الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
14.7 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الغرب الذي نُشيطنه: كيف نتعلّم من تجاربه؟

فاروق خداج

 

جريدة الحرة ـ بيروت

كثيرًا ما اعتدنا، نحن أبناء الشرق، أن ننظر إلى الغرب بعينٍ ملتبسة: عين تُشيطنه حين نراه مختلفًا، وتُقدّسه حين نحتاج إلى ما عنده. في الخطاب الشعبي والسياسي معًا، نصنع من الغرب صورة وحشٍ متآمر، ثم نهرع في الوقت نفسه إلى أبوابه طلبًا للدواء أو العلم أو حتى لقروض مالية نأمل أن تُنقذ اقتصادًا مترنحًا. هذه المفارقة تكشف شيئًا أعمق من المواقف السطحية: إنها تعكس خللاً في رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.

إنني أكتب هذه الكلمات لا بصفتي باحثًا يراقب من بعيد، بل كإنسان لبناني عاش تجربة التناقض بين الشرق والغرب في تفاصيل حياته اليومية. وُلِدت في بلدٍ أنهكته الحروب والولاءات الضيقة، ووجدت في الانفتاح على الثقافة الغربية متنفسًا وسبيلاً للحرية. لم أكن منبهرًا بالغرب إلى  حدّ الذوبان، ولا معاديًا له إلى حدّ الانغلاق، بل كنت أبحث عن منطقة وسطى: كيف يمكن أن نتعلم من تجاربه ونُكيّفها مع واقعنا؟

بين شيطنة الغرب والانبهار به

حين نقول “الغرب”، لا نقصد كيانًا واحدًا متجانسًا، بل شبكة من الدول والثقافات والتجارب المتنوعة. لكن الخطاب العربي العام يميل إلى اختزال الغرب في صورة العدو المتربص الذي يسعى لنهب خيراتنا وتدمير مجتمعاتنا. هذه النظرة لا تخلو من حقائق تاريخية: فالمشاريع الاستعمارية، ودعم الاحتلالات، والتدخلات العسكرية ليست أوهامًا. لكن، هل تكفي هذه الصورة لتلغي جوانب أخرى من الغرب، حيث قام فلاسفة ومصلحون وحركات اجتماعية بنقد أنظمتهم الداخلية وصنعوا ثورات غيرت وجه التاريخ؟

من ناحية أخرى، هناك فئة لا ترى في الغرب إلا مثالًا أعلى يجب تقليده حرفيًا، من اللباس إلى الفكر إلى القوانين، كأننا مجرد صفحة بيضاء تنتظر أن تُكتب عليها التجربة الغربية. هذا الانبهار لا يقل ضررًا عن الشيطنة؛ لأنه يُفقدنا أصالتنا ويجعلنا تابعين.

ما الذي يمكن أن نتعلّمه حقًا؟

إذا نظرنا بعين الإنصاف، سنجد أن الغرب استطاع أن ينجز في ثلاثة مجالات أساسية ما زلنا نحن نعاني غيابها:

  1. بناء المؤسسات بدل تقديس الزعامات: الغرب لم يحقق استقراره السياسي عبر خطابات رنانة أو زعامات فردية، بل عبر مؤسسات دستورية وقانونية تحكم القادة وتُحاسبهم. هذا الدرس مهم لشعوب اعتادت على الشخصنة والطوائف بدل الدولة.
  2. ترسيخ حقوق الفرد: رغم عيوبه، فإن الغرب رسّخ فكرة أن للفرد حقوقًا لا يجوز المساس بها، وأن القانون يحميه حتى من بطش الدولة. في مجتمعاتنا، ما زالت “الواسطة” و”الزعيم” أقوى من القانون.
  3. ثقافة العمل والجدية: الغرب بنى نهضته ليس فقط على الفكر، بل على احترام الوقت، والإيمان بالعلم، وربط الكرامة بالعمل لا بالانتماء. نحن ما زلنا نحيا في ثقافة تُكافئ الولاء أكثر مما تُكافئ الجهد.

