
جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير
قضية ما يسمى بالاقليات هي مسألة حقيقية في اربع ارجاء الارض على تنوع اشكالها قومية عرقية او دينية او لغوية: ليست قضية الشرق وحده و هي ليست دوما اقليات بالمعنى العددي و لكن ظروف متعددة اوجدتها في بلدان لا تتساوى في انظمتها قيمة المواطنة الواحدة. و لا تمت الى العلمانية او الديمقراطية بصلة. و ليس التنكر لها الا احد اصناف الارهاب الفكري و المادي.
الدولة التي تُنكر تنوّعها لا تُنتج مواطنة؛ بل ىتُنتج نظام خوف. تُوحّد الناس بالخوف… ثم تُفاجأ حين يتكلم الخوف انتقامًا. وما يُسمّى “وحدة وطنية” في هذه الحالة لا يكون عقدًا اجتماعيًا، بل عقد إذعان: من يطيع ينجو، ومن يختلف يُشتبه به، ومن يُشتبه به يُعاقَب أو يُستدعى إلى “التصحيح”.
من هنا تبدأ المغالطة الكبرى: من يساوي بين حماية الأقليات وتقسيم البلاد، يخلط الوطن بالسجن. الوطن ليس ساحة اختبار لولاء الهويات، ولا سجنًا يُسمح فيه بالتنفس شرط أن يبقى السجين ممتنًا للحارس. حماية الأقليات ليست مشروع تقسيم، بل شرط وحدة. الوحدة التي تحتاج إلى إنكار التعدد ليست وحدة؛ إنها وحدة قهر، وما يُبنى بالقهر لا يصنع وطنًا، بل يصنع صمتًا مؤقتًا.
ملف داعش هو الامتحان الأكثر فجاجة لهذا المنطق. إنه ليس “قضية سجون” ولا “قضية مخيمات” تُدار إداريًا. إنه امتحان سيادة: من يملك مفاتيح الاحتجاز يملك قرار الإفراج، وقرار الترحيل، وقرار الإهمال، وقرار إعادة التدوير. والسيادة التي تُدار بالمساومات تُنجب انفلاتًا، لأن أي مساومة تخلق ثغرة، وأي ثغرة تُستثمر، وأي استثمار يعيد إنتاج العنف تحت لافتة جديدة.
ثم هناك امتحان آخر لا يقل خطورة: الجيش. الجيش الذي يُطلب منه كل شيء—حماية الحدود، ضبط الداخل، امتصاص الانهيار، تفكيك الأزمات—ويُعطى أقل من كرامته، يُختبر الوطن على ظهره. حين يُطلب من جيش أن يكون “آخر رابط وطني” ثم يُترك بلا دولة تُعطي هذا الرابط معنىً، يصبح الجيش نفسه مرآة لفشل العقد الوطني: رابط مُستنزَف، يُستدعى عند الكارثة ثم يُعاد إلى الظلّ حين تأتي لحظة القرار.
ما جرى في حلب “قبل أيام” لم يكن تفصيلًا عسكريًا، بل إشارة افتتاحية لمرحلة تُدار فيها سوريا بمنطق: اختبار الحدود بدل الحسم الشامل. الاشتباكات في أحياء ذات ثقل كردي مثل الشيخ مقصود والأشرفية، وإن بدت محدودة زمنًا وخرائط، فإنها حملت وظيفة سياسية كثيفة: قياس ردود الفعل، اختبار الأعصاب، وتثبيت سرديات—ثم تمرير انتقالات ميدانية تحت عنوان الأمن.
الخطير هنا ليس عدد الأيام ولا خرائط السيطرة وحدها، بل الوظيفة: حين تُجرَّب “المعركة” كنموذج، يصبح ما يليها هو الأصل. يصبح “الاشتباك المحدود” طريقة حكم: لا لتصفية الخصم دفعة واحدة، بل لإضعافه تدريجيًا، ولإنتاج وقائع لا تُستعاد. لا اجتياح شامل، بل تآكل منظّم. لا إعلان حرب، بل إدارة حرب داخل اليومي.
