الأكثر قراءة

المفاوضات الأمريكية الإيرانية تعود إلى ساحة الحرب

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما تراجعت لغة التفاوض لتحل محلها لغة القوة العسكرية والردع المتبادل. فالتطورات الأخيرة في الخليج تشير إلى أن الطرفين انتقلا من إدارة الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية إلى استخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية كوسيلة لتحسين شروط التفاوض وفرض وقائع جديدة على الأرض.

وجاءت هذه التطورات عقب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن فيها أن المفاوضات مع إيران لم تعد مجدية، وأن اتفاق وقف إطلاق النار فقد قيمته، معتبراً أن طهران اختارت العودة إلى التصعيد بدلاً من الالتزام بالتهدئة. ولم تمر هذه التصريحات دون تأثير، إذ سارعت أسواق النفط والغاز إلى التفاعل معها، فسجلت الأسعار ارتفاعات ملحوظة نتيجة المخاوف من اتساع دائرة المواجهة في منطقة تمثل الشريان الرئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.

ولا تعكس تصريحات ترامب مجرد تحول في الخطاب السياسي، بل توحي بأن الإدارة الأمريكية تعيد تقييم استراتيجيتها تجاه إيران، بعد أن كانت تراهن على الجمع بين الضغوط الاقتصادية وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً. أما اليوم، فتبدو واشنطن أقرب إلى سياسة تقوم على زيادة الضغوط العسكرية والسياسية، مع الإبقاء على خيار التفاوض قائماً، ولكن من موقع أكثر تشدداً.

التصعيد يعود إلى الخليج

التطورات الميدانية الأخيرة تؤكد أن الخليج العربي عاد ليكون الساحة الرئيسية للمواجهة بين الطرفين. فالهجمات التي استهدفت أهدافاً أمريكية، والاتهامات المتبادلة بشأن استهداف السفن التجارية وناقلات النفط، أعادت مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الدولي باعتباره أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

وتؤكد الولايات المتحدة أن أمن الملاحة الدولية يمثل أولوية لا يمكن التهاون فيها، في حين ترى إيران أن موقعها الجغرافي يمنحها أوراق ضغط استراتيجية في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية. وبين هذين الموقفين، يتحول المضيق إلى نقطة احتكاك دائمة، يمكن لأي حادث أمني فيها أن يرفع مستوى التوتر في المنطقة خلال ساعات قليلة.

ويبدو أن واشنطن باتت تتعامل مع أي تهديد لحركة الملاحة باعتباره تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي، وليس مجرد خلاف ثنائي مع إيران، وهو ما يفسر سرعة الردود العسكرية الأمريكية كلما تعرضت السفن التجارية أو القوات الأمريكية في المنطقة لهجمات أو تهديدات.

من الاتفاق النووي إلى أمن الطاقة

تكشف التطورات الأخيرة أن طبيعة الصراع بين واشنطن وطهران تغيرت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة. ففي السابق، كان البرنامج النووي الإيراني يمثل محور الخلاف الرئيسي، أما اليوم فقد أصبح أمن الطاقة والممرات البحرية يحتلان موقعاً متقدماً في سلم الأولويات الأمريكية والغربية.

فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري تعبره ناقلات النفط، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي. وأي اضطراب في حركة الملاحة ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويؤثر في اقتصادات الدول الصناعية، وهو ما يمنح هذا المضيق أهمية استراتيجية تتجاوز حدود المنطقة.

وفي المقابل، تدرك إيران أن قدرتها على التأثير في أمن المضيق تمنحها ورقة تفاوضية مهمة، خصوصاً في ظل العقوبات الاقتصادية التي تواجهها. لذلك، ينظر كثير من المحللين إلى التصعيد الحالي باعتباره جزءاً من صراع أوسع حول من يملك القدرة على التحكم بأمن الطاقة العالمي.

لماذا تعثرت المفاوضات؟

رغم تعدد جولات الحوار خلال السنوات الماضية، فإن الخلافات الجوهرية بين الطرفين بقيت دون حل. فالولايات المتحدة تطالب بضمانات تمنع إيران من تطوير برنامجها النووي إلى مستويات عسكرية، بينما تصر طهران على حقها في الاحتفاظ بقدراتها النووية السلمية ورفض أي شروط تعتبرها انتقاصاً من سيادتها.

ولا يقتصر الخلاف على الملف النووي، بل يمتد إلى العقوبات الاقتصادية، والدور الإقليمي لإيران، وبرنامج الصواريخ الباليستية، فضلاً عن النفوذ الإيراني في عدد من دول الشرق الأوسط. وتعتبر واشنطن أن هذه الملفات مترابطة، في حين تصر طهران على فصلها وعدم ربطها بالمفاوضات النووية.

كما يواجه الطرفان أزمة ثقة عميقة، إذ ينظر كل منهما إلى الآخر باعتباره يسعى إلى كسب الوقت وتحسين موقعه التفاوضي دون تقديم تنازلات حقيقية. ولذلك، فإن أي اتفاق مؤقت يبقى معرضاً للانهيار عند أول أزمة ميدانية أو سياسية.

الرسائل العسكرية المتبادلة

تؤكد الضربات العسكرية الأخيرة أن الرسائل المتبادلة لم تعد تقتصر على التصريحات السياسية، بل أصبحت تُترجم إلى عمليات ميدانية تستهدف القواعد العسكرية، والمنشآت، ووسائل الملاحة. وتحاول كل جهة إظهار قدرتها على الردع، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة لا تبدو أي من العاصمتين مستعدة لتحمل كلفتها.

لكن هذا النوع من المواجهات يحمل مخاطر كبيرة، لأن أي خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه، خاصة في منطقة تضم قواعد عسكرية أمريكية، وحركة بحرية كثيفة، ومصالح اقتصادية لدول كبرى تعتمد على استقرار تدفق النفط والغاز.

