الأكثر قراءة

المبادرة التركية والتوازنات الجيوسياسية في المشرق العربي

المقومات الاستراتيجية، المآلات، وحدود أدوار القوى الإقليمية والدولية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تشهد منطقة المشرق العربي تحولات هيكلية متسارعة أزاحت الأطر التقليدية للنفوذ الإقليمي، وأعادت تشكيل خريطة العلاقات الدولية بين دول المنطقة. وفي هذا السياق الجيو-سياسي المركّب، تتصاعد المبادرة التركية نحو لبنان كمسار استراتيجي يهدف إلى إرساء مظلة أمنية وسياسية تمنع تفكيك مؤسسات الدولة اللبنانية وتلجم المساعي التوسعية للعدو الإسرائيلي، مع الاستناد إلى ثقل جيواستراتيجي متنامٍ وتطورات الحلفاء الإقليميين.

أولاً: الأبعاد الاستراتيجية والارتكازات الميدانية للمبادرة

تنطلق الرؤية التركية من فهم متكامل لارتباط أمن بيروت ودمشق بالأمن القومي لأنقرة. وتبلورت معالم هذه المبادرة عبر عدة مرتكزات أساسية:

▪️︎ الردع المشرقي وحماية الدولة: تستند التوجهات التركية إلى مفهوم أمني يعتبر أن الاستقرار في عمق الهلال الخصيب يشكل خط الدفاع الأول عن الحدود الجنوبية لتركيا. وتستهدف المبادرة تقوية البنية الرسمية للدولة اللبنانية، ومساندة الجيش اللبناني لبسط سيادته على كامل أراضيه، بما يمنع أي طرف من الاستفراد بالساحة اللبنانية أو فرض واقع جديد يخدم مصالح العدو الإسرائيلي.

▪️︎ الغطاء الإقليمي عبر الاتفاقيات الثلاثية: يُعد توقيع “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين تركيا والسعودية وباكستان في أغسطس 2026 رافعة سياسية وأمنية كبرى. يوفر هذا الإطار الثلاثي غطاءً عربياً وإسلامياً يُتيح لأنقرة التحرك بمرونة في لبنان والتنسيق مع الرياض والدوحة وواشنطن، مع الحفاظ على قنوات تواصل تُجنب المنطقة الاندفاع نحو صدامات جديدة.

▪️︎ تفكيك الذرائع وإدارة الملف الدفاعي: ترتكز المبادرة على مبدأ حصر السلاح والقرار الأمني بيد المؤسسات الرسمية للجمهورية اللبنانية. ويتضمن الطرح التركي معالجة الثغرات الأمنية من خلال تفكيك المخازن العسكرية لنقلها عبر سوريا وفق ترتيبات معينة، مقابل انتزاع ضمانات دولية تُجبر العدو الإسرائيلي على الانسحاب الكامل من الجنوب اللبناني ووقف اعتداءاته.

▪️︎ المسار البديل لـ “اليونيفيل”: مع اقتراب موعد إنهاء مهام قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل) في جنوب لبنان في 31 كانون الأول 2026، طرحت أنقرة مشاركتها في ترتيبات أمنية جديدة أو ضمن قوة دولية بديلة لضبط الحدود الجنوبية والحدود اللبنانية-السورية، مستفيدة من موقعها الدفاعي في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ثانياً: التوافقات والمحاذير في القراءة اللبنانية الداخلية

تتداخل القراءات اللبنانية لهذه المبادرة بين الرغبة في توظيف التحول الإقليمي لبناء الاستقرار، وبين التحفظات الناتجة عن الحسابات السياسية الداخلية:

▪️︎ المؤسسات الرسمية والجيش اللبناني: ينظر لبنان الرسمي، ممثلاً بالرئاسة والحكومة، إلى الانفتاح على أنقرة كفرصة حيوية لتنويع الشراكات الاستراتيجية، والحصول على دعم عسكري وتقني مباشر للجيش اللبناني لتمكينه من أداء مهامه الوطنية وحماية الحدود.

▪️︎ البيئة السياسية العامة: ترى أطراف واسعة في التحرك التركي المدعوم عربياً مدخلاً لإعادة التوازن السياسي والمؤسساتي، وإبعاد البلاد عن سياسة المحاور، بما يضمن صون الاستقلال والسيادة الوطنية من خلال التفاهم والحوار.

▪️︎ القوى المناهضة للمبادرة والحسابات الحذرة: تظهر بعض التحفظات والتوجسات حول الترتيبات المتعلقة بالسلاح أو تغيير الأدوار الأقليمية، إلى جانب مخاوف تاريخية لدى بعض المكونات. غير أن الخطاب الرسمي يؤكد باستمرار أن العلاقات تُبنى على الشراكة الندية واحترام سيادة الدولة ومنع التدخل في شؤونها.

