الأكثر قراءة

اللقاء الإماراتي الإيراني: تجسيد عملي لنهج الردع والدبلوماسية

جريدة الحرة بيروت

خاص ـ يشهد النظام الدولي والبيئة الإقليمية المحيطة مخاضات عسيرة وتحولات متسارعة تعيد تشكيل قواعد الاستقرار والاشتباك السياسي على حد سواء. وفي ظل تشابك الأزمات واتساع رقعة التوترات التي تتهدد أمن الممرات الحيوية ومقدرات الشعوب، تبرز الحاجة الملحة إلى تبني مقاربات عقلانية تتجاوز ردود الفعل الانفعالية أو الوقوع في فخ الصراعات العبثية المفتوحة. من هذا المنطلق، تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة عقيدة سياسية متزنة وقائمة على قراءة واقعية عميقة لتوازنات القوى، حيث تتجسد بوضوح في حراكها الدبلوماسي المستند إلى ثنائية الردع والحوار، لتؤكد دائماً أن حماية السيادة الوطنية وخفض التصعيد هما مساران متوازيان يكمل أحدهما الآخر في بناء أمن مستدام.

عقيدة الردع والدبلوماسية: قراءة في رؤية الإمارات الاستراتيجية لترسيخ الأمن الإقليمي

تتطلب البيئة الجيوسياسية المضطربة في منطقة الخليج والشرق الأوسط عقائد سياسية متزنة قادرة على الجمع ببراعة بين حماية السيادة الوطنية وخفض التوترات الإقليمية. وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كأحد أبرز الفاعلين الذين يمتلكون رؤية استراتيجية واضحة ومستقرة، بعيداً عن الانفعال أو الانجرار خلف صراعات المحاور المفتوحة. وقد تجسدت هذه السياسة بأجلى صورها في اللقاء الرفيع الذي جمع سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش أعمال قمة بريكس. لم يكن هذا اللقاء مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل جاء ليعكس عمق الفلسفة السياسية لأبوظبي في مقاربة الملفات الإيرانية والإقليمية المعقدة، قائمة على ثنائية متكاملة تجمع بين قوة الردع ومرونة الدبلوماسية كركيزتين أساسيتين لا غنى لأحدهما عن الآخر.

ثنائية الردع والدبلوماسية: حجر الأساس في العقيدة السياسية

أكد معالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، بكلمات موجزة وعميقة، تجسيد اللقاء الإماراتي الإيراني لنهج الدولة القائم على ركيزتي الردع والدبلوماسية، معتبراً استحالة استقامة أحدهما من دون الآخر. ففي الفهم الاستراتيجي الإماراتي، يمثل الردع الغطاء الصلب الذي يعزز مصداقية الدبلوماسية ويمنع استغلال حسن النوايا، بينما تكتسب الدبلوماسية فاعليتها ونجاحها الحقيقي حين تنطلق من موقع الندية والقدرة والوعي بالحقوق والمصالح. هذا التوازن الدقيق يمنع الانزلاق نحو المواجهة الشاملة أو الاستسلام لسياسات الأمر الواقع، ليشكل في نهاية المطاف السبيل الأمثل نحو صياغة أمن إقليمي مستقر ومستدام يعود بالنفع على شعوب المنطقة بأسرها، ويوفر بيئة آمنة للتطور والنمو.

قراءة واقعية للتحولات الإيرانية: التقاط إشارات العقلنة والاتزان

لا تنفصل الدبلوماسية الإماراتية في تعاملها مع طهران عن قراءة الواقع ومتغيراته الميدانية والسياسية. فقد لفت الموقف الإماراتي الانتباه إلى ضرورة التفاعل الواعي مع التصريحات والمواقف التي اتسمت بالاتزان والعقلانية والتي صدرت عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال الأزمات الممتدة. وحين تلتقط الدبلوماسية هذه المؤشرات الإيجابية وتتعامل معها بمسؤولية سياسية، يتبين بوضوح عدم إدارتها بمنطق القطيعة العمياء، بل بمنطق المصلحة الوطنية العليا والاستعداد الدائم لاختبار النوايا الجادة لخفض التصعيد. هذا الانفتاح المشروط بالواقعية يثبت إدراك أبوظبي لمتى وكيف تمد جسور الحوار، دون التنازل خطوة واحدة عن ثوابتها الأمنية أو التزاماتها تجاه استقرار محيطها العربي والخليجي.

