جريدة الحرة ـ بيروت
DW ـ يرى خبراء أنه لم يكن من الممكن لواشنطن القيام بحربها وإسرائيل على إيران دون الاعتماد على قواعدها في ألمانيا، الأمر الذي دفع الرئيس دونالد ترامب إلى الإشادة بـ”مساعدة” برلين، أثناء مؤتمر صحفي مع المستشار فريدريش ميرتس.
في المكتب البيضاوي وإلى جانبه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”مساعدة” ألمانيا في حرب إيران عن طريق السماح بالوصول لقواعد محددة. وقال الرئيس الأمريكي الثلاثاء (الثالث من آذار/مارس 2026): “لقد سمحوا لنا بالهبوط في مناطق معينة، ونحن نقدر ذلك، فهم يسهلون علينا الأمر”. ووصف ترامب ألمانيا بأنها “رائعة”.
قاعدة رامشتاين (Ramstein)
على الأرجح كان ترامب يقصد قاعدة رامشتاين الجوية الأمريكية الواقعة في ولاية راينلاند-بفالس. وهي أهم وكبر قاعدة جوية أمريكية في أوروبا. ومنها تُخطط العمليات في الشرق الأوسط، وتُحلل بيانات الاستطلاع، وتُرسل أوامر التحكم بالطائرات المسيّرة، حسبما نقل الموقع الإلكتروني لصحيفة “فرانكفورتر ألغماينة” الألمانية. أظهرت بيانات من موقع “Flightradar24” اليوم الأربعاء (الرابع من آذار/مارس 2026) أن عدة طائرات أمريكية تتمركز في رامشتاين، من بينها طائرة النقل العسكرية “غلف ستريم سي-37 إيه” (Gulfstream C-37A). وهذه الطائرة مخصصة لنقل لكبار المسؤولين الحكوميين والعسكريين.
وكشفت تحليلات علنية قبل أيام من بدء الحرب أن الأمريكيين كانوا يستخدمون رامشتاين بشكل متزايد كمركز عمليات. وهبطت هناك طائرات نقل عسكرية، على وجه الخصوص، ثم أقلعت إلى الشرق الأوسط، من بينها عدة طائرات من طراز “بوينغ سي-17” (Boeing C-17)، “غلوب ماستر 3″ (Globemaster III)، و”لوكهيد سي-130” (Lockheed C-130)، التي يمكنها نقل حمولة تصل لنحو 20 طناً. أما الطائرات من النوعين الأوليين فيمكنهما نفل حمولة تصل إلى أكثر من 77 طناً. ولم يتضح بعد ماهية ما تنقله تلك الطائرات إلى منطقة الشرق الأوسط. وفي نهاية كانون الثاني/يناير، هبطت طائرة الحرب الإلكترونية المتطورة في قاعدة رامشتاين لأول مرة.
قاعدة شبانغدالم (Spangdahlem)
وفي ولاية راينلاند-بفالس في ألمانيا توجد أيضاً قاعدة أمريكية حيوية للحرب على إيران: قاعدة شبانغدالم (Spangdahlem). وحسب الموقع الإلكتروني لصحيفة “فرانكفورتر ألغماينة” الألمانية فإن خمس طائرات من طراز C-17 كانت في القاعدة يوم الأربعاء (الرابع من آذار/مارس 2026). أفادت وسائل إعلام أمريكية بنقل عدة طائرات مقاتلة من طراز F-16 من شبنغدالم إلى الشرق الأوسط. وذكرت مجلة “القوات الجوية والفضائية” (Air and Space Forces) المتخصصة أن هذه الطائرات ستُستخدم لتعطيل فعالية الدفاعات الجوية الإيرانية. وأفادت شبكة سكاي نيوز يوم الثلاثاء أنه منذ 23 فبراير/شباط، هبطت 161 طائرة في قاعدتي شبنغدالم ورامشتاين الجويتين، وانطلقت منهما 246 طائرة على الأقل.
يعكس هذا الدعم الألماني المباشر تحولاً جوهرياً في طبيعة التحالف “الأطلسي”، حيث لم تعد القواعد العسكرية في ألمانيا مجرد مراكز للإدارة الإدارية أو التدريب، بل تحولت إلى “قلب نابض” للعمليات الحربية في الشرق الأوسط. إن إشادة ترامب بمرونة المستشار فريدريش ميرتس تكشف عن توافق استراتيجي جديد يسمح لواشنطن باستخدام الأراضي الألمانية كمنصة انطلاق آمنة بعيدة عن مديات الصواريخ الإيرانية، مما يوفر للجيش الأمريكي عمقاً لوجستياً يضمن استمرار تدفق الإمدادات العسكرية والوقود والمعدات الثقيلة دون انقطاع.
علاوة على ذلك، فإن الاعتماد على قاعدة “رامشتاين” كمركز لتحليل بيانات الاستطلاع والتحكم بالطائرات المسيرة، وقاعدة “شبانغدالم” كمنطلق لمقاتلات “F-16” المتخصصة في تدمير الدفاعات الجوية، يؤكد أن النجاح العسكري الأمريكي والإسرائيلي في هذه الحرب بات مرتبطاً عضوياً بالبنية التحتية الألمانية. هذا الدور يتجاوز مجرد “التسهيلات” ليصل إلى صلب العمليات القتالية، حيث تُعد هذه القواعد “الجسر الجوي” الذي يربط المصانع والمخازن الأمريكية بساحات القتال في الشرق الأوسط، مما يمنح واشنطن قدرة على المناورة لا يمكن توفيرها عبر القواعد القريبة من منطقة الصراع التي قد تكون عرضة للتهديد المباشر.
وفي السياق السياسي، يمثل هذا التعاون “غطاءً شرعياً” مهماً لتحركات واشنطن، إذ إن انخراط ألمانيا بهذا المستوى العملياتي يبعث برسالة حازمة لخصوم الولايات المتحدة بأن الحلفاء الأوروبيين، بقيادة ميرتس، قد حسموا خيارهم بالوقوف خلف الاستراتيجية الأمريكية بالكامل. هذا التماهي بين برلين وواشنطن في عام 2026 ينهي سنوات من التردد الألماني تجاه الصراعات العسكرية الكبرى، ويحول ألمانيا إلى شريك فعلي في إدارة الصراع، وهو ما يفسر وصف ترامب لألمانيا بأنها “رائعة”، كونها أزالت العقبات البيروقراطية والسياسية التي كانت تعيق التحركات الأمريكية السريعة في السابق.


