الأكثر قراءة

المفاوضات الشائكة وثبات المعادلة الميدانية: تلة علي الطاهر وعقدة السيادة اللبنانية

جريدة الحرة بيروت

بقلم : علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

تتداخل الحسابات السياسية الميدانية والدبلوماسية لتضع الاستقرار في الجنوب أمام اختبار حقيقي، حيث أظهرت نتائج الجولة السابعة من مفاوضات روما تبايناً جوهرياً بين المنظور الأمريكي الذي وصف النتائج بالـ”مثمرة” والتقييم اللبناني الرسمي الذي اعتبرها دون مستوى الطموح الوطني. ويعود هذا التباين إلى اصطدام الترتيبات الإجرائية للانسحاب بشرط فرض خيارات تمس بالسيادة الوطنية؛ فبينما حُسم التوافق المبدئي على تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق الإطاري القاضي بالانسحاب التدريجي للعدو الإسرائيلي مقابل انتشار الجيش اللبناني، والاعتماد على منطقة زوطر الغربية كنموذج تجريبي أول، بقيت الملفات السيادية الكبرى معلقة. فقد أُحيلت الترتيبات الفنية المتعلقة بـ”الطرف الثالث” وآليات المراقبة إلى اللجان المختصة لمتابعة محاذيرها القانونية، فيما رحّل ملف الخروقات المستمرة إلى آلية التحقق المدعومة أمريكياً، مع التأكيد على رفع ملف ترتيبات ما بعد قوات “اليونيفيل” إلى مجلس الأمن الدولي.

غير أن التفاوض شُلّ عند تحديد مناطق تجريبية جديدة في بنت جبيل والخيام نتيجة إصرار العدو الإسرائيلي على تحصيل “موافقة مسبقة” لتحركات الجيش اللبناني في بلدات كفرون وغرب زوطر، وهو ما قوبل برفض لبناني حاسم باعتباره مساساً صريحاً بالسيادة الوطنية، مما أدى أيضاً إلى ترحيل ملف الأسرى والترسيم النهائي للحدود البرية إلى الجولات المقبلة.

ويرتبط هذا الانسداد التفاوضي في جوهره بالواقع الميداني المعقد المحيط بـ”تلة علي الطاهر” الاستراتيجية المشرفة على النبطية وإقليم التفاح؛ حيث تحاول القيادة السياسية والعسكرية للعدو الإسرائيلي استخدام هذا المرتفع كأداة ضغط سياسي وميداني. وتندمج في المقاربة الإسرائيلية الأبعاد العسكرية بالرغبة الحثيثة لرئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، في تحقيق مكاسب انتخابية وسياسية داخلية؛ إذ يسعى نتنياهو إلى استغلال التصلب الميداني لإظهار قدرة حكومته على فرض شروط أمنية متشددة، وترميم صورة الردع، وإرضاء القاعدة اليمينية المتطرفة عبر استعراض القوة وإجبار المفاوض اللبناني على القبول برقابة مشددة وسلب الجيش اللبناني حرية الحركة في أرضه.

وتُبرز التقارير العسكرية والمصادر الإعلامية في تل أبيب، ولا سيما صحيفة “يديعوت أحرونوت” وإذاعة جيش العدو، أن المؤسسة العسكرية تنظر إلى التلة بوصفها مركز إدارة عمليات وتحصيناً أرضياً شديد الخطورة، مما جعلها محوراً للاشتراطات التفاوضية والعمليات الميدانية للفرقة 36 التي تفرض حصاراً نارياً وميدانياً محكماً عليها.

وفي ظل هذا التصلب، تتأرجح خيارات العدو الإسرائيلي تجاه تلة علي الطاهر بين سيناريوهين رئيسيين أحلاهم مر؛

▪️︎ السيناريو الأول يستند إلى إبقاء الحصار العسكري المشدد لقطع خطوط الإمداد ومنع مقومات الحياة عن المتحصنين فيها، أملاً في إنهاك الموقف اللبناني وفرض تسليمها بلا كلفة عسكرية مباعدة.

▪️︎ أما السيناريو الثاني والحرِج، فيتمثل في اللجوء إلى التدمير الشامل عبر التفجير الضخم، باتباع استراتيجية الأرض المجهدة التي طُبقت في مجدل زون ويحمر الشقيف، من خلال زرع مئات الأطنان من المتفجرات لتدمير المرتفع وشبكاته من دون الدخول البري المكلف بشرياً. غير أن هذا الخيار يحمل في طياته محاذير هندسية وبيئية تقر بها أوساط العدو الهندسية، إذ إن تفجيراً بهذا الحجم يتسبب بارتجاجات أرضية اصطناعية تعبر الحدود لتصل إلى إصبع الجليل، فضلاً عن أحداث تصدعات وانهيارات هيكلية في البلدات المحيطة كالنبطية الفوقا وكفرتبنيت، مما يغير الجغرافيا ويقضي على البنية المائية الجوفية، ويحول المنطقة إلى بيئة غير صالحة للسكن لمنع أهالي الجنوب من العودة إليها.

تتجاوز تداعيات المحطات المقبلة في تلة علي الطاهر حدود الجغرافيا المحلية لتلقي بظلالها على المشهد الإقليمي برمته؛ فاستمرار الحصار أو اللجوء إلى سيناريو التدمير الشامل سينعكس إسرائيلياً عبر تكلفة سياسية وعسكرية عالية قد تفجر الهدنة القائمة وتحرم نتنياهو من الاستقرار الذي يبتغيه لتوظيفه انتخابياً، فضلاً عن الأضرار الارتجاجية والبيئية المنتقلة إلى المستوطنات الشمالية.

وعلى المستوى اللبناني، فإن أي مساس بهذه التلة أو فرض قيود على انتظام عمل الجيش اللبناني فيها يشكل تهديداً متقدماً لمنظومة الدفاع عن الجنوب والعمق اللبناني، ويغير المعالم السكنية والبيئية لبلدات القضاء، مما يفرض تمسكاً لبنانياً جامعاً بمبدأ السيادة الكاملة ورفض الشروط الابتزازية. أما إقليمياً، فإن انفجار الوضع في علي الطاهر سيؤدي حتماً إلى انهيار مسار التهدئة، ويفشل الوساطات الدولية الداعية للضبط، مما يفتح المنطقة على جولة واسعة من المواجهة تتجاوز الحدود اللبنانية لتعيد رسم قواعد الاشتباك وتوازن الردع في المنطقة ككل.

https://hura7.com/?p=83042

الأكثر قراءة