جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تسود حالة من الترقب داخل حلف الناتو بعد إعلان الولايات المتحدة مراجعة انتشار قواتها في أوروبا وربط مساهماتها الأمنية المستقبلية بزيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء. وبين الدعوات إلى التهدئة والمخاوف من تقليص الدور الأمريكي، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل التوازن الأمني عبر الأطلسي.
مراجعة للتموضع العسكري الأمريكي
أكد وزراء الدفاع في حلف الناتو في 18 يونيو من العام 2026 إن على أوروبا أن “تنتظر” و”تتحلى بالهدوء” بينما تجري الولايات المتحدة مراجعتها لتموضع قواتها العسكرية، إذ لا تزال هناك أسئلة كثيرة دون إجابات.
كان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قد أبلغ حلفاء الناتو بأن مراجعة للتموضع العسكري الأمريكي في أوروبا ستُجرى خلال العام 2026، محذرًا من أن مساهمات واشنطن المستقبلية في أمن أوروبا ستعتمد على ما إذا كان الحلفاء سيزيدون إنفاقهم الدفاعي. يُعد هذا الإعلان أحدث حلقة في سلسلة من القرارات التي بدت وكأنها فاجأت الأوروبيين، بما في ذلك قرار سحب قوات أمريكية من ألمانيا، وإلغاء انتشار مخطط له في بولندا، ثم إرسال قوات إضافية إلى بولندا، وأخيرًا تقليص مساهمة الولايات المتحدة في “نموذج القوات” التابع للحلف، الذي يحدد القوات والقدرات المتاحة للدفاع عن الحلف في أوقات الأزمات.
ترحيب ألماني بالإعلان الأمريكي
أوضح مسؤول رفيع في الناتو، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الإعلان منح الحلفاء قدرًا أكبر من الوضوح. وقال المسؤول: “إعلان هذه المراجعة يوفر وضوحًا وإطارًا زمنيًا. ففي حين كنا نتلقى سابقًا رسائل مفاجئة فقط، أصبح لدينا الآن مسار واضح للعمل عليه”. ورحب وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بالإعلان الأمريكي، مشيرًا إلى أنه كان قد طلب تحديد جداول زمنية أوضح. وتابع وزير الدفاع الألماني : “الأمر يتعلق بخارطة طريق. ويتعلق بطريقة منسقة ومتزامنة لتنفيذ ذلك”.
هولندا: من المبكر جدًا تقييم تداعيات الإعلان الأمريكي
لكن وزيرة الدفاع الهولندية ديلان يشيلغوز زيغيريوس قالت بعد وقت قصير من إعلان هيغسيث إنه من المبكر جدًا تقييم تداعيات المراجعة، وحثت الحلفاء على عدم التسرع في استخلاص الاستنتاجات. وأجابت زيغيريوس عندما سُئلت عما إذا كان ينبغي النظر إلى المراجعة بشكل إيجابي أم سلبي: “علينا أن نرى، لأنه تم الإعلان عنها للتو، وليس لدي أي فكرة عما ستعنيه أو ما نوع هذه المراجعة”.
أضافت: “مع كل إعلان جديد، من المهم جدًا الحفاظ على هدوء الأعصاب والتفكير بعقل بارد. ففي النهاية، سنحتاج إلى بعضنا البعض. الولايات المتحدة ستحتاج إلى أوروبا، وأوروبا ستحتاج إلى الولايات المتحدة وكندا. وداخل الناتو، نحن بحاجة إلى بعضنا البعض”.وأشارت إلى أنه من “الصحي جدًا” أن يسعى الأوروبيون إلى أن يصبحوا شركاء “متكافئين قدر الإمكان” داخل الحلف.
إيطاليا: خفض للقوات الأمريكية ينبغي أن يتم تدريجيًا
كما دعا وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو إلى التحلي بالصبر، وقال: “دعونا ننتظر هذه المراجعة والمقترحات التي ستليها، وعندها أعتقد أنه سيكون من الممكن لحلفاء الحلف مناقشة هذه المراجعة”.
وردد كروسيتو تصريحات بيستوريوس التي شددت على أن أي خفض للقوات الأمريكية ينبغي أن يتم تدريجيًا، وفقط عندما تصبح الجيوش الأوروبية قادرة على سد الفجوة. وقال: “أعتقد أنه مسار عقلاني. ففي النهاية، الناتو ليس ناديًا للقراءة، بل هو تحالف عسكري دفاعي. وعلى المشاركين في هذا التحالف أن يدركوا أنهم يجب أن يشاركوا بثقل متساو”.
تنامي القلق من الرسائل الأمريكية
أوضح مسؤول آخر في الناتو ليوراكتيف إن مراجعة التموضع العسكري الأمريكي كانت متوقعة منذ فترة طويلة، لكن الطريقة التي أُعلن بها عنها أثارت بعض الاستياء. وأضاف: “ربط نتائج المراجعة بالتزامات الحلفاء المتعلقة بالإنفاق الدفاعي لا يروق بالتأكيد لبعض الدول”. كما قال دبلوماسي في الناتو ليوراكتيف إن هناك “مزيجًا من القلق والانزعاج والاستسلام بين المندوبين”.
أضاف: “ما إذا كان هذا المزيج سيدفع نحو مزيد من التحرك الأوروبي أو نحو مزيد من الانقسام في المناقشات المقبلة، فذلك ما سيظهر لاحقًا”. وكانت بعض الدول، مثل ألبانيا والتشيك وسلوفينيا، قد أخفقت في تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع خلال العام الماضي، بحسب ما أشار إليه الأمين العام للناتو مارك روته في وقت سابق من هذا الأسبوع.
كانت إسبانيا على خلاف مع الولايات المتحدة منذ أن تمسك رئيس الوزراء بيدرو سانشيز علنًا بنسبة 2.1% فقط للإنفاق الدفاعي، ثم رفض لاحقًا السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قواعدها الجوية في إطار الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران. لكن وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس أكدت أن مدريد تقوم بدورها. وقالت بعد خطاب هيغسيث: “نحن نفي بشكل دائم بما يُطلب منا، ونعمل ونساهم باستمرار”.
الناتو يشيد بزيادة الانفاق الدفاعي
أشاد روته بالأوروبيين والكنديين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، الذي ارتفع بمقدار إضافي بلغ 90 مليار دولار بالقيمة الحقيقية خلال العام الماضي، أي ما يعادل 139 مليار دولار بالقيمة الاسمية، مع تجاوز بعض الحلفاء بالفعل للأهداف المحددة لهم. لكن بالنسبة لمسؤول الناتو، فإن إعلان هيغسيث يهدف إلى الإبقاء على الضغط على الأوروبيين وكندا من أجل زيادة إنفاقهم الدفاعي. ومن المتوقع أن ينشر الناتو أرقامًا محدثة بشأن الإنفاق الدفاعي للحلفاء خلال العام 2025، وذلك بعد صدور التقرير السنوي للحلف لعام 2025 في مارس من العام 2026.


