الأكثر قراءة

الناتو يقرّ معادلات استراتيجية جديدة في أنقرة

جريدة الحرة بيروت

بقلم : نبيل شحاده مدونة الكاتب نبيل شحاده

اختتمت قمة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أعمالها في العاصمة التركية أنقرة، بعد يومين من المداولات المكثفة التي انعقدت في ظل مشهد إقليمي ودولي مضطرب، وتحديات معقدة تهدد التماسك الداخلي للحلف نفسه. وكشفت مجريات ونقاشات القمة عن نمط جديد من المداولات السياسية وطريقة إعادة ترتيب الملفات المهمة، في مشهد هيمن عليه الحضور الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترامب وتناغمه الواضح مع طموحات البلد المضيف، تركيا، ما قد يفتح آفاقاً جديدة للتحالفات العسكرية والأدوار الاستراتيجية للحلف في المنطقة.

وعلى عكس التوقعات المتشائمة التي كانت سائدة قبل القمة، اتسمت اللهجة الختامية بفيض من التفاؤل والارتياح؛ إذ سارع ترامب إلى وصف القمة بأنها ناجحة للغاية وشهدت وحدة هائلة بين الحلفاء، مؤكداً في مؤتمره الصحفي الختامي أن القادة قضوا وقتاً رائعاً وحققوا نجاحاً كبيراً فاق التقديرات الأولية. ولم يقلّ التقييم التركي حماسة عن نظيره الأميركي، حيث وصف الرئيس المضيف رجب طيب أردوغان هذه الاجتماعات بأنها تاريخية، مما يعكس حجم المكاسب السياسية التي استطاعت أنقرة انتزاعها من الحلف، وإعادة تموضعها كلاعب اساسي لا يمكن تجاوز دوره في المنظومة الدفاعية الغربية.

كما شهدت القمة تحولاً جذرياً في قواعد الاشتباك الدبلوماسي والعسكري تجاه الشرق الأوسط، حيث أعلن الرئيس ترامب بوضوح أن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران قد انتهت تماماً، وهذا ما يفتح الباب أمام الضربات الأميركية في الداخل الإيراني، ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من التصعيد والضغط الشامل. وفي الإطار نفسه، جاءت المفاجأة الأكبر من أروقة الحلف عبر تصريح لافت للأمين العام للناتو مارك روته، الذي أكد أن الحلف على استعداد دائم للقيام بدور فاعل، داعياً إلى ترقب ما ستسفر عنه الأيام والأسابيع القادمة؛ وهو موقف حمل في طياته تلميحاً جوهرياً غير مسبوق يشير إلى إمكانية انخراط الأطلسي في الأعمال العسكرية المحتملة ضد أهداف إيرانية، وهذه خطوة استراتيجية حظيت بترحيب وإشادة واضحة من ترامب الذي يرى في هذا التصريح استجابة لرؤيته حول ضرورة حشد الحلفاء خلف التوجهات الأمنية الأميركية.

أما على صعيد العلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة، فقد حققت الدبلوماسية التركية إنجازاً استراتيجياً وتاريخياً كبيراً، تمثل في إعلان الرئيس ترامب عن استعداد الولايات المتحدة لرفع العقوبات الاقتصادية والعسكرية المفروضة على تركيا. ويمهد هذا القرار الجريء الطريق مجدداً أمام إمكانية بيع وتسليم مقاتلات الجيل الخامس المتطورة من طراز إف-35 لتركيا، وهو أمر بالغ الأهمية، نظراً إلى أنه تخطّى الاعتراضات والتحفظات الإسرائيلية الشديدة. هذه الخطوة أكدت أن إدارة ترامب تضع أولوية قصوى لترسيخ التحالف مع تركيا وضمان بقائها جدار صد منيعاً في الجهة الشرقية للحلف.

ولم يكن الملف الأوكراني بعيداً عن هذه التحولات الكبرى؛ فمع دخول الحرب عامها الخامس، أبدى الرئيس الأميركي تحولاً إيجابياً ملموساً تجاه القيادة الأوكرانية، حيث أشاد بالرئيس فولوديمير زيلينسكي مؤكداً أنه قام بعمل مذهل وكان فعالاً للغاية في إدارة دفة المواجهة العسكرية. وترجم قادة الناتو هذا الثناء إلى خطوات عملية ملموسة عبر الاتفاق على حزمة دعم عسكري وأمني ضخمة بقيمة ثمانين مليار دولار مخصصة للعام الحالي وتمتد حتى عام 2027. وفي خطوة وصفت بأنها نقلة نوعية في مسار الصراع، منح ترامب أوكرانيا ترخيصاً رسمياً لتصنيع أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة باتريوت محلياً، وهو إنجاز حيوي واستراتيجي يمنح كييف التكنولوجيا المتطورة التي تحتاجها بشدة لصد الهجمات الصاروخية الروسية المتواصلة وتأمين أجوائها بشكل دائم ومستقل.

ولم تخلُ القمة من مواقف جانبية حافلة بالإثارة السياسية المعهودة في أجندة ترامب، فعاد الرئيس الأميركي للتأكيد على رؤيته السابقة بضرورة سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة جرينلاند، وهو الطرح الذي استوعبته كواليس القمة بهدف عدم إحداث أزمات دبلوماسية في ظل الرغبة العارمة في الحفاظ على وحدة الصف وتجنب أي انقسام علني.

باختصار، رسمت قمة أنقرة ملامح مرحلة جديدة من تاريخ حلف شمال الأطلسي، حيث تلاقت الصفقات التبادلية الكبرى مع الضرورات الأمنية الملحة، لتخرج القمة بتموضع واضح يعزز من قوة الحلف على الساحة العالمية، ويضخ دماء جديدة في شرايين تحالفاته الدفاعية من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط.

https://hura7.com/?p=81390

الأكثر قراءة