جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تشهد العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي حلف شمال الأطلسي توترًا متصاعدًا على خلفية قرارات أمريكية تتعلق بإعادة تموضع قواتها في أوروبا، شملت استعدادات لسحب آلاف الجنود من ألمانيا وإلغاء نشر قوات بديلة في بولندا.
وتأتي هذه التطورات في سياق خلافات سياسية بين واشنطن وبرلين، ما أثار تساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا. وبينما يؤكد الناتو أن التأثير محدود، تتزايد المخاوف الأوروبية بشأن توازن الردع في الجناح الشرقي للحلف.
تصاعد الخلاف بين واشنطن وبرلين
أكد مسؤول عسكري رفيع المستوى في حلف شمال الأطلسي: “أن قوات التعزيز لا تدخل ضمن خطط الردع والدفاع الخاصة بالحلف”، وذلك في ظل تطورات متسارعة تتعلق بإعادة تموضع القوات الأمريكية داخل أوروبا، بعد قرار واشنطن سحب 5000 جندي من ألمانيا”.
وقد ألغت الولايات المتحدة نشر 4000 جندي في بولندا ضمن خطة أوسع لوزارة الدفاع الأمريكية لسحب القوات من ألمانيا. يأتي ذلك بعد إعلان الإدارة الأمريكية سحب قواتها وسط تصاعد الخلاف بين واشنطن وبرلين، على خلفية تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي وصف الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران بأنها سيئة التخطيط، مشيرًا كذلك إلى أن البيت الأبيض تعرض لـ”الإهانة” من طهران.
ورد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بغضب على هذه التصريحات، ونشر رسائل هاجم فيها المستشار الألماني، مطالبًا إياه بالتركيز على “إصلاح بلاده المنهارة” بدلًا من “التدخل” في المفاوضات مع إيران.
التأثير العسكري الإجمالي لسحب القوات “محدود”
أعلن البنتاغون أن واشنطن ستسحب ما لا يقل عن 5000 جندي أمريكي من القواعد العسكرية في ألمانيا خلال فترة تتراوح بين ستة إلى تسعة أشهر. إلا أنه تم الكشف عن إلغاء القوة الدورية التي كانت تضم 4000 جندي، والتي كان من المقرر أن تحل محل القوات بعد انتشارها في بولندا، رغم أن التجهيزات العسكرية كانت قد بدأت بالفعل، بما في ذلك مراسم “طي العلم” في فورت هود بولاية تكساس.
شدد مسؤولون في الناتو على أن التأثير العسكري الإجمالي لهذه الخطوة “محدود”، مؤكدين أن القوات المتناوبة لا تُدرج رسميًا ضمن خطط الردع والدفاع الخاصة بالحلف. وقال مسؤول عسكري كبير في الناتو إن قوات التعزيز “لا تدخل في خطط الردع والدفاع”، مضيفًا أن الحلف “سيواصل الحفاظ على وجود قوي على جناحه الشرقي”.
الناتو، “الوجود الأمريكي في أوروبا لا يزال واسعًا”
من المتوقع أن يثير القرار خيبة أمل في بولندا، التي كانت تأمل في إعادة نشر بعض القوات المسحوبة من ألمانيا على أراضيها، باعتبارها دولة محورية في الجناح الشرقي للحلف في مواجهة روسيا. من جانبه، رفض الأمين العام للناتو مارك روته الإجابة المباشرة حول القضية خلال مؤتمر صحفي في بوخارست، مكتفيًا بالتأكيد على أن “الوجود الأمريكي في أوروبا لا يزال واسعًا وضخمًا”.
يقول الرئيس البولندي كارول ناووركي إن بلاده “مستعدة” لاستقبال القوات الأمريكية إذا تقرر نقلها من ألمانيا، بينما حاول نائب رئيس الوزراء البولندي فلاديسلاف كوسينياك-كاميش التقليل من أهمية الخطوة، معتبرًا أنها جزء من “تغيير معلن سابقًا في وجود القوات الأمريكية بأوروبا”، ومؤكدًا أن “القدرات المتطورة للقوات البولندية والوجود الأمريكي يعززان الجناح الشرقي للحلف”.
استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الانتشار الأمريكي
تشير مصادر داخل الناتو إلى أن الحكومة البولندية أُبلغت بالقرار، في وقت يتوقع فيه الحلفاء الأوروبيون تراجعًا تدريجيًا في عدد القوات الأمريكية منذ عودة ترامب إلى السلطة، مع بدء مراجعة شاملة لانتشار القوات الأمريكية عالميًا من قبل البنتاغون والبيت الأبيض. أفادت مصادر الناتو بأنه قد يتم سحب 1000 جندي إضافي من ألمانيا، للوصول إلى إجمالي 5000 جندي الذي أعلنه ترامب سابقًا، ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي داخل أوروبا.
تداعيات الغموض حول الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
حذر المفتش العام للقوات المسلحة الألمانية، كارستن بروير، من احتمال إقدام روسيا على اختبار عسكري ضد حلف شمال الأطلسي “الناتو” بحلول عام 2029 على أقصى تقدير، مشيرًا إلى أن المؤشرات العسكرية والسياسية والاقتصادية الحالية تدفع نحو هذا السيناريو. وقال بروير، في مقابلة مشتركة مع نظيره البريطاني المارشال الجوي السير ريتشارد نايتون، نشرتها صحيفة زود دويتشه تسايتونغ، إن “إعادة التسلح، وزيادة عدد الأفراد، والتطورات الاقتصادية والسياسية، كلها تتلاقى عند نقطة واحدة هي عام 2029″، مضيفًا: “هل يمكن أن يحدث ذلك قبل ذلك؟ نعم”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه المخاوف الأوروبية من تداعيات الرسائل المتضاربة الصادرة عن واشنطن، إلى جانب الحديث المتكرر عن إعادة تموضع القوات الأمريكية في أوروبا. وفي هذا السياق، شدد القائدان العسكريان على أهمية الحفاظ على وحدة حلف الناتو، حيث قال بروير: “مشكلتنا تكمن في موسكو لا في أي مكان آخر”. وأكد المسؤول العسكري الألماني أن بلاده بحاجة عاجلة إلى ما وصفه بـ”القدرة القتالية الفورية”، أي امتلاك قوات مسلحة جاهزة للانتشار والتدخل بشكل سريع في حال وقوع أي تهديد أمني.
وفي موازاة ذلك، تتجه ألمانيا والمملكة المتحدة نحو تعزيز تعاونهما الدفاعي بصورة متسارعة، بعد توقيع ما يعرف بـاتفاقية ترينيتي هاوس في أكتوبر 2024، والتي تنص على توسيع التعاون في مجالات الردع والتأهب العسكري والتسلح. وأوضح بروير ونايتون أن القوات المسلحة في البلدين باتت قادرة بالفعل على تنفيذ عمليات قتالية مشتركة، مستشهدين بعمليات المراقبة الجوية المشتركة في دول البلطيق، إضافةً إلى التعاون القائم داخل القوات البحرية التابعة لحلف الناتو.
وفي ما يتعلق بالنقاش الأوروبي حول إنشاء قوة ردع نووية أوروبية بمشاركة ألمانية، أبدى بروير تحفظًا حيال الدعوات المطروحة، معتبرًا أنه “لا حاجة إلى هياكل عسكرية جديدة في البداية”. وفي المقابل، أكد نايتون أن القوة النووية البريطانية ستظل مندمجة بالكامل ضمن منظومة حلف الناتو.
كما كشف بروير عن شكوك متزايدة بشأن تنفيذ خطة نشر كتيبة مدفعية أمريكية بعيدة المدى في ألمانيا، وهي الخطة التي طُرحت خلال إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن. وقال إن هذه القضية “ذات طابع استراتيجي”، موضحًا أن الحكومة الألمانية تدرس حاليًا “حلولًا مؤقتة” لتعزيز قدراتها الهجومية والدفاعية بعيدة المدى. وكان من المقرر أن تمثل الصواريخ الأمريكية حلًا انتقاليًا إلى حين تطوير ألمانيا لقدراتها العسكرية الذاتية في هذا المجال. إلا أن بروير أشار إلى أن برلين تبحث الآن إمكان شراء أنظمة جاهزة ومتوفرة بالفعل.
وفي هذا الإطار، كشف المسؤول العسكري الألماني أنه زار وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” لبحث هذه الخيارات، فيما يستعد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس لزيارة واشنطن نهاية مايو 2026، لمواصلة المباحثات المتعلقة بشراء صواريخ “توماهوك” المجنحة.


