جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يشهد مجال التدريب العسكري تحولًا متسارعًا مع دخول تقنيات النمذجة والمحاكاة الرقمية إلى صلب التخطيط العملياتي الحديث. وتبرز شركات الدفاع الكبرى، كمحرك رئيسي لهذا التطور من خلال تطوير منصات تتيح اختبار سيناريوهات القتال في بيئات افتراضية آمنة. ويأتي ذلك في ظل سعي الجيوش لتسريع الاستجابة ورفع كفاءة اتخاذ القرار في ساحات المعارك المعقدة.
القدرة على اختبار قرارات ساحة المعركة
عرضت شركة لوكهيد مارتن ما تعتقد أنه مستقبل الحرب، القدرة على اختبار قرارات ساحة المعركة بسرعة وفي بيئة خالية من المخاطر. في أحد السيناريوهات، اعتمد المدافعون بشكل كبير على صواريخ أتاكمز بعيدة المدى لصد هجوم برمائي. وقد تسببوا في خسائر لكنهم فشلوا في منع قوات العدو من الوصول إلى الشاطئ. في جولة ثانية، استخدم القادة صواريخ دقيقة بعيدة المدى وقدرات استشعار محسّنة.
هذه المرة، تم دحر الهجوم قبل وصول قوات الإنزال إلى الشاطئ. يُعد هذا التمرين جزءًا من ACES، وهي منصة للنمذجة والمحاكاة صممتها شركة لوكهيد مارتن لمساعدة المخططين العسكريين على اختبار القرارات التشغيلية وتقييم النتائج وتحسين التكتيكات دون إجراء تدريبات ميدانية مكلفة. يقول راشي كواتلبوم، نائب رئيس شركة لوكهيد مارتن: “حان الوقت الآن للتحرك بشكل أسرع. وسيسمح لهم النمذجة والمحاكاة بالقيام بذلك”.
الأدوات الرقمية والتطور السريع للحرب الحديثة
يستلزم التطور السريع للحرب الحديثة، من الطائرات بدون طيار إلى الحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة بعيدة المدى، من القوات المسلحة تغيير الطريقة التي أجريت التدريبات بها لسنوات عديدة. ويقول كواتلبوم أن هذه الأدوات الرقمية يمكنها كذلك أن تحل “بشكل كامل” محل بعض التدريب الميداني للجيش.
تستغرق التدريبات العملية واسعة النطاق أسابيع وشهور للتخطيط. أما تدريبات الناتو متعددة المجالات، مثل تدريب الاستجابة الباردة في القطب الشمالي، فقد تستغرق أكثر من عام لإتمامها، وهذا ما يجعلها بطيئة ونادرة.
يمكن لتقنية النمذجة والمحاكاة الرقمية أن تدمج المواصفات الواقعية لأي نظام أسلحة، مما يتيح للقادة العسكريين تشغيل عدد غير محدود من سيناريوهات “ماذا لو”. ثم يتم إعداد تقارير مفصلة تتضمن استنتاجات حول أسباب حدوث نتائج معينة وكيف يمكن تغييرها.
تحديد الثغرات المحتملة في القدرات
بالنسبة للجيوش الأوروبية التي تسعى إلى تحسين التنسيق والاستعداد، مع بدء الولايات المتحدة في سحب القوات والمعدات من المنطقة للتوجه نحو مسارح عمليات أخرى، يمكن أن توفر هذه التقنية مذلك وسيلة لاختبار العمليات متعددة الجنسيات وسلاسل الإمداد اللوجستي. على سبيل المثال، يمكن أن يتناول أحد السيناريوهات كيفية وصول إمدادات الذخيرة إلى الخطوط الأمامية بعد أسابيع من اندلاع الصراع.
وأضاف كواتلبوم أن التحليلات يمكن أن تمكن المسؤولين من تحديد الثغرات المحتملة في القدرات ودعم “قرارات التحديث طويلة الأجل”. وتابع كواتلبوم: “ستتمكن أوروبا من تحسين جميع جوانب التنسيق والتواصل والفهم التشغيلي المشترك، وستكون قادرة على مزامنة جميع أصولها معًا عبر البلدان”.
