جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تشهد العلاقات عبر الأطلسي مرحلة من إعادة التقييم في ظل التغيرات المتسارعة في الدور العسكري الأمريكي داخل أوروبا، وما يرافقها من ضغوط متزايدة على حلف الناتو. تثير الخطط المحتملة لتقليص الوجود العسكري الأمريكي المخاوف حول مستقبل الردع الجماعي وقدرة الحلفاء الأوروبيين على سد الفجوة الدفاعية.
الانسحاب الأمريكي وتقييد قدرة الناتو على تنفيذ ضربات بعيدة المدى
تخطط الولايات المتحدة لخفض تزويد حلفائها الأوروبيين بالمعدات العسكرية، في خطوة تشير إلى عزم إدارة ترامب على تقليص التزامها تجاه حلف الناتو، وفق ما أفادت به تقارير. فهناك أربعة مجالات رئيسية تسعى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى تقليص وجودها فيها داخل أوروبا.
قد تؤدي هذه التخفيضات إلى تقييد قدرة الناتو على تنفيذ ضربات بعيدة المدى وعمليات مراقبة في وقت تتصاعد فيه التوترات والتهديدات من روسيا. إلا أن روجر هيلتون، الباحث في شؤون الدفاع لدى مركز “غلوبسيك” في فيينا، أكد إن إعادة تموضع القوات الأمريكية تدريجيًا “ليست جديدة ولا مفاجئة”.
ما الذي قد يتم تقليصه؟
ذكرت “نيويورك تايمز” أنها اطلعت على أجزاء من وثيقة هذا الشهر توضح كيفية تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، عبر تقليص وجود القوات الجوية في عدة مجالات رئيسية. وأفاد مسؤولون أوروبيون للصحيفة بأن الخطط، التي لم تُعلن رسميًا بعد، قد تُنفذ بوتيرة أسرع مما كانت تتوقعه الدول الحليفة. وتشمل مجالات التقليص الأربعة:
خفض عدد مقاتلات F-16 وF-15E من نحو 150 إلى 100 طائرة.
تقليص عدد طائرات الاستطلاع البحري من 26 إلى 15 طائرة.
سحب جميع طائرات التزويد بالوقود الجوي وعددها 8 طائرات كانت متاحة لأوروبا.
إعادة توزيع غواصة قادرة على إطلاق صواريخ وحاملة طائرات، إلى جانب سفن حربية وطائرات مرافقة.
يقول جوزيبي سباتافورا من معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية إن كل إجراء على حدة يمكن التعامل معه، لكن مجتمعة قد “تشكل تحديات لجاهزية الردع الأوروبية”. وأضاف هيلتون أن هذا التحول الأمريكي قد يبدو مقلقًا، لكنه “ليس انسحابًا مفاجئًا بل جزءًا من إعادة تكيّف مستمرة داخل الناتو”. وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر في الناتو وتعتمد على أوروبا في القواعد والوصول وقدرات الانتشار.
تحذيرات ترامب السابقة لأوروبا
تمتلك الولايات المتحدة نحو 80 ألف جندي متمركزين في أوروبا، لكن إدارة ترامب تعيد توجيه اهتمامها نحو مواجهة نفوذ الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بينما تشغلها الحرب مع إيران في الشرق الأوسط. وقد اتهم الرئيس دونالد ترامب الحكومات الأوروبية مرارًا بعدم إنفاق ما يكفي على الدفاع واعتمادها الزائد على الحماية الأمريكية، داعيًا إلى رفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتصاعد الجدل داخل الناتو بعد استقالة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الذي اتهم رئيس الوزراء كير ستارمر بعدم دعم زيادة التمويل الدفاعي. كما استقال لاحقًا أَل كارنس من منصبه كوزير للقوات المسلحة. كما سبق لترامب أن أعلن خفض 5 آلاف جندي أمريكي في ألمانيا، في ظل توترات سياسية مع برلين، إضافة إلى وقف تناوب أكثر من 4 آلاف جندي متجهين إلى بولندا.
وفي مايو من العام 2026، أشارت تقارير إلى خطط أمريكية لتقليص القدرات العسكرية المخصصة للحلفاء في أوقات الأزمات، ضمن مراجعة نموذج قوات الناتو قبل قمة مرتقبة في تركيا في يوليو من العام 2026.
الأوروبيون يعتمدون أقل على الولايات المتحدة
أظهر استطلاع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) أن الأوروبيين يميلون بشكل متزايد إلى “الاستقلال الاستراتيجي” في الأمن والدفاع، مع تراجع الثقة بالولايات المتحدة كحليف موثوق. وأظهر الاستطلاع، الذي شمل نحو 19,481 شخصًا في 15 دولة أوروبية، أن 11% فقط يرون إدارة ترامب “حليفًا”، مقارنة بـ16% قبل ستة أشهر و22% في نوفمبر 2024.
كما أبدى المشاركون في معظم الدول رغبة في تقليل الاعتماد على المعدات العسكرية الأمريكية، خصوصًا في الدنمارك وهولندا والسويد والبرتغال وفرنسا.
يرى بعض المشاركين أن التحالف عبر الأطلسي قد يتعافى بعد انتهاء ولاية ترامب، لكن هناك “طلبًا واسعًا من الاتحاد الأوروبي لتبني سياسة استقلال استراتيجي في مجال الدفاع”، بحسب بيان صادر عن المجلس.
وقال هيلتون إن الحلفاء الأوروبيين يستعدون بالفعل لتحمل مسؤوليات أكبر عبر زيادة الإنفاق الدفاعي وتوسيع الإنتاج العسكري والاستثمار في الدفاع الجوي والذخائر والتنقل العسكري. وأضاف: “أوروبا تتولى دورًا أكبر في أمنها، مع بقائها جزءًا راسخًا من الناتو”.


