د. جاد طعمه
جريدة الحرة بيروت
تتوالى زيارات الموفدين الأميركيين إلى لبنان مع ما تحمله من مظاهر افتقاد للّياقة والحياد، في وقت يُفترض أن يقوم العمل الدبلوماسي على حدّ أدنى من الموضوعية والكياسة في التعاطي. هذه التصرفات تعكس في جوهرها تبعات اتفاق وقف إطلاق النار سيّئ الذكر، الذي كنا قد نشرنا مضمونه مترجماً إلى العربية بعيد دخوله حيّز التنفيذ، محذّرين يومها من انزلاق لبنان إلى رضوخ كامل سياسياً، ومن أن نتائج التفاوض كانت كارثية ليس فقط على لبنان، بل على المنطقة بأسرها. فسقوط لبنان سياسياً وعسكرياً مهّد مباشرة لسقوط النظام السوري.
اتفاقية وقف إطلاق النار: الإطار السياسي للهيمنة
لا يبرّر سوء الاتفاق الذي التزم به لبنان منذ 27 تشرين الثاني 2024 الادعاء بأنه لم يُوقَّع رسمياً، أو أنه مجرد “كلام شرف”، أو أنه جاء لإعادة الأمن والاستقرار في ظروف عصيبة. فالواقع أن لا أمن تحقق ولا استقرار أتى؛ بل لمسنا تبعات هزيمة سياسية نكراء.
لقد فاوضنا مبعوثاً أميركياً سبق أن خدم ضابطاً في الجيش الإسرائيلي بحجة أنه يحمل الجنسية الأميركية، وتنازلنا له عن حقل كاريش الاستراتيجي، وهو جزء من ثروتنا الوطنية. كما تقاعست الحكومة عن إصدار مرسوم إيداعه في الأمم المتحدة، ما كان سيكفي لاعتبار الخط 29 متنازعاً عليه ولعرقلة بدء العدو باستخراج النفط والغاز. والأسوأ أن لبنان رضخ للمبعوث ذاته مرة أخرى أثناء الحرب، فأبرم اتفاق وقف إطلاق نار مذلّ بكل ما للكلمة من معنى، ليُدخِل البلاد سريعاً في زمن السطوة الأميركية بخنوع كامل.
ولا بد من التذكير بأن كلفة الحرب الباهظة عام 2024 ارتبطت بمحاولة إقناع قادة المقاومة بضرورة تسهيل الحل السياسي وتجنّب المواجهة العسكرية، الأمر الذي سمح للعدو باستهداف معظم قيادات المقاومة وتدمير مخازن أساسية للأسلحة قبل استعمالها.
وإن كانت الرؤية القاصرة قد قادت إلى الخسارة المدوية، فكيف لا يتحمّل المسؤولون تبعات فشلهم الذريع أمام الوطن والشعب؟ وكيف تبقى الشخصيات السياسية نفسها حاضرة في كل زمان ومكان كأوراق لعب مستهلكة؟ ولماذا يُصرّ “النادي السياسي” اللبناني على الاستخفاف بعقول الناس والتفريط بمصالح الوطن؟
هل بات سقوط المنطقة ذريعة لقبول الاستفزازات المتكررة؟ وهل الأزمة الاقتصادية التي صنعها السياسيون أنفسهم يجب أن تفرض على اللبنانيين خنوعاً كاملاً طمعاً بهبات أو قروض لن تأتي إلا بثمن الانبطاح؟ أسئلة مريرة لكنها مشروعة، وعلى الإعلام اللبناني مسؤولية طرحها في العلن من زاوية احترام قواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية.
رمزية “نجمة داوود”: بين الديني والسياسي
إظهار الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس لرمزية “نجمة داوود” خلال زيارتها إلى لبنان، رغم أنها تتبع الديانة المسيحية، يحمل أبعاداً سياسية لا يمكن التغاضي عنها. فالنجمة التي تتوسط علم الكيان الإسرائيلي تُثير تساؤلات حول الرسائل المبطّنة لهذا الظهور في توقيت بالغ الحساسية.
نجمة داوود ارتبطت تاريخياً برموز روحانية في حضارات قديمة (مصرية، هندية، بابلية)، قبل أن تُستخدم في أوروبا بالعصور الوسطى لحماية الجماعات اليهودية، دون أن يُذكر اسمها في التوراة أو التلمود. ومع ذلك، تحولت مع الزمن إلى رمز لهوية اليهود الدينية والاجتماعية، وإن لم تحمل قداسة دينية كالشمعدان السباعي (المينوراه).
الحركة الصهيونية تبنّت الشعار في مؤتمر بازل عام 1897 بقيادة هرتزل، ليصبح لاحقاً رمز الدولة العبرية مع اعتماد علمها عام 1948، حيث يرمز الخطان الأزرقان إلى النيل والفرات كإشارة إلى “إسرائيل الكبرى”، فيما ترمز النجمة إلى الهوية اليهودية الجامعة.
وفي بعض التقاليد الباطنية، تُمثل النجمة السداسية التوازن الكوني بين الأضداد: مثلث إلى الأعلى يرمز للنور والروح، ومثلث إلى الأسفل يرمز للمادة والظلام، وتداخلهما يشير إلى وحدة الثنائية. وقد ارتبطت هذه الرمزية بما يُعرف بخاتم سليمان.
