جريدة الحرة بيروت
بقلم : علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تُمثّل المضائق البحرية “الأعصاب الحسية” للنظام العالمي، والمحركات الفعلية لدورة المال والطاقة والجغرافيا السياسية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، استندت الهيمنة الدولية إلى نظرية القوة البحرية التي ترهن السيادة الوطنية بالقدرة على ضبط الممرات المائية الكبرى. وتعتبر واشنطن أن حرية الملاحة في نقاط الخنق الإستراتيجية، مثل هرمز ومالاكا وباب المندب، ليست مجرد مصلحة لوجستية، بل هي ركيزة وجودية للنظام المالي القائم على “البترودولار”؛ أي العملة الورقية المرتبطة بالتدفق الفيزيائي للنفط. إن انتشار الأساطيل في هذه النقاط يهدف إلى ضمان عدم تحولها إلى أوراق ضغط بيد الخصوم، حيث يترابط الأمن البحري بقيمة النقد؛ فأي تهديد لسلامة هذه الممرات يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار الاقتصاد الأمريكي ونظام النقد العالمي.
ومع بروز الصين كقطب اقتصادي منافس، تحولت هذه المضائق إلى ساحة للتدافع الجيوسياسي، وهو ما يظهر جلياً في “معضلة مالاكا”. تعاني بكين من ارتهان طاقوي حاد لمضيق يخضع تاريخياً للرقابة البحرية الأمريكية، مما دفعها نحو هندسة ممرات برية وسككية لكسر هذا الحصار البحري. إن تفعيل مسارات الشحن البري وتطوير ممرات النقل الدولي التي تربط الشمال بالجنوب، كالمسار الرابط بين الهند وروسيا عبر الأراضي الإيرانية، يمثل التحدي الأبرز للمسارات التقليدية. وتكشف بيانات عام 2026 أن هذه الممرات البديلة نجحت في تقليص المسافات والزمن بنسب تصل إلى 40%، مما حولها إلى خيار إستراتيجي للتبادل التجاري بعيداً عن نقاط التفتيش والرقابة البحرية الأحادية.
إن هذا التحول لا يقتصر على إعادة توجيه البضائع، بل يمتد أثره إلى القوى الإقليمية المركزية، وفي مقدمتها مصر وإيران وعمان. فالدول المتشاطئة لم تعد تقبل بدور “الحارس الصامت” أو “المحصل للرسوم”؛ بل باتت تدرك أن مضائقها هي أصول سيادية يجب إدارتها بإرادة وطنية. فرغم الحفاظ على مكانة قناة السويس كممر أوحد لناقلات النفط العملاقة، إلا أن صعود الممرات البرية يفرض تحولاً من منطق “ممرات العبور” إلى “مراكز التصنيع والخدمات اللوجستية”. إن المكاسب الاقتصادية للدول المتشاطئة باتت مرتبطة بقدرتها على الاندماج في هذه الشرايين الجديدة، حيث تحولت بعضها إلى عقد وصل دولية تجني ثمار رسوم العبور واستثمارات البنية التحتية، مما أضعف فاعلية سلاح الحصار الاقتصادي وأدى إلى صعود التعامل بالعملات المحلية، وهو ما يقوض التبعية النقدية للقطب الواحد.
أمام هذه المعطيات، يبرز الاحتياج لصياغة عقد عالمي جديد للملاحة يضمن حقوق الدول المتشاطئة أمام تغول القوى النافذة. إن التوصيات الإستراتيجية تفرض الانتقال من دبلوماسية الممرات التقليدية إلى “سيادة الربط”، عبر بناء مناطق لوجستية تجعل استهداف الممر ضرباً للمصالح الدولية المشتركة. كما يتطلب الأمر تحييد هذه الممرات عن الصراعات العسكرية من خلال معاهدات حياد دائمة، والاستثمار في “الرقمنة السيادية” لحماية حركة الملاحة من التلاعب التكنولوجي الخارجي. إن إصلاح القانون الدولي للبحار بات ضرورة ملحة لإعادة تعريف “المرور العابر” بما يمنح الدول المتشاطئة الحق في الإشراف الأمني والبيئي، ومنع تحويل الممرات الدولية إلى ساحات لاستعراض القوة العسكرية الاستفزازية.
إن جوهر الصراع المعاصر، وبخاصة في مضيق هرمز، هو صراع على من يملك حق “المنع والسماح”. ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، يقترح إطلاق ميثاق للسيادة الجغرافية ينبثق عن مؤتمر للدول المتشاطئة، يهدف إلى توحيد المواقف القانونية أمام المحافل الدولية. إن هذا الميثاق يجب أن يضمن حق الدول في تحصيل رسوم العبور بسلال عملات متنوعة، وتجريم العقوبات الأحادية التي تعيق الملاحة الدولية خارج مظلة الأمم المتحدة. إن نجاح هذه التحولات البرية والبحرية يمثل الإعلان الرسمي عن انتقال الثقل الإستراتيجي من المحيطات الخاضعة للهيمنة التقليدية إلى فضاء جيوسياسي متعدد الأقطاب، حيث تُنتزع الحقوق السيادية بفرض واقع جديد يجعل من تجاوز إرادة الدول المشاطئة مغامرة غير محسوبة العواقب على استقرار العالم.