لهذا ليس غريبًا أن يعود الحديث مباشرة عن السويداء بوصفها مرشّحًا تالياً للاهتزاز. ليست السويداء نسخة عن الشمال الشرقي، لكنها تشبهه في العقدة: الهوية والأمن والتمثيل في دولة لم تُنجز عقدها الاجتماعي. في الدولة التي لا تعترف، تتحول كل منطقة ذات خصوصية إلى سؤال أمني: هل تطيع؟ هل تتفاوض؟ هل تُعاقَب؟ وحين يُفتح باب “الضبط”، يدخل معه باب تصفية الحسابات.
العقدة المركزية التي لا يمكن القفز فوقها هي الشمال الشرقي. تسميته “جيبًا كرديًا” تبسيط يُضلّل. نحن أمام منظومة أمنية-إدارية كاملة تراكمت فيها ملفات ثقيلة: سجون ومعتقلات تضم آلاف المشتبه بانتمائهم لداعش، مخيمات مثل الهول، خطوط تماس مع تركيا، واقتصاد محلي لا يعيش دون وسيط خارجي أو تفاهمات هشّة.
أيّ انتقال للسيطرة هنا لا يمكن أن يكون انتقالًا “نظيفًا”. لأن الانتقال ليس نقل راية فوق مركز شرطة، بل نقل عقيدة أمنية فوق مجتمع متنوع. وعندما تتبدّل العقيدة، تتبدّل طريقة تعريف “العدو” و”المواطن”. هنا يصبح من الصعب منطقيًا التسليم بفكرة: “سنغيّر السيطرة ونُبقي كل شيء كما هو، خاصة في ملف داعش”. السجن ليس مبنى؛ السجن قرار سياسي. ومتى تحوّل القرار السياسي إلى ورقة تفاوض، صار الاحتجاز نفسه أداة ابتزاز، وصارت حياة الناس رهينة “التوازنات”.
وبين الإفراج والتصفية والإهمال وإعادة التدوير، هناك خيار خامس أكثر خطورة لأنه الأكثر واقعية في تاريخ الدول المنهارة: إعادة إنتاج الخطر تحت مسميات جديدة. “الداعشي” لا يختفي؛ يُعاد توظيفه. مرة كمبرر للقمع، مرة كفزّاعة للمانحين، مرة كورقة ضغط على الجوار، ومرة كطريقة لإعادة ضبط مجتمع عبر الخوف.
من هنا تنكشف المغالطة التي تُعاد بلا خجل: أن الدفاع عن الأكراد أو الدروز أو المسيحيين أو العلويين أو المرشديين أو الإسماعيليين يعني “تقسيم سوريا”. الواقع المعكوس هو الأصح: ما يقسّم سوريا هو إنكار الطيف السوري وتحويل الاعتراف بالهويات إلى تهمة.
سوريا توحّدت طويلًا بالقوة أكثر مما توحّدت بعقد مواطنة. وعندما يكون “الرداء الواحد”—قوميًا كان أو دينيًا—غطاءً لإلغاء الفوارق، يتحول إلى ستار للعنف لا إطار للعيش المشترك. إنكار التعدد ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل خطأ بنيوي: الدولة التي لا تعترف بتعدد مجتمعها تضطر لإدارة السياسة بالأمن، وإدارة الأمن بالخوف. وحين يتغير ميزان القوة، يتحول الخوف إلى انتقام، وتتحول الجغرافيا إلى مسرح “ضبط” بالقوة بدل أن تكون إطار حقوق.
ولهذا تحديدًا تصبح الأقليات أول من يدفع الثمن عند كل انتقال: ليس لأنها “ضعيفة” فحسب، بل لأن النظام الذي لم يعترف بها يحوّلها تلقائيًا إلى “ملف” يُدار أمنياً: تُطمأن يومًا، تُهدَّد يومًا، تُستخدم يومًا، وتُترك يومًا.