ثالثاً: التداعيات الاقتصادية والجيو-اقتصادية

لا تقتصر المبادرة على البعد الأمني، بل تمتد لتشمل إعادة تشكيل ممرات التجارة والطاقة في المشرق العربي:

▪️︎ الربط التجاري والدور الاستثماري: تسعى تركيا إلى ربط القنوات الاقتصادية عبر السعودية وسوريا وصولاً إلى موانئ المتوسط اللبنانية، مما يعزز موقع المنطقة في التجارة العالمية ويقطع الطريق على المشاريع البديلة التي يحاول العدو الإسرائيلي ترويجها للاستحواذ على ممرات الطاقة.

▪️︎ إعادة الإعمار ومعالجة الخلل التجاري: يتطلع لبنان للشركات التركية للبدء في مشاريع إعادة الإعمار وتحديث البنية التحتية والتأهيل الشامل لمرافق النقل. غير أن هذا المسار يقتضي تصحيح الاختلال في الميزان التجاري عبر تشجيع الاستثمارات المباشرة ودعم الصادرات اللبنانية إلى الأسواق الإقليمية.

رابعاً: المواقف الدولية والإقليمية والتوقعات المستقبلية

يتوقف النجاح العملي للمبادرة التركية والتوازنات المرتبطة بها على كيفية تفاعل القوى الدولية والإقليمية الفاعلة مع هذا الواقع الجديد:

1. الموقف الأمريكي
تتقاطع واشنطن مع التوجه التركي في نقاط رئيسية، أبرزها دعم تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وضبط الحدود، وحصر السلاح بمؤسسات الدولة الرسمية. وعلى الرغم من الملاحظات الأمريكية الحذرة بشأن النبرة السياسية التركية تجاه العدو الإسرائيلي والرقابة المالية، إلا أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الدور التركي (بصفة أنقرة عضواً في الناتو) كبديل أمني عملي وقادر على المساعدة في إدارة مرحلة ما بعد اليونيفيل.

2. الموقف الأوروبي
ترحب القوى الأوروبية (وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا) بأي مسار يضمن منع انهيار المؤسسات اللبنانية ويحد من التداعيات الأمنية وموجات الهجرة عبر المتوسط. وتسعى الدول الأوروبية في الوقت نفسه إلى الإبقاء على دور حيوي لها في ترتيبات جنوب لبنان، مما يحفز التنسيق والتنافس البناء لضمان توافق القوات البديلة مع قرارات الشرعية الدولية.

3. الموقف العربي والمحيط الإقليمي
يحظى الدور التركي برافعة عربية متينة عبر التنسيق العالي مع الرياض والدوحة ضمن إطار “اتفاقية مكة”. يتيح هذا التوافق إعادة الدمج التدريجي للبنان في محيطه العربي، وتوفير مظلة اقتصادية ومالية لدعم الإصلاحات الحكومية وإعادة الإعمار. وفي المقابل، تتطلب الاستدامة الشاملة إبقاء الأبواب مفتوحة للحوار والتفاهم مع كافة القوى الإقليمية المجاورة لتفادي النزاعات الفئوية.

4. موقف العدو الإسرائيلي
يشكل الرفض الصارم من قبل العدو الإسرائيلي العقبة الأكبر أمام أي انتشار عسكري تركياً مباشر في جنوب لبنان. إذ يرفض الكيان الإسرائيلي وجود قوات تابعة لدولة ذات نفوذ إقليمي حاسم ومواقف سياسية معادية لتوسعه على حدوده الشمالية. وعليه، فإن أي صيغة مستقبلية ستشهد تجاذبات معقدة لحفظ الأمن ومنع العدو الإسرائيلي من خرق السيادة اللبنانية.

الخلاصة والخاتمة: الآفاق المستقبلية للاستقرار الشامل

تستند حقيقة المبادرة التركية والتطورات المصاحبة لها إلى قناعة استراتيجية مفادها أن الاستقرار الدائم في لبنان والمشرق العربي لا يمكن تحقيقه عبر الحلول الجزئية أو فرض سياسات الأمر الواقع، بل من خلال منظومة توازنات إقليمية متماسكة.

إن المؤمل في المرحلة القادمة -لضمان تحقيق استقرار سياسي وأمني واقتصادي مستدام- يتلخص في الآتي:

▪️︎ على المستوى السياسي والدستوري: تمكين المؤسسات اللبنانية الرسمية من إدارة القرار الوطني، وتكريس الحوار والتنسيق بين جميع القوى الوطنية بعيداً عن صيغ التحدي أو الاصطفافات الحادة، بما يصون الاستقلال والسيادة.

▪️︎ على المستوى الأمني والعسكري: بناء صيغة دولية وإقليمية متوازنة تدعم الجيش اللبناني كضامن وحيد للأمن على الحدود وفي الداخل، وتفرض انسحاب العدو الإسرائيلي الكامل ووقف جميع الاعتداءات والخروقات لسيادة الأراضي اللبنانية.

▪️︎ على المستوى الاقتصادي والتنموي: تفعيل الشراكات الاستراتيجية مع الدول العربية وتركيا والمجتمع الدولي لإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تجذب الاستثمارات وتصلح الخلل التجاري، بما ينقل لبنان والمنطقة من مرحلة النزاعات إلى مسار النمو والتكامل الاقتصادي الإقليمي.

https://hura7.com/?p=83246

الأكثر قراءة