الأكثر قراءة

المقاومة الأفغانية تتوسع… وفصيل مسلح في مواجهة طالبان

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تشهد أفغانستان تطورًا لافتًا في المشهدين الأمني والسياسي مع اتساع رقعة المعارضة المسلحة لحركة طالبان، في مؤشر قد يعكس تحولًا تدريجيًا في طبيعة الصراع الذي تشهده البلاد منذ عودة الحركة إلى السلطة في أغسطس (آب) 2021. فبعد سنوات انحصرت خلالها المقاومة المسلحة في الولايات الشمالية ذات الغالبية الطاجيكية، برز لأول مرة فصيل مسلح ينشط في شرق البلاد ويضم مقاتلين من البيئة البشتونية، وهو تطور يرى مراقبون أنه قد يغير موازين المواجهة ويزيد الضغوط الأمنية والسياسية على طالبان.

ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه الحركة تحديات داخلية متزايدة، تتعلق بإدارة الدولة، والأوضاع الاقتصادية، والعلاقات مع دول الجوار، فضلاً عن تنامي الانتقادات الموجهة إليها بشأن احتكار السلطة وإقصاء مكونات سياسية وعرقية عديدة من المشاركة في الحكم.

تصاعد العمليات في بدخشان

شهد شهر يوليو (تموز) 2026 سلسلة من العمليات المسلحة في ولاية بدخشان، نسبت إلى فصائل مناهضة لطالبان، ووصفت بأنها من أكبر التحركات العسكرية التي تواجهها الحركة منذ سنوات. وجاءت هذه العمليات بعد تمردات محلية قادها عدد من القادة العسكريين السابقين، قبل أن تعلن “جبهة الحرية الأفغانية”، بقيادة رئيس الأركان السابق ياسين ضياء، تنفيذ هجمات استهدفت مواقع تابعة لطالبان في عدد من مديريات الولاية.

وبحسب بيانات الجبهة وتقارير إعلامية، تمكنت قواتها من السيطرة على عدد من المواقع العسكرية وإجبار مقاتلي طالبان على الانسحاب من بعض المناطق، كما أعلنت أنها صدت هجمات مضادة وأسقطت طائرات مسيّرة كانت تنفذ مهام استطلاعية. وفي المقابل، تحدثت مصادر مختلفة عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف طالبان، إلا أن حجم الخسائر لا يزال موضع تباين بين الروايات المختلفة، ولم يتسن التحقق منه بشكل مستقل.

ويرى محللون أن أهمية هذه العمليات لا تكمن فقط في المكاسب الميدانية، بل في قدرتها على إظهار أن المعارضة المسلحة ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات منسقة ضد طالبان في مناطق كانت الحركة تعدها مستقرة نسبيًا.

نورستان تدخل المشهد

التطور الأكثر أهمية تمثل في الإعلان عن تأسيس “جبهة الحرية المتحدة” في ولاية نورستان شرقي أفغانستان، وهي جماعة مسلحة جديدة أعلنت أنها ستعمل على مقاومة طالبان والدفاع عن حقوق سكان المنطقة. وأصدرت الجماعة رسالة مصورة باللغة البشتوية أكدت فيها أن هدفها يتمثل في حماية هوية نورستان والدفاع عن حقوق الأفغان الذين يرون أنهم تعرضوا للتهميش في ظل حكم طالبان، مشيرة إلى أن مقاتليها ينتمون إلى المجتمعات المحلية في الولاية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تمثل، وفق عدد من المراقبين، أول ظهور لفصيل مسلح مناهض لطالبان ينطلق من بيئة يغلب عليها الناطقون بالبشتوية، بعدما ارتبطت المعارضة المسلحة خلال السنوات الماضية إلى حد كبير بالمناطق الشمالية والطاجيكية.

تحول في طبيعة المعارضة

يشير عدد من الباحثين إلى أن ظهور فصيل جديد في شرق البلاد قد يعكس تحولًا في بنية المعارضة الأفغانية، بحيث تصبح أكثر تنوعًا من الناحية العرقية والجغرافية، وأقل اعتمادًا على مراكز المقاومة التقليدية في شمال البلاد. كما يرى بعض المحللين أن المعارضة قد تتجه خلال المرحلة المقبلة إلى نموذج يقوم على تعدد الفصائل المحلية والإقليمية، بحيث تعبر كل جماعة عن خصوصية منطقتها أو مكونها الاجتماعي، بدلًا من العمل ضمن قيادة مركزية موحدة، وهو ما قد يزيد تعقيد المشهد الأمني والسياسي.

نورستان… أهمية جغرافية واستراتيجية

تتمتع ولاية نورستان بموقع جغرافي بالغ الأهمية، نظرًا لقربها من الحدود مع باكستان، وهو ما يمنح أي تطورات أمنية فيها بعدًا إقليميًا يتجاوز الحدود الأفغانية. كما أن التوتر المستمر بين طالبان وإسلام آباد بشأن أمن الحدود وتحركات الجماعات المسلحة يضيف بعدًا آخر إلى المشهد، إذ يرى بعض المراقبين أن تطورات الشرق الأفغاني قد تتأثر بطبيعة العلاقات بين الجانبين، وإن كان لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد دعم أي دولة للفصائل المعارضة.

تحديات متزايدة أمام طالبان

منذ سيطرتها على الحكم، اعتمدت طالبان بصورة رئيسية على إحكام قبضتها الأمنية والعسكرية على مختلف الولايات، إلا أن ظهور بؤر مقاومة جديدة، خاصة في مناطق ذات غالبية بشتونية، قد يفرض على الحركة تحديات تختلف عن تلك التي واجهتها في الشمال.

فإذا استمرت المعارضة في التوسع جغرافيًا، فقد تجد طالبان نفسها أمام جبهات متعددة تتطلب توزيعًا أكبر للموارد العسكرية والأمنية، وهو ما قد ينعكس على قدرتها في فرض السيطرة الكاملة على البلاد. وفي الوقت نفسه، تواجه الحركة تحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة، إلى جانب استمرار العزلة الدولية وعدم الاعتراف الرسمي بحكومتها، وهي عوامل تزيد من تعقيد البيئة التي تعمل فيها.

مستقبل المشهد الأفغاني

تشير التطورات الأخيرة إلى أن أفغانستان قد تدخل مرحلة جديدة من الصراع، تتسم باتساع رقعة المعارضة المسلحة وتعدد الفاعلين المحليين، في وقت لا تزال فيه طالبان تحاول تثبيت أركان حكمها بعد خمس سنوات من عودتها إلى السلطة.

ورغم أنه لا يزال من المبكر الحديث عن تحول جذري في موازين القوى، فإن اتساع نطاق المقاومة إلى مناطق جديدة، وظهور فصائل تنتمي إلى بيئات اجتماعية مختلفة، قد يشكل تحديًا متزايدًا أمام طالبان خلال المرحلة المقبلة.

وفي المقابل، سيظل مستقبل هذه المعارضة مرتبطًا بقدرتها على التنسيق بين مكوناتها المختلفة، وبمدى قدرتها على اكتساب قاعدة شعبية أوسع، إضافة إلى تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية في مسار الصراع الأفغاني، الذي لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة.

https://hura7.com/?p=82357

الأكثر قراءة