جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
بدأت الأزمة النفطية التي يمكن اعتبارها بداية ما يعرف بـ “الحرب الباردة النفطية” في السبعينيات، عندما أدى رد الفعل على المناقصات النفطية إلى تثبيت السعر النهائي للخام، وهو ما أسس دورة كاملة في أسواق الطاقة العالمية. منذ ذلك الحين، شهدت هذه الأسواق تحولات كبيرة، ووصلنا اليوم إلى واقع جديد تتنافس فيه التحالفات الدولية والإقليمية لتحقيق أفضل الفرص للأفراد والدول على حد سواء. وفي روسيا، تظل هذه الفرص متاحة لكل من يسعى للتعاون والمشاركة في هذا السوق الحيوي.
وفي هذا السياق، يشدد تيري لين كارل (1997) في كتابه “مفارقة الوفرة: طفرة النفط والدول النفطية[1]“، على أن الدول الغنية بالنفط غالبًا ما تواجه تحديات سياسية واقتصادية رغم ثروتها الطبيعية، إذ يمكن للنفط أن يولد اعتمادًا مفرطًا على الإيرادات النفطية ويضعف التنوع الاقتصادي. كما أن طفرة أسعار النفط تمنح الدول النفطية قوة مالية كبيرة، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى إدارة غير فعالة للموارد، وتأجيج الصراعات الداخلية، وزيادة معدلات الفساد.
ويضيف كارل أن الطفرة النفطية لا تؤثر فقط على الاقتصاد الداخلي، بل تمتد إلى العلاقات الدولية والسياسات الخارجية، حيث تسعى الدول المستهلكة إلى تأمين النفط بأسعار مستقرة، في حين تستخدم الدول المنتجة النفط كأداة ضغط سياسي واستراتيجي. بالنسبة لروسيا (وسابقًا الاتحاد السوفيايتي)، يشير كارل إلى أن الاعتماد على النفط والغاز لعب دورًا مركزيًا في تشكيل سياساتها الاقتصادية والدولية، وخلق فرصًا لتعزيز نفوذها على المستوى العالمي، رغم التحديات الاقتصادية الداخلية.
في ظل أزمة مضيق هرمز وانسحاب الإمارات من مجموعة أوبك+، أشارت تقارير منظمة أوبك إلى أن إنتاج النفط الروسي ومكانته في السوق العالمية[2] أصبحا أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى. وقد أدى هذا التغير في ديناميكيات السوق إلى ارتفاع سعر خام برنت ليقترب من مستويات لم تشهدها الأسواق منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، حيث يمكن أن يصل السعر نفسيًا إلى نحو 140 دولارًا للبرميل، مع شحنات محددة قد تتجاوز 160 دولارًا.
هذا الارتفاع لا يعكس مجرد توازن أساسي بين العرض والطلب، بل يعكس منطقًا اقتصاديًا جديدًا يقوم على المرونة والتقلبات الحادة، يمكن مقارنته بأسواق العملات الرقمية مثل البيتكوين، حيث تتأثر الأسعار بسرعة بالتغيرات السياسية والجيوستراتيجية، وتصبح القدرة على التكيف مع هذه التحولات مفتاحًا للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتحقيق المكاسب في الأسواق العالمية.
ويشير أوين في كتابه[3] إلى أن النفط ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل أداة جيوسياسية رئيسية تؤثر في تشكيل التحالفات الدولية والنزاعات الإقليمية.
كما يوضح كيف أن السيطرة على إنتاج النفط وأسعاره تمنح الدول نفوذًا سياسيًا واسعًا على المستوى العالمي.حيث تتيح سعة الإنتاج العالية لروسيا وغيرها من الدول إمكانية الابتعاد عن “الوضع الطبيعي الجديد” للسوق، والاستفادة من تقلب الأسعار لتحقيق أرباح واستثمارات إضافية. النفط النظيف، على وجه الخصوص، يحظى بسعر أعلى، والكارتل النفطي، الذي تأسس في الستينيات، مستمر في ضبط قواعد اللعبة، رغم تحديات التنفيذ العملي لبعض السياسات الاقتصادية التقليدية.