اليوم، تبقى دلالة “نجمة داوود” مرتبطة بسياق استخدامها: فهي قد تكون رمزاً دينياً ليهودي متدين، أو تعبيراً عن الانتماء لدولة الاحتلال، أو أداة انحياز سياسي في سياق العلاقات الدولية. وفي العالم العربي، خصوصاً في ظل الاحتلال المستمر لفلسطين، تُقرأ النجمة غالباً كرمز استعماري لا كرمز إنساني.
حادثة القصر الجمهوري: من الخرق الدبلوماسي إلى الإهانة المباشرة
أن يقف الموفد الأميركي توم براك أمام الإعلاميين في القصر الجمهوري اللبناني ويوجه إليهم عبارات من قبيل: «اصمتوا قليلاً… لا تكونوا فوضويين… وإن استمريتم بالسلوك الحيواني سنغادر»، فذلك يتجاوز الرموز الاستفزازية غير المباشرة، ليبلغ حدّ الإهانة العلنية للإعلام اللبناني.
والمفارقة أن جزءًا كبيرًا من المشهد السياسي والإعلامي في لبنان يقف أصلاً في موقع المروّج لخطوات الإدارة الأميركية والداعم لها. ومن المعروف أنه في معظم الدول، يسبق أي تصريح رسمي شيء من الفوضى في القاعات الإعلامية، وهو أمر طبيعي إذا كان يراد للبث أن ينطلق مباشرة. لكن غير الطبيعي أن يتولى مبعوث دبلوماسي مهمة توبيخ الحاضرين بعبارات غير لائقة، مهددًا بوقف المؤتمر بالكامل، وبمرافقة ابتسامة لافتة من الموفدة المرافقة له.
قد يظن البعض أنها مجرد هفوة، لكن تكرارها يدل على تعمّد واضح لإذلال مواقع أساسية ذات رمزية في لبنان، وكأنها سياسة أميركية ممنهجة تقوم على منطق الإخضاع بأسلوب يذكّر بنهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكان الأجدر بالإعلاميين، وقد سمع اللبنانيون العبارات واضحة على الهواء بفضل الميكروفونات، أن يقاطعوا المؤتمر الصحافي، ما لم يكونوا قد غفلوا عن فحوى الكلمات أو لم تصلهم بوضوح داخل القاعة.
الإطار القانوني: انتهاك اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية
تحظر الأعراف الدولية على الموفد الدبلوماسي انتهاك قوانين الدولة المضيفة أو استخدام شعارات معادية، حتى مع تمتعه بالحصانة. وما جرى يُعد مخالفة صريحة للمادة 41 من اتفاقية فيينا (1961) التي توجب على الدبلوماسيين احترام قوانين الدولة المضيفة، وللمادة 9 التي تمنحها الحق في إعلان الموفد “شخصًا غير مرغوب فيه” وطرده فورًا.
إن استخدام رموز أو عبارات استفزازية ترتبط بدولة عدوّة أو خروجًا متعمّدًا عن أصول اللياقة الدبلوماسية، يشكّل انتهاكًا جوهريًا للقانون الدولي. فالمادة 41 تُلزم الدبلوماسيين بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة، وأي سلوك يندرج في إطار الإهانة أو الاستفزاز يُعد تدخلًا مرفوضًا. أما المادة 29 فتؤمن لهم حصانة من الملاحقة، لكنها لا تبيح لهم انتهاك القانون.
القواعد الدولية تؤكد أن واجب الدبلوماسي الأول هو احترام سيادة الدولة المضيفة والالتزام بالحياد. وعليه، فإن أي اعتداء رمزي أو سلوكي يُعتبر خرقًا للثقة الدبلوماسية. وللدولة، وفق المادة 9 من اتفاقية فيينا، أن تطرد الموفد المخالف بإعلانه “Persona Non Grata”، دون الحاجة إلى تبرير القرار. كما يمكنها تجميد العلاقات أو تخفيض التمثيل الدبلوماسي، فضلاً عن اللجوء إلى المنظمات الدولية لتنبيه الدولة المعنية أو المطالبة بعقوبات عليها.
من التبعية إلى الكرامة: كيف نواجه؟
لم تعد التصرفات الاستفزازية لموفدين مثل توم براك ومورغان أورتاغوس مجرد هفوات شخصية، بل باتت نهجًا يختبر ضعف الدولة اللبنانية ويقيس قدرتها على الدفاع عن كرامتها. إن تجاوز قواعد الدبلوماسية الدولية، من استعراض رموز معادية إلى توجيه إهانات مباشرة، هو رسالة سياسية واضحة بحد ذاتها.
والمواجهة لا تكون بالاستنكار اللفظي وحده، بل بالانتقال من منطق التبعية إلى منطق الكرامة: عبر تفعيل نصوص القانون الدولي، واستخدام الآليات الدبلوماسية المتاحة، وإعلان كل من يتجاوز حرمة الدولة اللبنانية “شخصًا غير مرغوب فيه”.
فلبنان، رغم أزماته، أكبر من أن يكون ساحة إهانة مفتوحة، وسيادته ليست سلعة للمساومة. آن الأوان لتحويل الصدمة إلى إرادة، والإهانة إلى وقفة كرامة.


