د. جاد طعمه
جريدة الحرة ـ بيروت
في وقت تشهد فيه المنطقة العربية والإسلامية تحولات جيوسياسية بالغة التعقيد، تأتي القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة يوم الإثنين المقبل لتشكّل محطة فارقة في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي. فهذه القمة، التي تُعقد في ظروف استثنائية، ليست مجرد تجمع دبلوماسي روتيني، بل اختبار حقيقي لإرادة العالمين العربي والإسلامي في مواجهة التحديات المصيرية التي تتصدرها القضية الفلسطينية.
استحقاق غير مسبوق
تأتي الدعوة لانعقاد هذه القمة في أعقاب الهجوم الذي شنّه جيش الاحتلال الإسرائيلي على العاصمة القطرية، مستهدفًا مقرات سكنية لقيادات من حركة حماس، ما أسفر عن استشهاد ستة أشخاص بينهم عنصر من قوى الأمن الداخلي القطري. هذا العدوان، الذي يمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسة “إرهاب الدولة”، يأتي في سياق حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، والتوسع الاستيطاني غير القانوني في الضفة الغربية، ومحاولات التهجير القسري للفلسطينيين عن أرضهم.
إرادة المجتمع الدولي وحل الدولتين
في الأسبوع الماضي أكدت دول العالم، عبر التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن حل الدولتين هو السبيل الأمثل لتحقيق السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط. غير أنّ الإطار التنفيذي لتحقيق هذا الحل يشهد تراجعًا مستمرًا على الأرض بفعل السياسات التوسعية الممنهجة. إن مقررات قمة بيروت عام 2002، التي شكّلت يومها إجماعًا عربيًا تاريخيًا حول السلام العادل، باتت اليوم بحاجة إلى إعادة إحياء وتطوير في ضوء المستجدات الإقليمية والدولية.
القمة في الدوحة مطالَبة برفع سقف المطالب السياسية للعرب والمسلمين، والتمرد على الإملاءات الأميركية، والعودة إلى المرجعيات الدولية التي تدعو إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتكريس حق العودة للاجئين الفلسطينيين. إن استمرار بعض المساعي العربية للتطبيع مع دولة الاحتلال، بعد قصف أول عاصمة خليجية في تاريخ الصراع، يشكّل تنازلاً غير مفهوم عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وسيادة الدول العربية، ويمهّد الطريق أمام مشروع “إسرائيل الكبرى”.
مقررات القمة اختبار للوحدة
يشهد العالم العربي والإسلامي انقسامات حادة حول مسألة التطبيع الأحادي من قبل بعض الدول العربية. فبينما اندفعت دول إلى مفاوضات التطبيع تحت ضغوط خارجية، ترفض أخرى أي مساومة على الحقوق الفلسطينية. القمة في الدوحة تمثل فرصة لحسم هذا الجدل والتأكيد على أن التطبيع ليس خيارًا مجديًا في ظل استمرار الاحتلال وانتهاكاته، بل إن أي تنازل سيستتبع تنازلات أكبر. أما الاكتفاء بمقررات باهتة وملتبسة فسيشكّل اعتداءً على معنويات شعوب العالمين العربي والإسلامي في ظل وضوح التحديات المشتركة.
من الخطابات إلى الأفعال
لكي تكون القمة ناجحة، ينبغي أن تتجاوز مرحلة الخطابات الرنانة إلى اتخاذ قرارات عملية وملموسة، وتكريس الوحدة العربية والإسلامية في قراءة التهديدات المستجدة. ومن المفترض أن تنتهي بمشروع قرار يُرفع إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة العدوان الإسرائيلي على قطر وجرائمه المستمرة في غزة والضفة الغربية، مع تشكيل آلية تنسيق عربية–إسلامية دائمة لمواجهة العدوان. وأمام هول المجازر وتفشي المجاعة، بات ملحًّا إطلاق برنامج إنساني دولي متكامل لدعم الشعب الفلسطيني يشمل الجوانب الإغاثية والصحية والتعليمية والقانونية، إلى جانب الضغط الجماعي على المجتمع الدولي لفرض عقوبات على دولة الاحتلال ووقف انتهاكاتها، مع تبني استراتيجية إعلامية موحدة لفضح الجرائم.
لحظة الحقيقة
القمة العربية الإسلامية في الدوحة تأتي متأخرة، لكنها خيرٌ من ألا تأتي أبدًا. فهي ليست مجرد مناسبة دبلوماسية للتضامن مع قطر، بل لحظة حقيقة للعالمين العربي والإسلامي، وفرصة للتنصّل من الضغوط الأميركية، والعودة إلى محاكاة طموحات الشعوب وصون الحقوق التاريخية للأجيال القادمة. نحن أمام مفترق طرق: إما أن نخرج من الدوحة باستراتيجية موحدة قابلة للتطبيق، أو نغلق الشاشات بعد البيان الختامي بخيبة أمل جديدة. ومعلوم أنّه عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان.