تضم الصيغة الجديدة للكارتل دولًا مثل روسيا وكازاخستان، وغيرها من المنتجين، حيث يتم تقديم دعم مالي مقابل سعر أولي تجريبي للخام. هذه الصيغة لم تُطبق بالكامل بعد، لكنها تمثل أداة استثنائية يمكن أن تؤثر على السوق بشكل مباشر، وتمنح الأطراف المشاركة ميزة تنافسية في تحديد الأسعار واستقرار الإنتاج.
ويؤكد ميكائيل هووك وكسون تانغ [4]في مقاله :” استنزاف موارد النفط والغاز:” بانها انعكاسات على الأسواق العالمية للطاقة وخاصة في العالم العربي ، وبالأخص الإمارات، أعاد مؤخراً الانخراط بوضوح في هذا التنظيم النفطي، مستفيدًا من قوته الإنتاجية الكبيرة. أبو ظبي تعمل على جذب الاستثمارات وتحقيق الاستفادة القصوى من إنتاجها النفطي، وقد أبدت تعاونًا دبلوماسيًا مع الرياض وموسكو في هذا الإطار، رغم غياب قواعد صارمة داخل الكارتل لضبط الإجراءات التعليمية والاقتصادية. الإمارات، من خلال مشاريعها الاستثمارية مثل XRG، تسعى لإنشاء شركات تعمل بالغاز الطبيعي، مستهدفة الأسواق الدولية، مع التركيز على استراتيجيات هندسية وتكنولوجية متقدمة، لتلبية الاحتياجات المتزايدة في مراكز البيانات والمرافق الصناعية.
تشير صحيفة فزيغلاد الروسية بتاريخ 4 مايو 2024 ،في مقالة نشرتها تحت عنوان ” ثلاثة سيناريوهات رئيسية لسوق النفط الوقت الراهن في بعد خروج الامارت من منظمة اوبك”[5]، ويمكن عرضها :
1-السيناريو المعتدل: يشمل انخفاض التوترات الدولية وعودة الاستقرار للأسواق، مع توفر النفط بأسعار تتراوح بين 70 و80 دولارًا للبرميل. في هذا السيناريو، يبقى العرض متاحًا، والأسواق تعمل بشكل منتظم، مع قدرة المستثمرين على التخطيط بثقة.
2-السيناريو غير العادي: يتضمن تدخل بعض الدول المنتجة مثل كازاخستان لدعم حلفائها، مع وجود مخاطر محتملة تتعلق بالاستقرار الأمني والسياسي، وتحويل الأموال لدعم الاتفاقيات الدولية، مما يخلق تقلبات متوسطة في الأسعار.
3-السيناريو الكارثي للكارتل: يتسم بارتفاع سريع في الأسعار، واضطرابات في الاتفاقيات والتزامات المنتجين، مشابه لما حدث في أزمة منتصف الثمانينيات، مما يؤدي إلى تراجع السيطرة على السوق وتزايد الضغوط على الاقتصاد العالمي.
بالنسبة لروسيا، يمثل هذا التحول فرصة لإعادة تدوير دورها في أسواق النفط العالمية. اتفاقيات OPEC+ منذ عام 2016، خاصة مع السعودية، التي ساعدت على استقرار السوق بعد فترات انخفاض الأسعار، ومكنت روسيا من الحفاظ على ميزانيتها وتعزيز تأثيرها الجيوسياسي. روسيا لم تعد تركز فقط على الاحتفال بالنجاحات، بل تسعى للتنسيق المستمر مع الدول الكبرى لضمان الاستفادة من الأسعار المرتفعة دون تعقيدات كبيرة، مع التركيز على استقرار الروبل وتوفير التمويل اللازم للاستثمارات الجديدة.
كما تعمل روسيا على توسيع التعاون مع إيران، خاصة في مجال الغاز الطبيعي، مستفيدة من البنية التحتية المتقدمة في المشاريع المشتركة. وقد تم تحويل بعض المشاريع إلى مناطق استراتيجية في البحر الأبيض المتوسط، لتعزيز السيطرة على الإمدادات والتأثير في الأسواق الإقليمية، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من التكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
مشاريع الغاز الطبيعي المحتملة مع الولايات المتحدة تمثل عنصرًا إضافيًا في خطط روسيا المستقبلية، من خلال تطوير مناطق غنية بالغاز، مع بنية تحتية عالية التقنية، تهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من الموارد الطبيعية، مع الحد الأدنى من المخاطر البيئية، وتوسيع قدراتها التكنولوجية في القطب الشمالي وغيرها من المناطق الحيوية.
