الأكثر قراءة

الموقف الإيراني من الحرب والمفاوضات

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

في تصريح لافت للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عبر قناة “العالم”، بتاريخ 8اب 2026 أكد أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، مشيرًا إلى أن “القضايا لا تُحَل بالحرب وحدها”. ويعكس هذا الموقف توجهًا إيرانيًا نحو التأكيد على أهمية المسار التفاوضي، مع الإبقاء على شروط طهران ومصالحها الوطنية ضمن أي تسوية محتملة.

وأوضح بزشكيان أن استمرار إيران في المفاوضات يرتبط بمدى تقدم الطرف الآخر فيها، معتبرًا أن الوقت الراهن يمثل فرصة مناسبة للتوصل إلى اتفاق، في ظل ما وصفه بحالة من التماسك والقوة والوحدة داخل البلاد. ويشير هذا الخطاب إلى محاولة الجمع بين إظهار الاستعداد للتفاوض والتأكيد على أن المفاوضات يجب أن تقوم على الندية وعدم تقديم تنازلات تحت الضغط.

وفي جانب آخر من تصريحاته، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده تسعى إلى تجنب تصاعد الضغوط على الشعب الإيراني، داعيًا الولايات المتحدة إلى إزالة حالة انعدام الثقة التي أوجدتها، والاعتراف بحقوق إيران والعمل على ضمانها. وشدد على أن المطالب الإيرانية تتركز في الحصول على حقوق البلاد والشعب، بما يعكس تمسك طهران بربط أي تفاوض باحترام سيادتها ومصالحها الوطنية.

ويكشف هذا الخطاب عن توظيف البعد السياسي والإعلامي في إدارة الموقف الإيراني، إذ تسعى طهران، من خلال الرسائل الموجهة إلى الجمهور الداخلي والخارجي، إلى التأكيد على استعدادها للحوار، مع الحفاظ في الوقت نفسه على صورة الدولة القوية والمتمسكة بحقوقها. كما يعكس الخطاب محاولة لاستخدام التفاوض والاتصال السياسي كأدوات للقوة الناعمة، بالتوازي مع الاحتفاظ بعناصر القوة والقدرة على الصمود بوصفها أدوات ضغط في إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة والفاعلين الدوليين.

بين استمرار الحرب والحفاظ على الدولة

من هنا، يمكن التوقف عند مسألتين أساسيتين في الموقف الإيراني الراهن. تتمثل الأولى في أن إيران، مهما بلغت قدرتها على الصمود، لا تستطيع الاستمرار في الحرب إلى ما لا نهاية، فالحروب تنتهي في نهاية المطاف بتسوية أو نتيجة سياسية، والاستمرار في القتال دون أفق واضح قد يؤدي إلى استنزاف الدولة بدل تحقيق أهدافها. ومن ثم، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة قد لا يحقق لإيران مكاسب سياسية أو استراتيجية إضافية، بل قد يزيد من حجم الخسائر والضغوط المفروضة عليها.

أما المسألة الثانية فتتعلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي، إذ إن استمرار العقوبات والضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة على معالجة الأزمات الداخلية يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على المجتمع الإيراني. فالضغوط الاقتصادية لا تبقى محصورة في المجال المالي، وإنما قد تتحول إلى عامل يؤثر في الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ويزيد من حدة التباينات والانقسامات الداخلية، بما يفتح المجال أمام أزمات أكثر تعقيدًا إذا استمر غياب الحلول السياسية والاقتصادية.

و تبرز تجربة الحرب العراقية الإيرانية باعتبارها حالة تاريخية يمكن الاستفادة منها في فهم خيارات إيران الحالية. ففي عام 1988، قبل الإمام روح الله الخميني قرار وقف الحرب وقبول القرار الدولي الذي أنهى الحرب العراقية الإيرانية، رغم أن القرار كان يمثل تراجعًا مؤلمًا بالنسبة إلى إيران. وقد جاء القرار بعد وصول القيادة الإيرانية إلى قناعة بأن استمرار الحرب بات يهدد قدرة الدولة على الصمود، في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية والإنهاك الذي أصاب مؤسسات الدولة والجيش والاقتصاد.

ولذلك، يمكن النظر إلى قرار الخميني آنذاك باعتباره مثالًا على تقديم استمرارية الدولة على استمرار الحرب. فقد كان الخيار يتمثل في الاستمرار في مواجهة عسكرية طويلة ذات كلفة متزايدة، أو القبول بتسوية صعبة تضمن بقاء الدولة والنظام وتوقف الاستنزاف. وفي النهاية، اختارت القيادة الإيرانية المسار الثاني، رغم ما حمله من كلفة سياسية ونفسية.

المعادلة الإيرانية بين الحرب والتسوية

وبالنظر إلى التطورات الراهنة، يمكن طرح تساؤل حول مدى تشابه بعض عناصر المعادلة الحالية مع الظروف التي دفعت القيادة الإيرانية إلى إنهاء الحرب عام 1988. فإيران تواجه اليوم ضغوطًا متعددة المستويات، تشمل المجال الاقتصادي والسياسي والأمني، إلى جانب تحديات إقليمية ودولية متزايدة. ولذلك، فإن استمرار المواجهة دون أفق سياسي واضح قد يؤدي إلى استنزاف إضافي لقدرات الدولة والمجتمع.

غير أن القرار في المرحلة الراهنة يختلف من حيث طبيعة المؤسسات والفاعلين المؤثرين في عملية صنع القرار. فالمشهد السياسي الإيراني يتضمن تيارات متعددة، بعضها يدفع باتجاه استمرار المواجهة، بينما يرى تيار آخر أن المصلحة الوطنية تقتضي البحث عن تسوية سياسية وإعادة بناء العلاقات مع البيئة الدولية والإقليمية.

ومن هنا، تبدو الحاجة إلى إعادة تقييم الأولويات الوطنية أكثر إلحاحًا، بحيث لا تتحول الحرب إلى هدف بحد ذاتها، وإنما تبقى أداة مرتبطة بتحقيق أهداف سياسية محددة. فإذا أصبحت كلفة الحرب أكبر من قدرتها على تحقيق المكاسب، فإن البحث عن التسوية يصبح جزءًا من حماية المصلحة الوطنية وليس بالضرورة تعبيرًا عن الهزيمة.

وتبرز في هذا السياق أهمية إعادة الاندماج في النظامين الإقليمي والدولي، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، وفتح قنوات الحوار، بما يساعد على حماية الدولة والمجتمع من مخاطر الاستنزاف والانهيار والفوضى. فالمطلوب، في نهاية المطاف، ليس فقط الحفاظ على القدرة العسكرية، وإنما الحفاظ على الدولة ومؤسساتها وشعبها وقدرتها على الاستمرار.

فإن الرسالة التي يمكن استخلاصها من التجربة التاريخية لعام 1988 ومن الخطاب الإيراني الراهن هي أن القوة لا تقاس فقط بالقدرة على مواصلة الحرب، وإنما أيضًا بالقدرة على اتخاذ القرار السياسي في اللحظة المناسبة، وتحويل القوة العسكرية والسياسية إلى مكاسب تفاوضية تحفظ المصالح الوطنية.

وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى السؤال الأساسي أمام القيادة الإيرانية هو: هل تستمر في معادلة الاستنزاف، أم تتجه إلى تسوية سياسية تعيد ترتيب علاقاتها الدولية والإقليمية وتحافظ على الدولة والمجتمع من مخاطر الانهيار؟ ويبدو أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد بدرجة كبيرة اتجاه السياسة الإيرانية في المرحلة المقبلة.

https://hura7.com/?p=83039

الأكثر قراءة