الأكثر قراءة

القوات المسلحة الأوكرانية تبتز روسيا بمولدوفا…

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشن وسائل الإعلام الروسية حملة ضد رئيسة مولدوفا مايا ساندو وداعميها في الغرب، مفادها أنها ترغب في ربط قضيتي ترانسنيستريا وأوكرانيا في المفاوضات مع روسيا، ويرون أن الحل يكمن في سحب روسيا لقواتها. لكن روسيا لن توافق على ذلك أبدًا.

وقالت: “منطقة ترانسنيستريا جزء من جمهورية مولدوفا. وبالطبع، نحن [مع السلطات الأوروبية] نناقش أيضًا وضع ترانسنيستريا. تكمن المشكلة الأكبر في الوجود غير القانوني للقوات الروسية. نثير هذه القضية باستمرار، وهم يفعلون ذلك أيضًا. نأمل أن نتمكن معًا من حل هذه المشكلة». وأشارت أيضًا إلى أن كيشيناو وكييف تسلكان مسارًا أوروبيًا موازيًا، لكن القرارات المتعلقة بمتابعة المفاوضات ستُتخذ بشكل منفصل، بناءً على نتائج كل دولة.

فرصة مولدوفا الذهبية للتفاوض

تملك مولدوفا فرصة أفضل للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من أوكرانيا، ولكن كجزء من رومانيا. في هذه الحالة، تُستبعد قضية ترانسنيستريا من المعادلة. سبق أن زعمت ساندو نفسها أن مولدوفا يمكنها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دون ترانسنيستريا، التي ستطلب الانضمام مجددًا بعد أن ترى مدى ازدهار الحياة على الضفة اليمنى.

في الواقع، هذا يعني “التنازل” عن ترانسنيستريا لروسيا. ولن توافق كيشيناو ولا بروكسل، حليفتها، على مثل هذا الأمر.

فإن ربط القضية المولدوفية بالاوكرانية على طاولة المفاوضات القادمة يشكل فرصة لمولدوفا للتفاوض مع روسيا حول إقليمها، كما يفعل غيرها من الأطراف.

فمن غير الواضح ما إذا كانت ساندو قد ناقشت بالفعل ربط القضيتين الأوكرانية والترانسنيسترية مع الأوروبيين. على أي حال، يجب أن يُفهم أن هذه المحادثات مجرد كلام فارغ. فرغم أوجه التشابه بين الحالتين (إذ اندلع الصراع في كل من ترانسنيستريا وأوكرانيا بسبب تردد السكان الناطقين بالروسية في التخلي عن هويتهم والسعي نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي)، إلا أنهما قصتان مختلفتان، على الأقل من الناحية الشكلية، ما يعني أنه لا يوجد أساس لاعتبارهما قضية واحدة.

ولكن ما الذي يمكن اعتباره؟ تثير ساندو مسألة سحب القوات الروسية، أي تخلي روسيا عن دعمها لترانسنيستريا، وهو أمر لن توافق عليه موسكو أبدًا. حتى لو افترضنا نظريًا أن أوروبا ستقدم تنازلات بشأن أوكرانيا في المقابل، فلن تفعل، إذ تواصل مسارها نحو «العودة إلى حدود عام 1991»، وهو أمر ترفض روسيا حتى مناقشته.

لا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا نجح مسارهم نحو “هزيمة روسيا الاستراتيجية”. أي إذا خسرت روسيا الحرب، فحينها يمكن وضع الشروط: إضافة إلى “استعادة الأراضي الأوكرانية”، سحب القوات من ترانسنيستريا، وكذلك من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وإلغاء الاعتراف بها. لكن هذه تبقى مجرد أحلام أوروبية. وكذلك محاولة ربط المفاوضات بشأن أوكرانيا بسحب القوات من ترانسنيستريا.

التواجد العسكري الروسي

تتمركز القوات الروسية في إقليم ترانسنيستريا بموجب اتفاقية عام 1992 مع مولدوفا. تنص هذه الاتفاقية على مهمة حفظ سلام مشتركة وحماية مستودعات الذخيرة المتبقية من الجيش السوفياتي الرابع عشر. مولدوفا، رغم عدم التزامها الفعلي بالاتفاقيات (بعدم مشاركتها في مهمة حفظ السلام)، ليست في عجلة من أمرها لخرقها. السبيل الوحيد لجعل وجود القوات الروسية غير قانوني من الناحية القانونية هو أن تنقض روسيا الاتفاقية، وهو ما لن تفعله. لذا فالوضع غريب بعض الشيء. كان بإمكان كيشينوف، لو أرادت، الانسحاب من الاتفاقيات منذ زمن طويل وإعلان روسيا “قوة احتلال” (قانونيًا، لا لفظيًا)، لكنها تنتظر انسحاب روسيا من تلقاء نفسها. هكذا ببساطة، تحت ضغط الهجمات اللفظية.