باختصار، النفط الروسي اليوم ليس مجرد سلعة اقتصادية، بل أداة سياسية واستراتيجية ويمكن النظر الي[6] مجموعة من التقارير حول النفط الروسي بعد الحصار منذ العام 2022 . لكن الواقع الجديد يعكس فرصًا متعددة للاستثمار والتعاون الدولي، من خلال التوسع التكنولوجي، وتعزيز الشراكات الجيوسياسية، مع إمكانيات متاحة لجميع الأطراف القادرة على التكيف مع التغيرات السريعة في الأسواق العالمية.
الحرب الأمريكية- الإيرانية وإقفال خليج هرمز وتأثيره على النفط الروسي …
يمكننا تحليل وضع النفط الروسي في ظل سيناريو إقفال مضيق هرمز وارتفاع الأسعار من عدة جوانب اقتصادية واستراتيجية، مع الالتزام بالمعطيات الواقعية:
1- تأثير مباشر على السوق العالمي: مضيق هرمز يُعد نقطة حيوية لتدفق النفط، حيث يمر منه نحو 20% من النفط العالمي. أي إغلاق سيؤدي فورًا إلى نقص في الإمدادات، ما يرفع أسعار النفط بشكل حاد.
فروسيا، كونها منتجًا رئيسيًا خارج منطقة الخليج، ستستفيد نسبيًا من زيادة الطلب على بدائل النفط، وبالتالي يمكنها رفع أسعار صادراتها دون خسارة أسواقها التقليدية.
2- فرصة لتعزيز الإيرادات: ارتفاع الأسعار العالمية يعني أن كل برميل تصديري روسي يحقق أرباحًا أكبر، ما يدعم ميزانية الدولة ويعزز القدرة على تمويل المشاريع الداخلية والخارجية، خصوصًا في مجالات الغاز الطبيعي والبنية التحتية للطاقة.
وقد تستفيد شركات النفط الروسية الكبيرة مثل روسنفت ولوك أويل من هذه الظروف لتعزيز أرباحها، مع إمكانية التوسع في استثماراتها في الأسواق الآسيوية والأوروبية.
3-التحديات اللوجستية: رغم الفوائد الاقتصادية، تواجه روسيا تحديات النقل البحري: اعتماد أوروبا وآسيا على خط أنابيب النفط الروسي عبر البحر الأسود أو خطوط الأنابيب البرية قد يزداد ضغطه.
اما اللجوء إلى أسواق بعيدة مثل آسيا (الصين والهند) ستحتاج إلى تكاليف إضافية للنقل والتأمين، خصوصًا مع المخاطر الأمنية المرتفعة.
4- التحالفات والفرص الجيوسياسية: إغلاق هرمز يعزز أهمية روسيا كلاعب رئيسي في سوق النفط البديل للنفط الخليجي، ما يمنحها نفوذًا سياسيًا أكبر على الشركاء الأوروبيين والآسيويين.
وإمكانية توقيع اتفاقيات جديدة لزيادة الإمدادات مع دول آسيوية قد تقوي الشراكات الاقتصادية طويلة الأمد وتخفف الاعتماد على الخليج.
5-تأثير على أسعار الغاز والنفط الروسي:ارتفاع أسعار النفط الخام قد يؤدي أيضًا إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي الروسي في الأسواق الدولية، خصوصًا إذا ارتبط النفط بأسعار الغاز في العقود.
وروسيا يمكنها استخدام هذه الفرصة لتعزيز النفوذ في سوق الطاقة العالمية، والتحكم جزئيًا في التضخم الناتج عن ارتفاع الأسعار العالمية.
6- المخاطر المحتملة: ضغط العقوبات الغربية: في حال تأثرت تجارة النفط الروسي بالتصعيد الإقليمي، قد تواجه روسيا صعوبات في تصدير كميات كبيرة، رغم ارتفاع الأسعار.
بالتقلبات طويلة الأمد: أي صراع طويل في مضيق هرمز قد يؤدي إلى تقلبات كبيرة في الأسعار، وهو ما قد يؤثر على التخطيط الاستراتيجي الطويل المدى للشركات الروسية والدولة نفسها.
