
جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. بشير عصمت مدونة الكاتب، د : عصمت بشير
كيف كشفت المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران و«حزب الله» أن الشرق الأوسط يُدار بتناقضاتٍ مفتوحة لا بتسوياتٍ مستقرة
لم تعد المسألة تدور حول حربٍ تُخاض ثم تتوقف، ولا حول وقفٍ لإطلاق النار يُراد له أن يفتح باب السياسة بعد أن تُغلق أبواب الميدان. ما يتكشف أمام المنطقة، منذ انفجار المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران وامتدادها إلى لبنان والخليج، هو صورة أشد تعقيداً وأبعد أثراً: هدنة معلنة، نعم، لكنها هدنة لا توقف حرباً واحدة بل تعيد توزيع الحروب؛ واتفاق يُقدَّم على أنه مخرج، فيما هو في حقيقته ترجمة جديدة للتناقضات نفسها، وصياغة مقصودة للغموض، تسمح لكل طرف بأن يقرأ النص كما يريد، وأن يقاتل خارجه إذا شاء.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالاتفاق الذي قُدّم على أنه وقف لإطلاق النار لم يولد بوصفه قاعدةً صلبة لإنهاء التصعيد، بل وُلد منذ اللحظة الأولى محمّلاً باحتمالين متناقضين: أن يكون مظلة تهدئة عامة تشمل امتدادات الصراع الإيراني في الإقليم، أو أن يكون مجرد تجميدٍ مؤقت للجبهة الأميركية الإيرانية المباشرة، مع إبقاء أبواب النار مفتوحة أمام إسرائيل كي تواصل حربها في لبنان. ولذلك لم يكن الجدل حول شمول لبنان أو عدم شموله تفصيلاً قانونياً، بل كان جوهر الصراع نفسه، لأن كل طرف كان يعرف أن تحديد هذا المعنى يحدّد من يملك حق الكلام باسم الحرب، ومن يملك حق الكلام باسم السلام.
وقف نار بتفسيرين وحرب واحدة بعدة جبهات
حين تقول طهران، أو من يتكلم باسم التفاهم معها، إن التهدئة يفترض أن تمتد إلى لبنان، فهي لا تدافع فقط عن قراءة تقنية لبنود الاتفاق، بل تدافع عن فكرة أعمق: أن الساحات المتصلة بإيران ليست مجرد هوامش منفصلة، بل جزء من معادلة الردع والتفاوض معاً. وحين تصر واشنطن وتل أبيب على أن لبنان غير مشمول، فهما لا ترفضان تأويلاً وحسب، بل ترفضان الاعتراف للبنان بأنه ساحة تفاوض إيرانية معترف بها، أو لـ«حزب الله» بأنه شريك غير مباشر في رسم حدود التسوية.
ومن هنا بدا الاتفاق، منذ ساعاته الأولى، كأنه نصٌّ مكتوب بلغة الدبلوماسية ومفخخ بلغة القوة. الولايات المتحدة تريد أن توقف ما يخصها مباشرة، أن تُخفض الكلفة التي بدأت ترتد عليها في الأسواق والطاقة والسياسة الداخلية، وأن تفتح نافذة تفاوض تتيح لها الادعاء بأنها استعملت القوة من دون أن تغرق في حرب استنزاف مفتوحة. أما إسرائيل، فهي تريد أن تستثمر هذه الهدنة لا أن تلتزم منطقها الشامل، وأن تتعامل معها باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط على الحلقة اللبنانية، بعد أن تعذر عليها انتزاع صورة نصر نهائي على إيران نفسها.
بهذا المعنى، لم يكن استمرار القصف على بيروت، ولا المجزرة التي لحقت بالمدنيين والبنية العمرانية والاجتماعية، خروجاً على روح الاتفاق، بل كان التعبير الأكثر فجاجة عن روحه المضمرة: تهدئة هنا لتفريغ النار هناك، وتجميد جبهة من أجل تسعير جبهة أخرى. وهذه هي الصيغة الأخطر في كل ترتيبات الشرق الأوسط المعاصر: ليس إنهاء الحروب، بل إعادة توزيعها جغرافياً وزمنياً، بحيث لا تختفي بل تنتقل من مكان إلى آخر.
ما تريده واشنطن وتل أبيب أبعد من النووي
ليس صحيحاً أن هذه الحرب يمكن اختزالها في البرنامج النووي الإيراني، أو في الصواريخ، أو حتى في أمن إسرائيل الحدودي. هذه عناوين حقيقية، لكنها ليست الصورة كلها. ما يجري أوسع من ذلك بكثير. ثمة إرادة أميركية إسرائيلية واضحة لإعادة ضبط الإقليم على نحو يُضعف إيران لا بوصفها دولة فحسب، بل بوصفها مركز شبكة ممتدة من الحلفاء والأدوات والنفوذ، من لبنان إلى العراق إلى اليمن وما وراءها. المسألة، في جوهرها، ليست تقييد قدرة عسكرية فقط، بل محاولة نزع القدرة على تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي إقليمي.
لكن هذه المحاولة، على عنفها واتساعها، لم تُنتج حتى الآن ما يبرر الحديث عن نجاح حاسم. إيران تعرضت لضربات شديدة، نعم، لكنها لم تُكسر. النظام لم يسقط، ومركز القرار لم يتفكك، والبنية الصلبة للدولة لم تنهَر، والقدرة على استخدام أوراق حساسة، مثل هرمز والنفوذ الإقليمي، لم تختفِ. وهذا يعني أن الحرب، في حصيلتها الفعلية حتى الآن، لم تنجز مشروع الإخضاع الذي بُنيت عليه اللغة السياسية الأميركية والإسرائيلية، بل دفعت الجميع إلى التسليم الضمني بأن ما تعذّر انتزاعه في الميدان قد يُطلب على طاولة التفاوض، ولو بصيغ ملتوية.