أسواق الطاقة أول المتأثرين

لم يكن مفاجئاً أن تكون أسواق النفط والغاز أول المتأثرين بالتصعيد الأمريكي الإيراني، إذ يكفي صدور تهديدات بإمكانية تعطيل الملاحة في مضيق هرمز حتى تبدأ الأسعار بالارتفاع، نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية. ويُعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعل أي توتر أمني فيه ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية.

وتعكس هذه التطورات حجم الترابط بين الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، إذ لم يعد استقرار أسواق الطاقة مرتبطاً بالإنتاج فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة الدول على حماية طرق التجارة الدولية وضمان استمرار حركة الملاحة دون عوائق. ولذلك، فإن أي تصعيد عسكري في الخليج لا يقتصر تأثيره على أطراف النزاع، بل يمتد إلى الدول المستوردة للطاقة والأسواق المالية العالمية.

هل أصبحت ورقة هرمز أكثر كلفة على إيران؟

على مدى عقود، اعتبرت طهران مضيق هرمز إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية في مواجهة الضغوط الغربية، مستندة إلى موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن استخدام هذه الورقة قد يحمل نتائج عكسية.

فكلما ارتفع مستوى التهديد للملاحة الدولية، ازدادت الدعوات الغربية إلى تعزيز الوجود العسكري في الخليج، وتوسيع التحالفات البحرية، وتسريع مشاريع الممرات التجارية البديلة التي تقلل من الاعتماد على مضيق هرمز. وبهذا المعنى، فإن استمرار التصعيد قد يدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن حلول طويلة الأمد تحد من أهمية المضيق، وهو ما قد ينعكس سلباً على المكانة الجيوسياسية التي اعتمدت عليها إيران لعقود.

كما أن استمرار التوتر قد يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الإيراني، الذي يواجه بالفعل تحديات كبيرة نتيجة العقوبات وتراجع الاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي يجعل كلفة التصعيد أعلى من المكاسب السياسية التي قد تحققها طهران.

إسرائيل والضغوط على إدارة ترامب

لا يمكن فصل التصعيد الحالي عن البيئة الإقليمية الأوسع، وفي مقدمتها الدور الإسرائيلي. فتل أبيب تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني وشبكة نفوذ طهران الإقليمي باعتبارهما التهديد الأكبر لأمنها القومي، ولذلك تدفع باستمرار نحو تشديد الضغوط السياسية والعسكرية على الجمهورية الإسلامية.

وفي المقابل، تحاول إدارة ترامب الموازنة بين استمرار سياسة الردع وتجنب الانخراط في حرب شاملة قد تستنزف الولايات المتحدة عسكرياً واقتصادياً. إلا أن أي هجوم يستهدف القوات الأمريكية أو الملاحة الدولية قد يفرض على واشنطن رداً أكثر قوة، بما يجعل هامش المناورة السياسية أكثر ضيقاً.

المفاوضات لم تنته… لكنها أصبحت أكثر صعوبة

ورغم حدة الخطاب السياسي، لا يعني ذلك بالضرورة انتهاء فرص التفاوض. فالتجارب السابقة بين واشنطن وطهران أظهرت أن فترات التصعيد غالباً ما كانت تسبق العودة إلى قنوات الاتصال، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين ودوليين.

لكن المفاوضات المقبلة، إذا عادت، لن تكون شبيهة بالجولات السابقة، لأن ميزان القوى في المنطقة شهد تغيرات مهمة، كما أن ملفات الخلاف أصبحت أكثر تعقيداً، ولم تعد تقتصر على البرنامج النووي، بل امتدت إلى أمن الملاحة، والعقوبات الاقتصادية، والنفوذ الإقليمي، وبرامج الصواريخ، فضلاً عن إعادة ترتيب موازين القوى في الشرق الأوسط.

السيناريوهات المحتملة

تشير المعطيات الحالية إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تحدد مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول يتمثل في استمرار سياسة الضربات المحدودة والردود المتبادلة، مع بقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وهو السيناريو الذي يسمح لكل طرف بالحفاظ على أوراقه التفاوضية دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على اتساع نطاق المواجهة نتيجة خطأ في الحسابات أو استهداف منشآت استراتيجية أو إغلاق فعلي لمضيق هرمز، الأمر الذي قد يدفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة لإعادة فرض حرية الملاحة.

في حين يبقى السيناريو الثالث هو العودة إلى طاولة المفاوضات، لكن بعد أن يحاول كل طرف تحسين موقعه السياسي والعسكري، بما يمنحه أوراقاً إضافية خلال أي تسوية مستقبلية.

الخلاصة

تشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المفاوضات بديلاً عن القوة، بل أصبحت القوة جزءاً من عملية التفاوض نفسها. فكل طرف يسعى إلى فرض وقائع جديدة على الأرض قبل العودة إلى الحوار، في محاولة لتعزيز موقعه وتحسين شروطه.

وفي المقابل، لم يعد الصراع يقتصر على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل أصبح يدور أيضاً حول أمن الطاقة العالمي، وحرية الملاحة، ومستقبل الممرات التجارية الدولية. ومن هنا، فإن أي تصعيد في الخليج لن تكون انعكاساته محصورة بين واشنطن وطهران، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الأطراف المعنية ستنجح في احتواء التصعيد والعودة إلى مسار تفاوضي جديد، أم أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة أكثر اضطراباً، يكون فيها أمن الطاقة والممرات البحرية عنواناً رئيسياً لصراع إقليمي ودولي مفتوح على احتمالات متعددة.

https://hura7.com/?p=81593

الأكثر قراءة