في ظل إقفال مضيق هرمز وارتفاع الأسعار، ستكون روسيا رابحًا نسبيًا على المدى القصير والمتوسط بسبب زيادة الطلب على نفطها وارتفاع الإيرادات. لكنها ستواجه تحديات لوجستية وجيوسياسية، وتحتاج إلى إدارة مخاطر النقل والعلاقات الدولية لتجنب أي صدمات محتملة على اقتصادها النفطي.
أثار انسحاب الإمارات من أوبك+ على روسيا
يشكل انسحاب الإمارات من أوبك+ حدثًا استراتيجيًا مهمًا على الساحة النفطية العالمية، خاصة بالنسبة لروسيا، التي تُعد أحد أكبر منتجي النفط في العالم وتلعب دورًا محوريًا داخل الكارتل. يعكس هذا الانسحاب تحولات في ديناميات السوق ويخلق تحديات وفرصًا متباينة لروسيا، يمكن تحليلها من خلال عدة محاور رئيسية.
يشكل انسحاب الإمارات من أوبك+ حدثًا مهمًا في أسواق النفط العالمية، نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه الدولة في الإنتاج العالمي. تحمل هذه الخطوة في طياتها تداعيات واسعة على روسيا، التي تعد أحد اللاعبين الرئيسيين في الكارتل، وعلى باقي أعضاء أوبك+، وعلى الأسواق العالمية بشكل عام. يعتمد تأثير الانسحاب على كيفية إدارة الدول الأخرى لإنتاجها وتوزيع النفط، وكذلك على القدرة على التكيف مع التغيرات في الطلب العالمي.
يعد انسحاب الإمارات تحديًا ملموسًا لروسيا، التي تعتمد على التنسيق ضمن أوبك+ للحفاظ على استقرار الأسعار العالمية للنفط. ففي حال قررت الإمارات زيادة إنتاجها أو توجيه صادراتها نحو الأسواق الآسيوية، قد يقل نفوذ روسيا في التحكم بالأسعار، ويصبح السوق أكثر عرضة للتقلبات المفاجئة.
مع ذلك، يوفر الانسحاب فرصة استراتيجية لروسيا. فارتفاع الفجوة بين العرض والطلب في الأسواق الأخرى يمكن أن يسمح لروسيا بتوسيع صادراتها بأسعار أعلى، خصوصًا في أوروبا وآسيا، مستفيدة من الطلب المتزايد على النفط البديل. هذا يمكن أن يعزز دور روسيا كلاعب رئيسي في السوق العالمية ويزيد من أرباحها، رغم التحديات الناتجة عن انخفاض التنسيق داخل الكارتل.
1-التأثير على روسيا كمنتج رئيسي
يعد انسحاب الإمارات من أوبك+ تحديًا مباشرًا أمام روسيا، التي تعتمد على التنسيق داخل المجموعة لضبط الأسعار العالمية للنفط. فزيادة إنتاج الإمارات أو توجيه صادراتها نحو الأسواق الآسيوية قد تقلل من قدرة روسيا على التحكم بالأسعار، وتجعل السوق أكثر تقلبًا، حيث تصبح أي تغييرات مفاجئة في العرض مؤثرة بشكل كبير على الأسعار العالمية. وتشير التقارير، مثل تقرير الوكالة الدولية للطاقة حول سوق النفط[7] (IEA 2026)، إلى تحليلات مفصلة عن إنتاج روسيا، وأسعار النفط، وتأثير الأزمات الجيوسياسية في مضيق هرمز على الأسواق العالمية.
ومع ذلك، يمكن لروسيا تحويل هذا التحدي إلى فرصة استراتيجية. فالفجوة المتنامية بين العرض والطلب في الأسواق الأخرى تتيح لها إمكانية زيادة صادراتها بأسعار أعلى، لا سيما في أوروبا وآسيا، مستفيدة من الطلب المتزايد على النفط البديل. وفي هذا السياق، يمكن لموسكو استغلال حالة عدم الاستقرار النسبي في الأسواق لتعظيم عوائدها، وتعزيز دورها كلاعب رئيسي في أسواق الطاقة العالمية، والحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في السياسة الاقتصادية الدولية.
