الأكثر قراءة

النصر الحقيقي يكمن في كسب الفرص، لا في الصمود

مو حيدر

 

جريدة الحرة ـ بيروت

مأساة الشرق الأوسط ليست فقط في ما حدث، بل في ما لم يُمنح الفرصة ليحدث.

كان بإمكان إيران، بكل إرثها الحضاري وإمكاناتها الجيوسياسية، أن تتجاوز عيش “الصمود” لتمنح شبابها مستقبلًا أفضل. أن تكون بانية للمستقبل لا راعية للصراع. وكان بإمكان العالم العربي، الذي يتغنّى نظريًا بالقضية الفلسطينية، أن يكون ملاذًا ورافعة لكرامة الفلسطينيين بدل أن يتجمّد معهم في الزمن.

لكننا نرى منطقة لا تلاحقها الحروب فحسب، بل تُثقِلها الفرص الضائعة، والعقول المعطّلة، والمبادرات التي لم تُولد.

ماذا لو قادت إيران بالأمل؟

بعد ثورة عام 1979، وقفت إيران أمام مفترق طرقٍ تاريخي. كان بوسعها أن تختار درب القيادة الإقليمية عبر التعليم والتنمية والدبلوماسية الذكية، وأن تبتعد عن سباق التسلح النووي الذي كلفها أكثر بكثير مما وعد به، وعرّض شعبها لعقود من العقوبات والعزلة. لكنها اختارت طريق التصعيد، فدفعت أثمانًا باهظة: اقتصاد منهك، وشعب يرزح تحت وطأة العقوبات، ومليارات أُنفقت على السلاح والميليشيات بدلًا من الجامعات والبنية التحتية. بينما كانت اقتصادات منافسة تزدهر وتبتكر، غرقت إيران في دوامة استنزاف ذاتي.

وفي موازاة هذه السياسات، تُرك أولئك الذين وُصفوا بأنهم “محور النضال” – أي الفلسطينيون – ليواجهوا حياة من البؤس، بلا أفق. ففي لبنان، يُحرم الفلسطيني من أبسط حقوق العمل والملكية، ويعيش في مخيمات منسية، جيلًا بعد جيل. أما في غزة، فالأطفال محاصرون بلا ماء نظيف، بلا كهرباء، بلا إنترنت، ويُقال لهم إن ذلك هو “ثمن المقاومة”. وفي سائر الدول العربية، استُخدم الفلسطيني كرمز في الخطاب السياسي، لكن نُسيت إنسانيته على الأرض.

أي عار أكبر من أن نرفع شعارات “الحرية”، بينما يعيش الملايين في اليأس أمام أعيننا؟ ماذا لو سلكنا مسارًا مختلفًا؟ ماذا كان يمكن أن يحدث؟

تخيل لو أن إيران ومعها الدول العربية قرّرت أن تستثمر في تحويل مخيمات اللجوء إلى جامعات ومراكز أبحاث تنافس جامعات العالم. تخيل لو أن الدعم المادي وُجّه نحو بناء مدارس ومشافٍ حديثة في غزة وبيروت، بدل أن يُصرف بشروط سياسية أو عسكرية. لو أُنشئت معاهد للفنون ومراكز تكنولوجيا ومبادرات للإسكان الحضري، ولو طُلق مشروع إقليمي يهدف إلى إنهاء اللجوء، لا من خلال السلاح، بل عبر القانون والرحمة والاستثمار الذكي.

في عام 2023، كان يمكن لإيران أن تصبح اقتصادًا بقيمة تريليون دولار. المشكلة اليوم ليست أن إسرائيل سبقت إيران، بل أن إيران سبقت نفسها الممكنة. فإيران اليوم تملك اقتصادًا يبلغ حوالي 405 مليار دولار، بينما كانت قادرة – لو اختارت طريق التنمية – على تجاوز حاجز التريليون. بدل أن تسعى إلى التفوق على إسرائيل، تفوقت نسختها الحالية على تلك النسخة الإيرانية التي كان يمكن أن تكون.

وكان يمكن لبيروت أن تعود عاصمة ثقافية ومالية مزدهرة في المشرق، وأن تتحول غزة إلى وادٍ للتكنولوجيا – “وادي سيليكون عربي” – بدل أن تبقى عنوانًا دائمًا للحصار والبؤس.

أما أطفال فلسطين، فهم لا يحلمون بالموت، ولا يرغبون بالمخيمات، ولا بأن يُستخدموا شعارات في نشرات الأخبار. إنهم يريدون كتبًا لا رصاصًا، تأشيرات سفر لا حواجز، مستقبلًا لا جنائز. إنهم يريدون أن يصبحوا مهندسين، معلمين، أطباء، فنانين، مبرمجين… لا مجرد “قضية”.

السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: ماذا لو قادت إيران بالأمل بدلًا من الخوف؟ وماذا لو ترجم العرب شعاراتهم إلى مدارس ومنازل وجوازات سفر لكل طفل لاجئ؟

إن العار ليس في وجود الأعداء. العار الحقيقي هو أننا، باسمهم، تخلّينا عن حياتنا… وعن حياتهم.

https://hura7.com/?p=59390

الأكثر قراءة