في لبنان، ينعكس المنطق نفسه بصورة فاضحة. البلد يعيش امتحانًا مزدوجًا: امتحان السيادة وامتحان العدالة. هل تُفتح أبواب السجون بلا مسار قضائي واضح في قضايا قتل جنود أو استهداف مؤسسة الجيش، فيما الجيش هو ما تبقّى من رابط ثقة عام؟ وفي الوقت نفسه، كيف يُطلب من الجيش أن يحمل عبء الاستقرار بينما القرار السيادي موزع بين قوى الأمر الواقع و عواصم الامر الواقع؟
المفارقة أن الخطاب الذي يطالب الدولة بالمسؤولية يريدها دولة واجهة: تُحاسَب على النتائج، وتُمنع من القرار. دولة تُستدعى لحمل الفاتورة، لا لتحديد السياسة. دولة تُؤمّن الغطاء، فيما “الدولة الحقيقية” تعمل في مكان آخر: دولة داخل الدولة، وسلاح خارج الدولة، وقرار خارج الدولة، ثم عتب على الدولة لأنها “لا تحكم”.
وهنا نصل إلى إحدى أكثر صيغ الانحطاط السياسي فجاجة في منطقتنا: الأمن بالاشتراك. يُقال لك: سندفع لك “سلامًا”، لكن عليك أن تشتريه. عليك أن تموّل طمأنينتك، وتدفع ثمن ألا تُقصف، وألا تُخطف، وألا تُرمى في العتمة. وكأن الأمن خدمة مدفوعة، لا حقًّا. وكأن السيادة اشتراك سنوي، لا عقد مواطنة.
في هذه المرحلة، لم تعد “الحماية” تعني حماية الناس، بل إدارة الخوف عن بُعد. تُقال عبارة “نحميكم” بينما الوسيلة ليست دولة وقضاء ومؤسسات، بل مسيرات وكاميرات ومبعوثون وممرات تفاوض. حمايةٌ تقول للناس: ابقوا حيث أنتم، لا تتحركوا كثيرًا، لا ترفعوا صوتكم كثيرًا، ولا تطلبوا أكثر من اللازم—لأن سقف السماء محسوب.
أي حرية في فضاء مسقوف؟
وأي وطنٍ حين تكون سماؤه محكومة “بمزاج” جهة خارجية، أو “بمقطع فيديو” على طائرة مسيّرة، أو “بتفاهم هاتفي” بين عواصم؟
هذه ليست حماية، بل إدارة قفص. قفصٌ قد يكون واسعًا، لكن سقفه حاضر دائمًا: سقف قابل للهبوط متى تغيّر المزاج، أو تبدلت الصفقة، أو ارتفع ثمن الابتزاز.
السخرية السوداء تبلغ ذروتها حين تُحوَّل المجازر إلى صفقات، ويُعاد تسويق “السلام” كاشتراك مالي، بينما تُترك الحقوق—خصوصًا حقوق الأقليات وحقوق الفقراء وحقوق الجنود—خارج أي عقد. في سوريا، تصبح ضمانات الأقليات حديثًا دوليًا باردًا يُدار على طاولة مبعوثين لا في مؤسسات دولة. وفي لبنان، تُستعاد لغة “الحماية الخارجية” كبديل عن سيادة تُبنى من الداخل.
هذا النوع من “الحرية المؤقتة” قد يخلق هدنة، لكنه لا يبني وطنًا: لأن ما يُمنح يمكن سحبه، او ضرورة تجديده وما لا يقوم على عقد مواطنة يمكن ابتزازه في أول منعطف.
في النهاية، المسألة ليست “مع الجولاني أو ضده”، ولا “مع قسد أو ضدها” بوصفها شعارات. المسألة أبسط وأقسى:
هل نريد دولة تعترف بجميع مواطنيها—كردًا وعربًا وسريانًا، دروزًا ومسيحيين وعلويين ومرشديين وإسماعيليين—بوصفهم شركاء حقوق لا ملفات أمن؟
أم نريد دولة لا تملك سوى الأمن لغةً، فتجعل من كل اختلاف شبهة، ومن كل شبهة ذريعة للعقاب الجماعي؟
حين تُدار الدولة كاختبار دائم للأقليات، تصبح “الوحدة” مجرد اسم آخر للقهر. وعندها يصبح الدم لغة مشتركة فعلًا، لا لأن الناس تريد الدم، بل لأن الدولة لم تترك لهم لغة أخرى.