2- تحديات التحكم بالأسعار العالمية
تعتمد روسيا على التنسيق مع أعضاء أوبك+ للحفاظ على استقرار الأسعار وضبط الإنتاج بما يتناسب مع الطلب العالمي. ومع انسحاب الإمارات، تصبح قدرة روسيا على التحكم بالأسعار أكثر محدودية، خصوصًا إذا قررت الإمارات زيادة إنتاجها أو إعادة توجيه صادراتها نحو الأسواق الآسيوية.
هذا الوضع يجعل السوق أكثر تقلبًا وحساسية تجاه أي تغييرات في العرض أو الأحداث الجيوسياسية المفاجئة، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على الميزانية الروسية، خصوصًا في حال ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي أو تأثر التدفق النقدي من صادرات النفط.
3- فرص تعظيم الصادرات الروسية
يوفر انسحاب الإمارات فرصة استراتيجية لروسيا لتعظيم صادراتها. الفجوة بين العرض والطلب في الأسواق الأخرى يمكن أن تتيح لروسيا بيع نفطها بأسعار أعلى، خصوصًا في الأسواق الأوروبية والآسيوية، مستفيدة من الحاجة المتزايدة للطاقة البديلة.
كما يمنح الانسحاب روسيا فرصة لتوسيع أسواقها التصديرية وتنويعها، مما يعزز مرونتها في مواجهة تقلبات السوق، ويزيد من قدرتها على تحقيق أرباح إضافية حتى في ظل عدم استقرار الأسعار على المدى القصير.
4–تأثير على السياسة الإنتاجية الروسية
يدفع الانسحاب روسيا إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الإنتاجية، بما يشمل مستويات الإنتاج اليومية وتوزيع الشحنات على الأسواق المختلفة. قد تنظر موسكو في زيادة الإنتاج مؤقتًا أو تعديل صادراتها لتلبية الطلب الجديد، مع التركيز على الحفاظ على استقرار الأسعار على المدى الطويل.
هذا التكيف يتطلب إدارة دقيقة لتوازن الربح مع القدرة على التحكم في السوق، خصوصًا إذا قررت دول أخرى داخل الكارتل تعديل إنتاجها أيضًا، ما يجعل التخطيط الاستراتيجي أكثر تعقيدًا.
5- الفرص الجيوسياسية والاقتصادية
يمنح الانسحاب روسيا فرصة لتعزيز موقعها كلاعب مستقل في سوق النفط، دون الاعتماد الكامل على قرارات أوبك+. يمكن لموسكو استغلال هذا الوضع لتوسيع شراكاتها مع دول آسيوية وأوروبية، مستفيدة من الطلب المرتفع على النفط، مع تعزيز نفوذها الجيوسياسي عبر العقود طويلة الأمد.
توفر هذه المرونة القدرة على مواجهة أي تقلبات مفاجئة في السوق العالمي، وتساعد روسيا على تحقيق استقرار نسبي في الإيرادات النفطية، ما يمنحها أدوات قوية للتخطيط الاقتصادي والسياسي على حد سواء.
6- المخاطر المحتملة
مع هذه الفرص، تأتي مخاطر ملموسة. ارتفاع عدم اليقين في الأسعار على المدى القصير قد يؤدي إلى تقلبات حادة تؤثر على التخطيط الاقتصادي الروسي، كما أن المنافسة على الأسواق الآسيوية والأوروبية تزيد من التحديات اللوجستية والتجارية، خصوصًا في ظل العقوبات الغربية أو قيود النقل والتأمين.
أي خطأ في تقدير الطلب أو ضبط الإنتاج قد يؤدي إلى انخفاض العوائد مقارنة بالتوقعات، مما يزيد من الضغط على ميزانية الدولة ويجعل السيطرة على السوق مهمة أكثر تعقيدًا.
يمكن القول إن انسحاب الإمارات من أوبك+ يمثل مزيجًا من التحديات والفرص لروسيا. فمن جهة، تواجه روسيا ضعفًا نسبيًا في التحكم بأسعار النفط، ومن جهة أخرى، تتيح لها هذه الخطوة إمكانية توسيع صادراتها وتعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في أسواق جديدة، ما يجعل المستقبل النفطي الروسي متشابكًا بين المخاطر والإمكانات الاستراتيجية.