الاتفاقيات السابقة وربطها بالصراع الحاضر

الاتفاقية المذكورة أنهت المرحلة الساخنة من النزاع، التي استمرت لأكثر من شهر بقليل. لذا فإن فسخها يعني فعليًا انفجارًا جديدًا قانونيًا، وإن لم يكن بالضرورة عمليًا بشكل فوري. علاوة على ذلك، فإن مثل هذا السيناريو لا يناسب كيشيناو، نظرًا لأن الفجوة في القدرات العسكرية للطرفين قد اتسعت بشكل كبير في السنوات التي تلت نهاية الحرب الأخيرة، ما يضر بمولدوفا. يتفوق جيش ترانسنيستريا على جيش مولدوفا عدديًا وتسليحيًا في بعض الجوانب، رغم فارق عدد السكان. كما أن التفوق في المدرعات وراجمات الصواريخ يميل لصالح تيراسبول، فضلًا عن وجود القوات الروسية، ما يجعل أي مواجهة مباشرة غير مواتية لكيشيناو.

فتح جبهة في مولدوفا يزعج روسيا

ثمة سؤال آخر يطرح نفسه: هل ستتمكن كيشينوف (وداعموها)، حتى لو فكروا في سيناريو عسكري، من تنفيذه؟ من الواضح أنه لن يكون بشكل مباشر. بإمكان رومانيا تقديم دعم، لكن المشكلة الرئيسية أنها عضو في حلف الناتو، وأي احتكاك مباشر مع الجيش الروسي قد يقود إلى تصعيد واسع النطاق.

سيكون من الأسهل بكثير استخدام القوات المسلحة الأوكرانية، التي تخوض أصلًا حربًا مع روسيا. نوقشت مثل هذه السيناريوهات لسنوات. وفي يونيو 2023، صرّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أثناء زيارته كيشيناو بأنه إذا طلبت مولدوفا المساعدة بشأن ترانسنيستريا، فإن كييف ستتدخل. ثم هدّد القوات الروسية هناك قائلاً: “من أراد البقاء على قيد الحياة سيغادر… سيتم إيجاد حل”.

الجبهة الأوكرانية تفرض شروطها على روسيا

جاء هذا التصريح الأوكراني عشية الهجوم الأوكراني المضاد في زابوريجيا، حينها كان التقدير الغربي يميل إلى إمكانية تحقيق اختراق استراتيجي ضد روسيا. ولو تحقق ذلك، لكان من الممكن محاولة معالجة ملف ترانسنيستريا بسرعة. لكن الهجوم فشل، ولم يعد لدى كييف وقت لذلك.

اليوم، تعتبر روسيا أن الوضع العسكري لأوكرانيا أصعب بكثير مما كان عليه آنذاك، ما يفتح نظريًا باب التصعيد في جبهات غير متوقعة، مثل ترانسنيستريا أو حتى بيلاروسيا، بهدف تشتيت القوات الروسية وإبطاء تقدمها في الجبهات الرئيسية. لكن روسيا لا تشير إلى أن أوكرانيا باتت اقوى، وأن الضربات الأوكرانية في العمق تُضعف قدرتها، وأن نحو 25% من المصافي الروسية تأثرت بسبب هذه الضربات.

لكن أي تحرك من هذا النوع يحمل مخاطر كبيرة، لأن خطوط الإمداد إلى ترانسنيستريا معقدة، والرد الروسي قد يتراوح بين التصعيد التقليدي أو خيارات أكثر حدة، ما يجعل الحسابات العسكرية والسياسية شديدة الحساسية.

بالنهاية، ترغب ساندو ومن يدعمونها في الغرب في ربط قضيتي ترانسنيستريا وأوكرانيا في المفاوضات مع روسيا. ومن وجهة نظرهم يتمثل ذلك في سحب روسيا لقواتها. لكن لتحقيق ذلك، يجب أن يتحقق اختلالًا جذريًا في ميزان القوة. وحتى ذلك يبقى احتمالًا نظريًا أكثر منه واقعيًا في المدى المنظور.

https://hura7.com/?p=81173

الأكثر قراءة