جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تتزايد المخاوف في أوروبا من احتمال استخدام الطائرات المسيّرة في هجمات هجينة أو عمليات تضليل تستهدف البنية التحتية الحيوية، خصوصًا في دول البلطيق. ويأتي ذلك وسط تحذيرات ليتوانية من احتمال لجوء روسيا إلى استخدام طائرات مسيّرة أوكرانية الصنع في هجوم زائف يهدف إلى تحميل كييف المسؤولية وإرباك موقف دول الناتو تجاه الحرب في أوكرانيا. ورغم أن هذا السيناريو لا يزال في إطار التقديرات والتحذيرات، فإنه يسلط الضوء على تحدٍ أوسع يتعلق بقدرة أوروبا على حماية منشآتها الحيوية.
حذر وزير الدفاع الليتواني، روبرتاس كاوناس، من احتمال إعداد روسيا طائرة مسيّرة باستخدام أجزاء من مسيّرات أوكرانية تم اعتراضها أو تحطمت داخل الأراضي الروسية، ثم استخدامها في عملية تضليلية. وتستند هذه المخاوف، وفق الجانب الليتواني، إلى تقديرات استخباراتية بشأن احتمال استهداف بنية تحتية حيوية في منطقة البلطيق. ودفع ذلك ليتوانيا إلى تعزيز إجراءات الحماية حول منشآت الطاقة، بينها محطة كلايبيدا للغاز الطبيعي المسال، وخط الربط الكهربائي مع بولندا، ومنشآت كهربائية أخرى.
لا تنفصل هذه المخاوف عن حوادث اختراق المجال الجوي في المنطقة. فقد شهدت ليتوانيا خلال السنوات الأخيرة حوادث مرتبطة بطائرات مسيّرة، فيما خلصت السلطات خلال عام 2026 إلى أن بعض المسيّرات التي تحطمت على أراضيها كانت أوكرانية، وانحرفت عن مساراتها خلال عمليات داخل روسيا نتيجة تدخل إلكتروني روسي، وفق التقييم الليتواني. وفي المقابل، شهد العام السابق دخول مسيّرات روسية المجال الجوي الليتواني قادمة من بيلاروسيا.
وبعيدًا عن هوية الجهة التي قد تقف وراء أي هجوم محتمل، تبرز مشكلة أكثر إلحاحًا تتمثل في مستوى استعداد الدول الأوروبية لحماية بنيتها التحتية. ويرى خبير الطائرات المسيّرة روبرت غاربيت أن الحكومات الأوروبية مطالبة بتولي مسؤولية أكبر في هذا المجال، بدل ترك الحماية للمشغلين الخاصين لكل منشأة. ويستند هذا الطرح إلى تزايد رصد المسيّرات المشبوهة بالقرب من منشآت حساسة في عدد من الدول الأوروبية.
وتشير أرقام الاستطلاعات الأمنية إلى حجم التحدي؛ إذ سجلت ألمانيا أكثر من ألف مشاهدة مشبوهة للطائرات المسيّرة خلال عام 2025، بينما أبلغت المملكة المتحدة عن مئات عمليات التوغل بالقرب من منشآت عسكرية. ومع ذلك، لا تعني هذه الوقائع بالضرورة أن جميع الحالات مرتبطة بعمليات عدائية أو بجهة خارجية، وهو ما يجعل التمييز بين النشاط المدني والتهديد الأمني عنصرًا أساسيًا في أي استراتيجية دفاعية.
يطرح غاربيت تصورًا يقوم على بناء منظومة متعددة الطبقات للكشف عن الطائرات المسيّرة وتحديدها وتتبعها قبل وصولها إلى المناطق الحساسة، مع استخدام وسائل اعتراض مختلفة بحسب طبيعة التهديد. ويرى أن الأولوية ينبغي أن تمنح للمنشآت الأكثر عرضة للخطر، قبل توسيع نطاق الحماية تدريجيًا.
تكشف التطورات أن التعامل مع تهديد المسيّرات لم يعد مسألة تقنية فقط، بل أصبح قضية أمن وطني وتنسيق مؤسسي. وبينما تحتاج أوروبا إلى تطوير قدرات الرصد والاعتراض، فإن نجاحها يتطلب أيضًا تحديد المسؤوليات بوضوح، وتبادل المعلومات بين الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص، ووضع آليات استجابة توازن بين حماية البنية التحتية وتجنب تضخيم التهديدات غير المؤكدة.


