جريدة الحرة
محمد سعد عبد اللطيف، كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.

في زمن الفضاء الرقمي، لم تعد المعارك تُخاض في ميادين الحقيقة، بل في أروقة وهمية تحكمها مزاجات المعلّقين ومقاييس الإعجاب اللحظي. لم تعد الكتابة فعلًا حرًا، بل اختبارًا مستمرًا في ميزان الانضباط الجماهيري. فكل من يجرؤ على الكتابة من قلبه، بات عرضة للمساءلة، لا على نصه، بل على سيرته، وتاريخه، وحتى صمته.
لم يعد القارئ قارئًا، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى رقيب، وجمهور المنصة إلى هيئة محلفين، والنص إلى قفص اتهام. ومع تصاعد سلطان “السوشيال ميديا”، صار الكاتب مطالبًا لا بأن يكتب فقط، بل بأن يحيا كنبي، ويتطابق مع كل ما يكتبه حرفًا بحرف.
في هذا السياق، يعود المتنبي، لا كمجرد شاعرٍ مغرور، بل كرمز للكاتب الذي دُفع إلى الموت لأنه كان مخلصًا لما يكتب، ولم يهادن القطيع. إنّ استدعاء المتنبي هنا ليس للتاريخ، بل للواقع، حيث يُصلب اليوم كل صاحب رأي خارج المألوف، وتُعلق كرامة الكاتب على جدران العاديين في محاكم التفتيش الرقمية.
“الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ”. قالها المتنبي فمات بها. لم تكن مجرد بيت فخر، بل كانت عهدًا قطعه على نفسه: أن يحيا كما يكتب، وأن يموت كما يحيا.
لكن في زمن “النعمانية” الحديثة، لم يعد القتل بسيوف فاتك الأسدي، بل بتعليقات فجة ومزايدات فكرية جوفاء، في مقاهي النقّاد الرقميين، أولئك الذين لا يكتبون، بل يتربصون بمن يكتب. هنا، في هذا الزمن البائس، صار كل من يكتب بحرية هدفًا مشروعًا لمقصلة الجماهير الافتراضية. جماهير لا تبحث عن الجمال أو الصدق، بل عن نسخة منهم، تكتب كما يشتهون، وتفكر كما يُريدون. وحين تخرج الكلمة عن سكة القطيع، تنهال السكاكين…
سكاكين من “اللايكات” المسمومة، ومن تعليقات لا تنقد النص، بل صاحب النص؛ لا تحاكم المعنى، بل النوايا. تمامًا كما عاد المتنبي ليُقتل كي لا يكذّب شعره، يعود كل كاتب حر اليوم ليتلقى الطعنات، لأنه رفض أن يُعيد إنتاج “النسخ المقبولة” من الواقع.
في مقاهي “نقاد الفيسبوك”، حيث يجلس المتفرغون للمزايدة، لا يُغفر لكاتب أن يكتب عن الحب وهو لا يعلن عن طلاقه، ولا أن يكتب عن الحرية وهو لا يضع صورة علم الوطن خلف اسمه، ولا أن يكتب عن الخوف وهو لم يُطرد من وظيفة! يُنسى النص، وتُنبش حياة الكاتب. ويُطلب منه أن يكون نبيًا، شهيدًا، قديسًا، بلا لحظة شك، بلا خطأ نحوي، بلا دمعة ضعف.
في هذا العصر، لم يعد يُطلب من الكاتب أن يكتب، بل أن يُطابق “مواصفات المصلح الاجتماعي” أو “القديس الثوري” وإلا، فالجلد العلني بانتظاره. ومثلما قُتل المتنبي بكبريائه، يُقتل اليوم من يقول “لا” في وجه السائد، ويكتب خارج حسابات الرواج.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل الكتابة الحقيقية ممكنة دون كسر التوقع؟ دون خيانة الجماهير في سبيل الحقيقة؟ وهل يملك الكاتب الحق في أن يكون ذاته، لا صدىً لما يريده الآخرون؟ ربما كانت نهاية المتنبي مأساوية، لكنها أكثر صدقًا من حياة ألف كاتبٍ يُصفق لهم القطيع. هو مات واقفًا، ونحن كثيرًا ما نعيش راكعين.
ما بين مقاهي الكوفة وساحات “فيسبوك”، تغيّرت أدوات القتل، لكن الجريمة واحدة: اغتيال الحرية باسم “الصواب الجماعي”. فالمتنبي لم يُقتل لأنه كاذب، بل لأنه أكثر صدقًا مما يُحتمل. واليوم، يُجلد من يكتب من ضلوعه لأنه لا يُراعي إيقاع المنصة، ولا يكتب بمنطق القطيع.
هكذا لا يكتفي هذا المقال بالدفاع عن حرية التعبير، بل يُسلّط الضوء على مأساة ثقافية نعيشها: حين يتحوّل القارئ إلى قاضٍ، والمنصة إلى منصة إعدام، والكلمة إلى تهمة. ويبقى السؤال مفتوحًا، لا كمجرد سؤال بل كصرخة: هل نريد كتّابًا يقولون ما نحب، أم نحتاج كتّابًا يقولون ما يجب أن يُقال، حتى لو أوجعنا؟