كيف نُكيّف التجارب بدل أن نستنسخها؟

المهم في رأيي ليس أن نستنسخ هذه التجارب كما هي، بل أن نكيّفها مع بيئتنا الثقافية والدينية والاجتماعية. نحن لا نحتاج أن نُصبح نسخة ثانية عن فرنسا أو ألمانيا أو أميركا، بل نحتاج أن نستخلص جوهر التجربة: كيف بَنَوا دولة القانون؟ كيف صانوا الحرية؟ كيف جعلوا الفرد شريكًا في القرار؟ ثم نسأل أنفسنا: كيف يمكن أن نُعيد صياغة هذه القيم بما يتلاءم مع جذورنا وتاريخنا؟

من تجربتي ككاتب لبناني

لقد اختبرتُ هذا السؤال في حياتي. حين درست الأدب والفكر، وجدت نفسي مفتونًا بكتابات جبران ونعيمه، وهما مثقفان لبنانيان عاشا التجربة الغربية ولم يذوبا فيها، بل أعادا إنتاجها بلغة شرقية أصيلة. جبران مثلاً لم يتبنَّ الفكر الغربي كما هو، بل صاغه في “النبي” بروح عربية وإنسانية جعلت الغرب نفسه يقف منبهراً أمامه.

ولكي أقرّب المعنى أكثر، أستعيد مشهدًا يوميًا من حياتنا في لبنان: حين تتوقف الكهرباء، يهرع الناس إلى المولدات الخاصة ويعيشون رهائن لشركات صغيرة تتحكم بمصيرهم. في الغرب، لا يعني انقطاع الكهرباء أكثر من دقائق معدودة لأن هناك نظامًا يحاسب أي شركة تتهاون في خدمة المواطن. الفرق هنا ليس في “القدرات التقنية” فقط، بل في الفلسفة التي تقول إن خدمة الإنسان واجب، لا منّة. هذا الفارق البسيط يُظهر لنا كم نحن بحاجة إلى تعلّم دروس تُطبّق في حياة الناس اليومية.

لماذا نخاف من التعلّم من الغرب؟

قد يقول البعض: نحن نرفض التعلّم من الغرب خوفًا من الذوبان الثقافي. هذا خوف مشروع، لكن المشكلة حين يتحول إلى جدار يمنع أي إصغاء. ثم هناك الأنظمة الاستبدادية التي ترى في الديمقراطية والحرية خطرًا على بقائها، فتمنع شعوبها من حتى التفكير في بدائل. أضف إلى ذلك الذهنية التآمرية التي تختزل أي فكرة غربية باعتبارها “مشروعًا خفيًا للسيطرة”. هكذا نغلق على أنفسنا الأبواب، ونبقى ندور في حلقة مفرغة.

نحو رؤية جديدة للشرق والغرب

في النهاية، أؤمن أن الغرب ليس شيطانًا ولا ملاكًا، بل هو تجربة إنسانية مليئة بالتناقضات. ونحن أيضًا لسنا ضحايا دائمين ولا مبدعين دائمين، بل شعوب قادرة على التعلم إن أرادت. ما نحتاجه اليوم هو أن نخرج من دائرة الشيطنة والانبهار، وأن ندخل في دائرة الحوار والتعلّم.

من موقعي ككاتب لبناني عاش بين صخب بيروت وملامسة الفكر الأوروبي، أرى أن اللحظة التاريخية تفرض علينا أن نفتح أعيننا أكثر: لا لنستنسخ، ولا لنجحد، بل لنتعلم ونعيد الصياغة. الغرب ليس معلمًا ونحن تلاميذ صغار، بل هو شريك في التجربة الإنسانية الكبرى.

وماذا لو بدأنا من حيث انتهى الآخرون، لا من حيث بدأوا؟ ألن يكون ذلك خطوة أذكى وأجمل نحو مستقبل يليق بنا؟

https://hura7.com/?p=65721

 

الأكثر قراءة