيناريو واقعي يمكن أن تتمكن فيه روسيا من اجتياح قوى كبرى مثل بولندا أو ألمانيا أو فرنسا. وبالتالي، فإن أوروبا بما تملكه من ثروات وقدرات تكنولوجية قادرة على ردع موسكو بمفردها.

كما يتناول مايترا الانتقادات المتعلقة بخطاب الإدارة تجاه أوروبا، خاصة ما يتعلق بالهوية الثقافية. وبصفته واقعيا، يقلل من أهمية الاعتبارات الثقافية في بناء التحالفات، مؤكدا أن المصالح والجغرافيا والقدرات العسكرية هي الأساس، لا الانتماءات الحضارية. ورغم تفضيله خطاب أكثر انضباطا، فإنه يفصل بين البلاغة السياسية والتحول الاستراتيجي الفعلي.

التفاعل الاستباقي مع واشنطن

ينصح مايترا الحكومات الأوروبية بالتفاعل الاستباقي مع واشنطن بشأن جداول تقليص القوات، معتبرا أن التخفيضات الأمريكية أمر حتمي. فالتخطيط المسبق سيمكن الدول الأوروبية من تعديل هياكلها الدفاعية واستراتيجياتها اللوجستية والتسليحية.

ويرفض كذلك فكرة تطوير مظلة نووية أوروبية مستقلة، معتبرا أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على توفير ردع نووي موثوق. ويرى أن أي محاولة أوروبية لبناء بديل ستكون مكلفة وغير عملية. بدلا من ذلك، ينبغي التركيز على تعزيز القدرات التقليدية وتحسين التنسيق الداخلي الأوروبي.

في جوهره، لا يدعو “الناتو الخامل” إلى تفكيك الحلف، بل إلى إعادة تعريف أدواره. تبقى الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع النهائي عن أوروبا، لكنها تتخلى عن هيمنتها اليومية. وتتولى أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، فيما تعيد واشنطن توجيه مواردها نحو آسيا ونصف الكرة الغربي.

وتمثل هذه العقيدة إعادة معايرة واقعية للاستراتيجية الأمريكية الكبرى، استجابة لتحولات موازين القوى العالمية والضغوط الداخلية. يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا النهج سيعزز الحلف عبر ترسيخ الاعتماد الذاتي الأوروبي، أم سيضعفه عبر تقليص الانخراط الأمريكي. لكن المؤكد أن الناتو يقف أمام لحظة مفصلية، حيث تخضع مسلمات الهيمنة الأمريكية لإعادة نظر غير مسبوقة.

https://hura7.com/?p=74784

الأكثر قراءة