شهدت أسواق النفط العالمية دائمًا تحولات كبيرة نتيجة تحركات الدول المنتجة وتأثيراتها على أسعار الخام، وكان انسحاب الإمارات من أوبك+ خطوة نوعية تحمل في طياتها مزيجًا من المخاطر والفرص، خصوصًا بالنسبة للإنتاج الروسي.
بالنسبة لروسيا، كمنتج رئيسي في أوبك+، يمثل انسحاب الإمارات تحديًا ملموسًا. تعتمد قدرة روسيا على التحكم بأسعار النفط العالمية بشكل كبير على التنسيق مع أعضاء الكارتل، إلا أن زيادة إنتاج الإمارات أو توجيه صادراتها نحو الأسواق الآسيوية قد يقلل من هذا التحكم، ويجعل السوق أكثر عرضة للتقلبات المفاجئة. ومع ذلك، يمكن لروسيا أن تحول هذا التحدي إلى فرصة؛ إن الفجوة المتزايدة بين العرض والطلب في الأسواق الأخرى قد تسمح لها بتوسيع صادراتها بأسعار أعلى، خصوصًا في الأسواق الأوروبية والآسيوية، مستفيدة من الطلب المتنامي على النفط البديل.
وليس روسيا وحدها من ستتأثر بهذه الخطوة؛ فدول الخليج الأخرى، وعلى رأسها السعودية، قد تضطر إلى إعادة ضبط مستويات إنتاجها لتعويض أي تأثير على استقرار الأسعار العالمية. هذا يعكس الضغط السياسي والاقتصادي المتزايد داخل أوبك+ ويبرز هشاشة السوق أمام أي تغييرات غير متوقعة في إنتاج أحد أعضائها.
أما السوق العالمي، فيتعامل مع انسحاب الإمارات بحذر شديد. على المدى القصير، يزداد عدم اليقين، مما يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار، حيث يصبح المستثمرين والمضاربين أكثر حذرًا، وقد يشهد السوق ارتفاعات وانخفاضات مفاجئة. إلا أن التاريخ أظهر أن الأسواق تتكيف مع مرور الوقت، وفي هذه الحالة، إذا تمكنت الإمارات ودول أخرى من إيجاد أسواق بديلة لتصدير نفطها، مثل آسيا والهند، فقد يُعاد توزيع النفوذ التجاري بين الدول المنتجة، ويقل الاعتماد على أوبك+ كمحدد وحيد لأسعار النفط.
إذن، يحمل انسحاب الإمارات من أوبك+ دلالات مزدوجة: فمن جهة، تواجه روسيا صعوبات أكبر في ضبط الأسعار، بينما قد تستفيد من الفرص المتاحة لزيادة صادراتها وتحقيق أرباح أعلى. ومن جهة أخرى، تُجبر الدول الكبرى الأخرى على إعادة تقييم سياساتها الإنتاجية لضمان استقرار السوق، مع احتمالية تشكل تحالفات جديدة أو فتح أسواق بديلة على المدى الطويل، ما يعيد تشكيل النفوذ التجاري العالمي في قطاع النفط.
في الختام، تبقى روسيا في مواجهة معادلة معقدة بين الفرص والمخاطر، حيث يعتمد مستقبل النفط الروسي على قدرة الدولة على إدارة إنتاجها، وحسن استغلال الطلب العالمي، والتكيف مع المتغيرات السياسية والجيوستراتيجية في المنطقة. فالقرار الروسي بعد انتهاء أوبك+ لن يكون مجرد مسألة اقتصادية، بل اختبارًا لقدرتها على الحفاظ على نفوذها في أسواق الطاقة العالمية وسط تحديات مستمرة.
[1] – Karl, Terry Lynn. (1997). The Paradox of Plenty: Oil Booms and Petro-States.
[2] انظر الى الموقع-: https://www.opec.org
[3] – Owen, John M. (2012). The Clash of Oil: How Oil Shapes Global Politics
[4] – Höök, Mikael & Tang, Xun. (2013). Depletion of Oil and Gas Resources: Implications for Global Energy Markets. Energy Policy, 55, 1-9.
[5] – https://vz.ru/economy/2026/5/4/1415145.html
[6] -Center for Strategic & International Studies (CSIS)
[7] – IEA (International Energy Agency). (2026). Oil Market Report – April 2026.