فوحدة القهر لا تصنع وطنًا.
إنها تُبقي البلد “موحّدًا” مثل زنزانة: الجدران واحدة، والخوف واحد، والهواء واحد… لكن الحياة ليست وطنًا.
حين تُسمّى الزنزانة وطنًا: الدولة التي توحّد بالخوف
الأقليات كملف أمني: كيف تُدار سوريا ولبنان بمنطق السقف لا المواطنة
الأمن بالاشتراك… والوطن بلا عقد
• الدولة التي تخاف من تعددها تصنع دمها بيدها
ليست المشكلة في اختلاف الهويات، بل في الدولة التي تتعامل مع الاختلاف كجريمة.
الدولة التي تُنكر تنوّعها لا تُنتج مواطنة، بل تُنتج خوفًا. توحّد الناس بالخوف، ثم تتفاجأ حين ينقلب الخوف انتقامًا.
في سوريا ولبنان، يُعاد تسويق “الوحدة” بوصفها نقيض الاعتراف بالأقليات، وكأن حماية الناس تعني تقسيم البلاد. لكن الوقائع تقول العكس: ما يقسّم الدول ليس الاعتراف، بل إنكاره.
حين تُدار السياسة بالأمن، ويُدار الأمن بالخوف، تصبح الأقليات ملفات، والجيش أداة استنزاف، والسيادة مادة تفاوض. تُستبدل المواطنة بحمايات مؤقتة، وتُستبدل الدولة بمسيرات ومبعوثين وسقوف غير معلنة.
هذه ليست وحدة وطنية، بل وحدة قهر. وما يُبنى بالقهر لا يصنع وطنًا، بل هدنة قابلة للانفجار عند أول منعطف.
الدولة التي لا تعترف بتعدد مجتمعها تُجبر الناس على العيش في هوية واحدة بالقوة. لكنها بذلك لا تُنهي الاختلاف، بل تدفنه حيًا.
والاختلاف المدفون لا يموت؛ يتخمّر.
وحين يتغيّر ميزان القوة، يعود من تحت الركام غضبًا، وانتقامًا، ودمًا.
ليست المأساة في أن المجتمعات متعدّدة، بل في أن الدولة تخاف هذا التعدد. وحين تخافه، تحوّله إلى تهديد، ثم إلى ملف أمني، ثم إلى ذريعة للقمع.
عندها لا يعود السؤال: من يسيطر؟
بل: لماذا لم نُمنح يومًا لغة غير الخوف؟
وحدة القهر لا تصنع وطنًا.
إنها تصنع صمتًا… إلى أن يتكلم الصمت بما لا تُحب الدول سماعه.
المسألة ليست مع هذا الطرف أو ذاك، ولا مع هذه القوة أو تلك.
المسألة هي: هل نريد دولة مواطنة أم دولة خوف؟
دولة ترى في الأكراد والدروز والمسيحيين والعلويين والمرشديين والإسماعيليين شركاء حقوق، أم ملفات أمن تُدار عند الحاجة؟
دولة تحمي جيشها وتُكرّم كرامته، أم تختبر “الوطن” على ظهره؟
دولة تبني سيادتها بعقد اجتماعي، أم تشتري أمنها بالمسيرات والصفقات بعد الصمت المريب عن عشرات ألوف القتلى الابرياء في كل الدساكر؟
حين تُدار الدولة كاختبار دائم للأقليات، تصبح الوحدة اسمًا آخر للقهر.
وحينها لا يكون الدم خيار الناس… بل نتيجة دولة لم تترك لهم خيارًا آخر.
المواطنة شرط حياة و وحدة الوطن.


