الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

المملكة العربيّة السعوديّة وديبلوماسيّة الثّبات التَّراكُمي!

 

زياد الصّائغ*

 

جريدة الحرة ـ بيروت

ثمَّة ديبلوماسيَّات عريقَة في العالَم. مصالِحُها أولويَّة. بُوصلَةُ هذه المصالِح تتأقلم لكنَّها تحفَظُ ثوابِتَ قِيَميَّة. القِيَميَّة هُنا فِعلٌ يتعلَّقُ بالعَدلِ والسَّلام. حِكمَة هذه الديبلوماسيَّات العريقَة لا تصنعُها بالضرورة دِراساتٌ وأبحاث. فِطنَةٌ ورؤيَة تُفيدان مع هذه الأخيرة. الوساطة والمفاوضة والتَّحكيم، تُشكِّلُ كُلُّها أدواتٍ محترِفَة في تشييد جُسُور التَّلاقي، ومحاولة تجفيف أُسُس الصِّراعات بجَمعِ التَّناقُضات.

جَمعُ التَّناقُضات مُرهِقٌ استنزافيّ، إذ من الصَّعب بمكان إيجاد قواسِم مشتركة في ما بين أسيادِ هذه أو تِلك. تؤدِّي المُثابَرةُ هُنا دورًا تأسيسيًّا في إحداثِ اختِراقاتٍ إيجابيَّة في جُدرانِ العَزلِ والانعِزال. البراغماتيَّةُ بُنيَةٌ فاعِلَة في فَهمِ طبيعة التحوُّلاتِ الجيو-سياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة، والدينيَّة، ما يُسهِمُ في رَفدِ المثابرة بعناصِر مؤثِّرة تَجعَلُ من جَمعِ التَّناقُضاتِ أُمثولَة في فضاءِ السِّياسات العامَّة الدَّولتيَّة.

ما سبَقَ بعضٌ من قِراءةٍ في ما تنتهِجُهُ المملكة العربيَّة السُّعوديَّة من ديبلوماسيَّة فاعِلَة على المستويين الإقليمي والدَّولي. في ما يُعنى بفلسطين ودولتِها المرتجاة. الصِّين والولايات المتحدة الأميركيَّة. أوكرانيا وروسيا. إيران وأذرعها في مواجهة الأمن القومي العربي. لَيسَت هذه الدّيبلوماسيَّة مستجِدَّة. إرثُها ضارِبُ الجُذُور في الانخِراط الدَّائِم بمُبادرات تسالُميَّة. لكنَّ السِّماتِ السُّلوكيَّة الحاليَّة تؤشِّرُ إلى فَهمِ دورِها المحوريّ في بناءِ السَّلامِ العالميّ. سلامٌ مبنيّ على العَدلِ. العَدلُ مصالِحٌ مع قِيَم.

قد يعتقِدُ البعضَ أنَّ هذه الدّيبلوماسيَّة الصَّاعِدَة ظرفيَّة موضعيَّة، أو فولكلُوريَّة استِعراضيَّة، بل حتَّى مصلحيَّة تبادُليَّة. الظَّرفيّ الموضعيّ طبيعيّ في كُلِّ خيارٍ ديبلوماسيّ. الفولكلوريّ الاستِعراضيّ تعبيرٌ جماليّ عن الفاعليَّة. المصلحيَّة التَّبادليَّة قُدرة على فَهمِ الُّلقيا على تظهير الانتِفاع التَّشارُكيّ. ليس هذا تبريرًا منطقيًّا، بِقَدر ما هو رُكونٌ إلى مُقارَبَةٍ هادِفَة في ما ترمي إليه المملكة العربيَّة السُّعوديَّة من اندِفاعاتِها التوسُّطيَّة بمشهدِيَّاتٍ مُفاجِئَة.

في أيّ حال، تبدو هذه الاندِفاعاتُ التوسُّطيَّة معنيَّة بدَعمِ الإبقاءِ على خُطوطٍ تَفَاوضيَّة بين المتصارعين على المستوى الدَّولي من ناحِيَة، إلى دَعمِ خيارِ الدُّول الوطنيَّة السيّدة العادلة الشرعيَّة على المستوى الإقليميّ من ناحَيَةٍ أُخرَى. هذا الأَخيرُ يتبدَّى على كثيرٍ من الوضوح. تُريدُ فيهِ المملكة نَقل العالم العربي والشرق الأَوسَط من مرتَعٍ للحروب والَّلاعدالة، إلى مُربَّعٍ للسَّلامِ واستِعادَة كرامَة الإنسان بِحَدَاثَةٍ حكيمة. مركزيَّة قِيام دولةٍ فلسطينيَّة واضِحة المعالم ضمانَةً لاستِدامَةِ هذا المُربَّع. سيشهد الفلسطينيّون والعالم تحقُّق حِلمِهم. الكِلفَة عالِيَة، لكنَّ التَّاريخ يُمهِل ولا يُهمِل. تُدرك الديبلوماسيَّةُ الصَّاعِدة محوريَّة هذا التحقًّق وامتِداداتِه. لُبنان في وجدانِها شُرفَةُ العَرَب بالمواطنة الحاضِنة للتنوُّع. سوريا قلبٌ نابضٌ بالعَودة إلى ديموقراطيَّةٍ حكيمة. العِراقُ مَسَاحَة غنيَّة ثقافيًّا وسوسيولوجيًا. اليَمنُ حضارة مؤنسنة يجب إحياؤها.

ليس كلّ ما نعايُنُه بسيطًا. تعقيداته تتمظهرُ بالنتائج الآتية. الفِعلُ الديبلوماسيّ صبورٌ وتراكميّ. هُنا بيت القصيد. جامعة الدّول العربيَّة تتطلَّب بعدها إعادة هيكلة.

*باحث في الشؤون الجيو-سياسيّة

https://hura7.com/?p=53559

الأكثر قراءة