جريدة الحرة بيروت
خاص ـ أكد حلفاء الناتو في 20 أبريل 2026 التزامهم بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، محذرين من أن تصاعد التوترات وأزمات الانتشار النووي وتجدد الخطاب النووي يضع نظام عدم الانتشار العالمي تحت ضغط متزايد. “طالما أن الأسلحة النووية موجودة، سيظل حلف الناتو تحالفا نوويا”، هذا ما قاله الحلفاء في بيان مشترك، مكررين اللغة التي وردت لأول مرة في المفهوم الاستراتيجي لحلف الناتو لعام 2010.
أهمية التوقيت قبيل مؤتمر نيويورك
في وثيقة صدرت في 20 أبريل من العام 2026 قبيل انعقاد مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، المقرر انطلاقه في نيويورك في 27 أبريل من العام 2026، أكد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) على أهمية المعاهدة في كبح انتشار الأسلحة النووية. وأضافوا أن تدهور الوضع الأمني الراهن يفرض تحديات مع استمرار أزمات الانتشار النووي وتصاعدها.
يأتي هذا التأكيد في توقيت حساس، حيث تتزايد المخاوف الدولية من انهيار منظومة الحد من التسلح التي شكلت لعقود إحدى ركائز الاستقرار العالمي. وإن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، السارية منذ عام 1970 والتي تم تمديدها إلى أجل غير مسمى في عام 1995، هي حجر الزاوية في عدم انتشار الأسلحة النووية العالمية ونزع السلاح والتعاون النووي السلمي.
قد لعبت هذه المعاهدة دورا محوريا في الحد من انتشار الأسلحة النووية خارج الدول الخمس المعترف بها، كما ساهمت في تعزيز آليات الرقابة الدولية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
دعم دولي واسع ولكن بتحديات مستمرة
يحظى هذا الاتفاق بدعم 191 دولة، من بينها 186 دولة غير نووية وخمس دول معترف بها كدول نووية وهي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وروسيا وفرنسا والصين، ويتطلب مراجعة كل خمس سنوات. ولم توقع الهند وباكستان وإسرائيل على هذا الاتفاق قط، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه نظام عدم الانتشار، إذ تبقى هذه الدول خارج إطار الالتزامات القانونية للمعاهدة رغم امتلاكها قدرات نووية.
رغم هذا الدعم الواسع، إلا أن التحديات التي تواجه المعاهدة تتزايد، سواء من حيث التوترات الجيوسياسية أو التطورات التكنولوجية التي قد تسهم في تسهيل انتشار القدرات النووية. كما أن الخلافات بين الدول الكبرى حول آليات نزع السلاح تعيق تحقيق تقدم ملموس في هذا المجال.
حرب إيران وتأثيرها على الانتشار النووي
يأتي مؤتمر نيويورك بشأن الانتشار النووي في وقت تشهد فيه واشنطن وطهران مواجهة، بعد مرور شهرين تقريبا على صراع شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، وتم تبريره بأنه محاولة لمنع إيران من تطوير ترسانتها النووية الخاصة. ويعكس هذا السياق مدى تعقيد المشهد الدولي، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية، مما يزيد من صعوبة التوصل إلى توافقات دولية.
إلا أن بيان 20 أبريل 2026 لم يذكر إيران، بل أشار بدلا من ذلك إلى روسيا، المتهمة بـ “انتهاك التزامات حاسمة بشأن الحد من التسلح واستخدام خطاب نووي تهديدي غير مسؤول”، وإلى الصين لاستمرارها في “توسيع وتنويع ترسانتها النووية بسرعة دون شفافية”. ويعكس هذا التركيز على روسيا والصين تصاعد القلق داخل الناتو من التحولات في ميزان القوى النووية العالمية.
روسيا والصين في قلب المخاوف الغربية
تشكل روسيا أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة لدول الناتو، خاصة في ظل الاتهامات بانتهاك اتفاقيات الحد من التسلح واستخدام خطاب نووي تصعيدي. وقد أدى تدهور العلاقات بين موسكو والغرب إلى تقويض العديد من الأطر التعاونية التي كانت قائمة خلال العقود الماضية، بما في ذلك اتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية.
أما الصين، فقد أصبحت بدورها محورا رئيسيا في النقاشات المتعلقة بالانتشار النووي، نظرا لوتيرة التحديث السريعة لترسانتها النووية. وتؤكد تقارير غربية أن بكين تسعى إلى تعزيز قدراتها النووية بشكل كبير، سواء من حيث عدد الرؤوس النووية أو وسائل إيصالها، دون تقديم مستوى كاف من الشفافية بشأن نواياها الاستراتيجية.
دور الناتو بين الردع والدبلوماسية
في ظل هذه التطورات، يبدو أن نظام عدم الانتشار النووي يواجه اختبارا حقيقيا لقدراته على الصمود. فبينما تواصل الدول غير النووية المطالبة بتقدم ملموس في نزع السلاح من قبل الدول النووية، ترى هذه الأخيرة أن البيئة الأمنية الحالية لا تسمح بخفض ترساناتها بشكل كبير.
كما أن تراجع الثقة بين القوى الكبرى يعرقل جهود التفاوض، ويزيد من احتمالات سباق تسلح جديد. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا الوضع إلى تقويض مصداقية المعاهدة، خاصة إذا استمرت الانتهاكات أو غابت آليات المحاسبة الفعالة.
يؤكد الناتو في بيانه على استمرار اعتماده على الردع النووي كجزء من استراتيجيته الدفاعية، وهو ما يعكس إدراكه للتحديات الأمنية المتزايدة. وفي الوقت نفسه، يشدد الحلف على أهمية الدبلوماسية والالتزام بالمعاهدات الدولية كوسيلة للحد من المخاطر النووية.
ويحاول الناتو الموازنة بين هذين المسارين، حيث يسعى إلى الحفاظ على قدراته الردعية من جهة، ودعم الجهود الدولية لنزع السلاح وعدم الانتشار من جهة أخرى. إلا أن هذه الموازنة تبدو معقدة في ظل التوترات الحالية.


