
جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني
دخلت المواجهة الإقليمية مرحلة الصدام المباشر مع انطلاق ما يُعرف بـ “المرحلة الرابعة” من الهجوم الإسرائيلي الأميركي المشترك. تهدف هذه المرحلة استراتيجياً إلى تحقيق تثبيت جغرافي وعسكري يسعى لتمزيق أوصال الميدان وعزل مراكز القيادة والتحكم عبر تفوق تكنولوجي واستخباراتي هائل. إلا أن هذا العدوان يصطدم بواقع “اللامركزية الصامدة” التي يعتمدها المحور؛ حيث تحولت المنظومات الصاروخية والوحدات القتالية إلى مراكز قرار مستقلة تعمل بنظام التشغيل الذاتي، مما يُبطل مفعول “عقيدة الصدمة” التي تراهن على شل الرأس لإنهاء جسد المحور.
إن الفشل التقني في تحييد الرشقات الصاروخية المستمرة يضع هذا السيناريو كتهديد أكبر للقيادة الإسرائيلية وللتواجد الأميركي في المنطقة على حد سواء. فإذا لم يتحقق خرق بري حاسم وسريع خلال الأيام القليلة القادمة، ستتحول العملية من هجوم خاطف إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة، وهو الفخ الذي أوقعت تل أبيب وواشنطن أنفسهما فيه. هذا الواقع يؤدي حتماً إلى استهلاك مخزونات الدفاع الجوي ويحول العمق الإسرائيلي إلى ساحة مفتوحة لتلقي الضربات، مما يكسر هيبة الردع التي حاولت واشنطن وتل أبيب فرضها.
على المستوى الاستراتيجي، انتقلت طهران إلى مرحلة “المواجهة الشاملة” لإثبات أن أي تغيير في القيادة الإيرانية لم يولد ضعفاً، بل أدى إلى تصلب أكبر في القرار. إن الرد المحتمل يتجاوز الحدود التقليدية، مهدداً بـ إغلاق ممرات الطاقة في مضيق هرمز واستهداف الوجود العسكري الأميركي في المنطقة بشكل مباشر. هذا التهديد يضع إدارة دونالد ترامب أمام واقع ميداني حرج؛ فبينما يتبنى ترامب سياسة الضربات القاسية، يصطدم بحقيقة أن ثمن هذا الانفجار هو انهيار أمن الطاقة العالمي وتعريض القوات الأميركية لضربات مباشرة، مما ينسف المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة.
في هذا المشهد، تبرز روسيا والصين كقوى تراقب الاستنزاف الأميركي؛ حيث يمثل انغماس واشنطن في مستنقع المنطقة فرصة لإضعاف نفوذها في جبهات دولية أخرى. روسيا تجد في الميدان مختبراً لاختبار فاعلية سلاحها ضد التقنيات الأميركية، بينما تنتظر الصين لحظة الإنهاك لفرض نظام عالمي جديد ينهي الهيمنة الأحادية.
أما في لبنان، فإن الواقعية السياسية تظهر أن البلاد دخلت هذه الحرب لتصفية الحسابات مع إسرائيل، وذلك وسط انقسام داخلي حاد تعصف به الاتهامات المتبادلة. يحاول البعض تحميل مكونات لبنانية معينة مسؤولية ما يحدث، في حين أن إسرائيل لا تفرق في اعتدائها بين المكونات وتتعامل مع لبنان كهدف جغرافي وعسكري موحد. يجري هذا العدوان بضوء أخضر أميركي وممارسة ضغوط سياسية على الحكومة اللبنانية لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن التواجد المسلح لحزب الله في هذه المعركة، تحت ذريعة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الداخلي في ظل العدوان المستمر.
إن الخلاصة الميدانية تؤكد أننا في سباق مع الزمن؛ فإذا صمد المحور ونفذ تهديداته في العاشر والحادي عشر من آذار، فإن “المرحلة الرابعة” لن تكون إلا الفخ الذي كبلت فيه أميركا وإسرائيل أنفسهما. هذا الصمود سيؤدي حتماً إلى رسم خارطة نفوذ جديدة على غير ما تشتهيه الإدارة الأميركية، وينقل العالم من الأحادية القطبية إلى ثنائية دولية، مع تثبيت وقائع جيوسياسية ميدانية غير قابلة للعكس. وفي المقابل، فإن نجاح أميركا وإسرائيل في تحقيق أهدافهما سيخلق واقعاً جديداً حتماً، لكنه لا يمثل نظاماً جديداً بقدر ما سيعصف بفوضى عارمة تعم دول المنطقة قاطبة.


