الثلاثاء, ديسمبر 16, 2025
10.2 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الغُربَة في الوطن… رحلةُ القلب والروح!

العميد منذر الأيوبي

 

جريدة الحرة ـ بيروت

أن يعيش الإنسان المكان، بين وجوه مألوفة وطرقات يعرفها، ثم يداهمه شعور الغريب؛ هنا تكون الغُربة الحقيقية. هي ليست دائمًا سفر المنافي، بل قد تكون فقدان الأُلفة وضياع العِشرة وسط المحيط نفسه. وأشدّها ليست تلك التي تقتلع الجسد من أرضه، بل التي تقتلع الذات وهو بين أحضان المأوى. أمّا الاغتراب فيذهب أبعد؛ عزلة عن الذات قبل المجتمع، وإنكسار داخلي في سؤال الوجود.

في غُربة اللبنانيين تميّز وتعلّق يسكن الوطن قلوبهم وإن قسا الحجر. يهاجرون بحثًا عن حياة كريمة، يحملون حلم العودة زادآ لا ينفد. يملأون القجّة مُذ حَبوا ليعودوا ثانيةً على تكرار. يسقطون من ذواتهم هشاشة الانتماء المادي لدروب القرية وأدراج شوارع المدن العريقة، ويعتنقون أملًا لا ألم. أنَّى حلّوا كانوا رسالة حضارة، كما وصف البابا يوحنا بولس الثاني لبنان في أكثر من مناسبة.

الغُربة في وجدان أهل الأرز ليست انكسارآ ولا كينونة مطلقة، بل عبور نحو اكتشاف الوطن الحقيقي؛ نقطة منتصف ومحور حياة في اكتمال انتماء. وطن يسكن الفؤاد بتوقّد، والعقل بقناعة، والوجدان بإيمان. في البعد المسيحي استشهادات جمة، يذكّرنا القديس أوغسطينوس: “قلوبنا مضطربة حتى تستقر فيك يا الله”، وفي البعد الإسلامي يوصينا النبي ﷺ: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”.

أما المتصوفة والرهبان فقد رأوا فيها رحلة القلب من المألوف إلى الأبدي. كلما تحرر الإنسان من قيد العادة والأنانية ازداد شعوره بالغربة لكنه اقترب أكثر من وطنه الأزلي. هنا يلتقي المعنى المسيحي والإسلامي في كلمة واحدة “الغربة ليست هزيمة بل عبور.”!

ختامآ؛ الغُربة والاغتراب وجهان للحقيقة؛ أحدهما رحلة نحو الذات، والآخر مواجهة الوجود. بين هذين الامتدادين تتكشف عمق التجربة الإنسانية، حيث يختبر الإنسان حدود وعيه ويعيد قراءة معنى حياته. وفي هذا الوسط المتأرجح، يظل الوطن نقطة التوازن التي تمنح الفؤاد طمأنينة والروح استقرارًا، موئلًا للأمل ومرساة للانتماء الحقيقي.

https://hura7.com/?p=66944

الأكثر قراءة