دمج المحاكاة المتطورة ومنصات القتال المدعومة بالذكاء الاصطناعي
على الجانب الآخر، يبدو أن حلف شمال الأطلسي قد استوعب هذا الدرس. ففي مايو من العام 2026، أجرى الناتو تمرينَا استمر لمدة أسبوع ونصف حول مركز قيادة بمساعدة الحاسوب، وهو الأول من نوعه الذي يشمل مقر قيادة عمليات الحلفاء.
يوضح اللواء روبريخت فون بتلر، قائد مركز الحرب المشتركة التابع لحلف شمال الأطلسي، في بيان له: “تم تصميم عملية الردع الثابت 2026 لمحاكاة التعقيدات في القطب الشمالي والشمال الأقصى، ودمج الخطط الواقعية وتقنيات المحاكاة المتطورة ومنصات القتال المدعومة بالذكاء الاصطناعي”.
تتنوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي عسكريًا
تتنوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي عسكريًا، وتشمل أربعة أنواع رئيسية: التوليدي، والتصنيفي، والتنبؤي، وأنظمة الاستقلالية. ففي مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، يمكن استخدام النماذج في إعداد التقارير، والتدريب عبر المحاكاة، وتحسين واقعية السيناريوهات العسكرية، لكنها في المقابل تمثل أداة خطيرة لنشر التضليل الإعلامي والتلاعب بالإدراك العام.
أما نماذج التصنيف، فتستخدم في تحليل الصور والبيانات لتحديد الأهداف والتمييز بين الإشارات والضوضاء في بيئات معقدة، خاصة في الحرب الإلكترونية. وتلعب دورًا محوريًا في أنظمة الإنذار المبكر والاستطلاع. بينما تتيح نماذج التنبؤ تحليل البيانات التاريخية والآنية لتقديم دعم متقدم لصنع القرار، بما في ذلك إدارة المعارك، والتنبؤ بالتهديدات، وتحسين الإمداد والخدمات اللوجستية.
في المقابل، تمثل أنظمة الاستقلالية تطورًا نوعيًا، إذ تتيح للأنظمة العسكرية اتخاذ قرارات وتنفيذ مهام ميدانية بشكل شبه مستقل. ويشمل ذلك الطائرات المسيّرة والمركبات ذاتية التشغيل، التي يمكنها العمل في بيئات معقدة حتى في ظل انقطاع الاتصالات أو التشويش على أنظمة الملاحة.
الانتقال نحو “الحرب الخوارزمية”
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى الانتقال نحو “الحرب الخوارزمية”، حيث تصبح العمليات العسكرية قائمة على أنظمة ذكية قادرة على جمع البيانات وتحليلها واتخاذ القرار بسرعة تفوق القدرات البشرية. ويؤدي ذلك إلى تقليص الزمن بين اكتشاف الهدف وتنفيذ الضربة، مما يطرح تحديات جديدة في التحكم بالتصعيد.
يعتمد الذكاء الاصطناعي العسكري على ما يُعرف بـ”ثالوث الذكاء الاصطناعي”: البيانات، والخوارزميات، وقوة الحوسبة. وتمثل هذه العناصر مجتمعة أساس عمل الأنظمة الذكية، لكنها في الوقت ذاته تشكل نقاط ضعف يمكن استهدافها. فالبيانات قد تتعرض للتسميم أو التلاعب، والخوارزميات قد تُخترق أو تُسرق، بينما تعتمد الحوسبة على بنية مادية يمكن تعطيلها أو استهدافها.
تتعدد أساليب الهجوم على هذه المنظومة، وتشمل العمليات السيبرانية التي تستهدف البيانات والبنية الرقمية، والهجمات الحركية التي تستهدف البنية التحتية، والحرب الإلكترونية التي تعتمد على التشويش والتزييف، إضافة إلى أسلحة الطاقة الموجهة مثل الليزر والموجات الكهرومغناطيسية. كما يٌطرح سيناريو استخدام أسلحة نووية لإنتاج نبضات كهرومغناطيسية لتعطيل الأنظمة الإلكترونية، وهو خيار شديد الخطورة والتصعيد.