إدارة الأزمات الإقليمية: البديل العملي لسياسة الحافة والأزمات المفتوحة

تثبت التجربة التاريخية والمعاصرة عجز تراكم التوتر الدائم أو إغلاق الأبواب الدبلوماسية بشكل كامل عن حل الأزمات الممتدة بين الدول. من هنا، تأتي التحركات الدبلوماسية لأبوظبي لتشكل نموذجاً في إدارة الأزمات بدلاً من تركها للتصعيد العشوائي. ومع استمرار التواصل مع الجانب الإيراني، حتى في أشد مراحل التوتر الإقليمي، تمتلك الإمارات قدرة فائقة على إيصال الرسائل بوضوح تام يتمثل في الرفض القاطع لأي تهديد للأمن الإقليمي من جهة، والانفتاح على مسارات التنمية والتعاون المشترك شريطة توافر حسن الجوار واحترام سيادة الدول من جهة أخرى. هذا النهج البراغماتي يمنح الدولة وزناً نوعياً يجعلها وسيطاً ومحاوراً رئيسياً يُعتمد عليه في تفكيك العقد السياسية الأكثر تعقيداً ودراكاً لطبيعة المصالح المتبادلة.

الدبلوماسية الإماراتية والامتداد نحو الشراكات الكبرى

يتكامل هذا النهج العقلاني في التعامل مع إيران مع حراك أوسع تقوده الإمارات على الساحة الدولية، متجسداً في الانخراط الفاعل ضمن التكتلات الكبرى مثل مجموعة بريكس. فالاستقرار الإقليمي الذي تسعى إليه أبوظبي عبر الردع والدبلوماسية ليس غاية بحد ذاته، بل يمثل البوابة الأساسية للتفرغ للتنمية الاقتصادية وبناء الشراكات التقنية والتجارية الواسعة. وعبر ربط الأمن بالازدهار، تتضح معالم عقيدة سياسية ناضجة ترى أن بناء الجسور مع القوى الإقليمية والدولية لا يتعارض مع الحزم في حماية المصالح الحيوية، بل يشكل الوجه الآخر لسياسة خارجية متوازنة ومستقلة تثبت حضورها الفاعل في رسم ملامح النظام العالمي الجديد القائم على تعددية الأقطاب.

خلاصة القول، تمثل المقاربة الإماراتية المتمثلة في مزج الردع بالدبلوماسية تحولاً نوعياً في هندسة العلاقات الإقليمية، متجاوزة معادلات الصفر وحافة الهاوية التي أثبتت عجزها عن جلب الاستقرار. ومن خلال اختبار النوايا بحكمة واستثمار المحافل الدولية الكبرى كمنصة للتواصل والتهدئة، تثبت أبوظبي أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على توجيه مسارات الدبلوماسية نحو حلول واقعية تخدم التنمية المستدامة. هذا النهج الرشيد لا يعيد رسم قواعد اللعبة الدبلوماسية في الخليج فحسب، بل يقدم خارطة طريق عملية تأكيداً على ارتباط أمن المنطقة وازدهارها بتغليب لغة المصالح المشتركة والندية المسلوكة بحكمة على منطق المواجهة والصراعات العبثية، مما يرسم آفاقاً أرحب لمستقبل جيوستراتيجي أكثر استقراراً وازدهاراً.

https://hura7.com/?p=84720

الأكثر قراءة