الحرة بيروت ـ بقلم: العميد الركن المتقاعد، الدكتور حسن جوني، نائب رئيس أركان العمليات السابق في الجيش اللبناني
بداية، إن أهم استنتاج نخرج به مما حصل في سوريا هو أن الأنظمة الحاكمة، مهما كانت قوية ومُمسكة بمفاصل الدولة، فهي تبقى هشة وكرتونية عندما تستمد حمايتها من دول خارجية وليس من إرادة شعبها.
مثل هذه الأنظمة البائدة والظالمة هي التي تسببت بانهيار مقوّمات هذه الأمة وهزيمتها أمام إسرائيل بعد استيلائها على السلطة وتمسكها بها وفسادها وإفساد مجتمعاتها، وتحويل الحكم إلى منفعة شخصية لسنوات طويلة ومحاولة توريثها للأبناء، وإلهاء الشعوب بقضايا وهمية وشعارات تافهة.
باختصار، نحن في لبنان بحاجة إلى إعادة تشكيل هوية جديدة أو تحديثها، كما إلى وعي سياسي جديد يقوم على أسس علمية لا دينية أو طائفية، ديمقراطية لا عائلية أو إقطاعية أو زعامات تاريخية، مدنية حضارية لا قمعية أو عسكريتارية.
علينا أن ننقلب على أنفسنا ونفكر بطريقة مختلفة في وجودنا وعلاقاتنا مع هذا العالم الذي يعيش صدام الحضارات كما تنبأ صموئيل هنتنجتون .
علينا أن نحصر قضيتنا المركزية بوطننا الصغير والعمل على التحرر من المفاهيم العقيمة والمتخلفة من خلال رسم سياسة الدولة الحديثة التي تتميز عن محيطها بقوة الإنسان وانفتاحه وتفاعله مع العالم وإسقاط كل الشعارات التافهة، القومية والدينية والمذهبية، والتخلي عن الانتماءات الضيقة والمحاور، والارتقاء إلى العالمية حيث تغيّر مفهوم القوة تغيراً جذرياً، فأضحت التكنولوجيا الحديثة أقوى من الدبابات، وأصبحت الحدود شفافة تخترقها الأفكار المؤثرة والابتكار، أي القوة الناعمة وليس القوة الصلبة.
علينا أن نحصر قضيتنا بوطننا وأن نعمل على إخراجه من هذه الفوضى وهذا الانهيار العام من خلال تطوير علاقاتنا الدولية وتحييد أنفسنا عن صراع الحضارات انطلاقاً من أن لبنان الرسالة هو مساحة تفاعل ايجابي وملتقى لهذه الحضارات.
علينا مراجعة حساباتنا بعد أن خذلَنا الجميع في معادلة البراغماتية في نظرية العلاقات الدولية، حيث تفضيل المصالح بشكل مطلق على القيم والمبادىء المزعومة، ومن خلال تفاعلنا مع الجميع والانتقال من مفاهيم الدين والأمة والقومية في تحديد الخيارات السياسية إلى رحاب الإنسانية والعالمية، واعتماد استراتيجية دفاعية بذهنية مختلفة تقوم على شبكة واسعة من العلاقات الدولية، حيث نخترق بذكاء ودهاء منظومات العالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فيصبح وجودنا مفيداً لهذا العالم ونحصل على الحماية من خلال الدور الايجابي الفعال وعدم الانحياز والتدخل في أي صراع.
إنها طريقة تفكير سياسية جديدة تحتاج إلى تأمل عميق قبل الإسراع في رفضها بدوافع التمسك بموروثات الماضي البعيد أو القريب. ربما يراها البعض انقلاباً على الذات، وهذا صحيح. فالانقلابات الجذرية تصبح ضرورة حتمية في مسار تأمين المصير عندما يتهدد الوجود وتتغير مفاهيم أساسية في السياسة والعلاقات الدولية، وعندما نخوض التجارب الفاشلة واحدةً تلو الأخرى.
هي باختصار فلسفةٌ جديدة للبحث عن حماية وطن صغير بمساحته وغني بقدرات مواطنيه؛ وطن يصارع للبقاء ويواجه تحديات شطبه عن الخرائط الجديدة! وليكن ذلك منطلقاً للنقاش من أجل المستقبل. فالبقاء أسرى الماضي والتمسك به هو عقمٌ في التفكير واستسلام…