وهذا بحد ذاته اعتراف بالفشل الجزئي. لأن القوة حين تُستخدم لإجبار الخصم على الاستسلام، ثم تُفضي فقط إلى إعادته إلى التفاوض من دون استسلام، فإنها لا تكون قد حققت الغاية التي أعلنتها، بل تكون قد بدلت شكل النزاع، من دون أن تغيّر ميزانه جذرياً.
لبنان بين حربين: حرب إسرائيل عليه وحرب إيران به
لبنان هو الساحة التي تتكثف فيها كل التناقضات. فهو بالنسبة إلى إسرائيل الحلقة التي يمكن ضربها من دون كلفة مساوية لضرب إيران مباشرة، وبالنسبة إلى إيران الساحة التي تمنحها قدرة على إبقاء المواجهة حيّة خارج حدودها، وبالنسبة إلى الولايات المتحدة ملف يمكن عزله تكتيكياً عن الملف الإيراني إذا اقتضت مصلحتها ذلك، وبالنسبة إلى «حزب الله» ميدان تثبيت الدور والوظيفة والشرعية معاً.
هنا ينبغي قول الأمر بلا مواربة: الحرب الجارية في لبنان لا تُفهم اليوم على أنها حرب لتحرير فلسطين. هذا الشعار لم يعد كافياً لتفسير الوقائع، ولا منطق العمليات، ولا مسار التفاوض الضمني والعلني. ما يجري هو، في جزء حاسم منه، حرب تُخاض في لبنان وتُستثمر في المعادلة الإيرانية الأوسع.
وهذه ليست تهمة دعائية، بل وصف سياسي لوظيفة الساحة اللبنانية داخل شبكة الاشتباك الإقليمي. فحين يُربط مصير لبنان، أو مصير وقف النار فيه، بتفاهمات تُبحث بين واشنطن وطهران أو عبر وسطاء كالباكستان، يصبح من الصعب الادعاء أن القرار لبناني خالص أو أن الميدان منفصل عن الحساب الإيراني العام.
لكن الوجه الآخر للمسألة لا يقل خطورة. فـ«حزب الله» لا يقاتل فقط خدمةً لوظيفة إقليمية، بل يقاتل أيضاً من أجل إعادة إنتاج موقعه الداخلي. إنه يسعى، في منطق الأمور، إلى تكريس معادلة فحواها أن من يبذل الدم هو من يملك حق التفاوض، وأن من يحتكر الجبهة يقترب حكماً من احتكار التمثيل. ومن هنا يمكن فهم إصراره على أن الدم المبذول لا يجوز أن يترجم إلى تهميش سياسي، بل إلى تعزيز للشرعية التفاوضية، سواء تجاه الخارج أو تجاه الداخل اللبناني.
غير أن هذه المعادلة تصطدم بمأزق بنيوي عميق. فالحزب يشارك في الدولة لكنه لا يسلم لها وظيفتها الأساسية. يدخل الحكومة لكنه لا يقبل أن تنفرد الدولة بقرار السلم والحرب. يستفيد من مؤسساتها، ومن شرعيتها، ومن خدماتها، لكنه لا ينظر إليها كمرجعية نهائية، بل كحيز منفعة ونفوذ ومورد. وبذلك تبقى الدولة بالنسبة إليه ضرورةً نافعة لا مرجعية حاسمة، وتبقى بيئته الاجتماعية أسيرة هذا الالتباس: تستفيد من الدولة بقدر، لكنها لا تُتاح لها فرصة الانخراط الكامل في دولة مستقلة عن الحزب، لأن الحزب نفسه يقوم، جزئياً، على إبقاء هذا الاستقلال منقوصاً.
ومن هنا أيضاً مأساة لبنان الراهنة. فهو يُقصف لأنه ساحة إيران، ويُترك لأنه ليس مشمولاً بحماية الاتفاق، ويُضعف لأن دولته لم تحتكر القرار، ويُذبح لأن كل الأطراف تجد فيه مكاناً مناسباً لتبادل الرسائل على حساب شعبه ومدنه واقتصاده وأمنه.
إسرائيل وحاجة نتنياهو إلى حرب لا تنتهي تماماً
من السذاجة أن يُقرأ السلوك الإسرائيلي بوصفه مجرد ترجمة لعقيدة أمنية ثابتة، من دون النظر إلى الداخل الإسرائيلي وأزماته. فبنيامين نتنياهو لا يدير الحرب فقط بعقل المؤسسة العسكرية، بل بعقل السياسي المحاصر دائماً بإمكان الخسارة، وبالحاجة إلى أن يحوّل الحرب إلى مصدر تجديدٍ للزعامة، أو على الأقل إلى وسيلة لتأجيل الاستحقاقات التي قد تفضي إلى محاسبته. لهذا تبدو الحرب بالنسبة إليه أكثر من خيار استراتيجي: إنها أيضاً أداة داخلية لإعادة إنتاج الشرعية.
شعار “أمن الشمال” يعبّر عن حاجة إسرائيلية حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يتيح لنتنياهو أن يلبس لبوس المدافع الضروري عن المجتمع الإسرائيلي، وأن يعيد شد العصب حول نفسه كلما خفّ وهج المبررات الأخرى. وليس تفصيلاً أن تستمر الحرب في لبنان حتى بعد التهدئة مع إيران، لأن ذلك يسمح له بأن يقول لجمهوره إن إسرائيل ما زالت تقاتل حيث يجب أن تقاتل، وإنها لم تتراجع، وإنها وحدها تقرر حدود النار وحدود التهدئة.
لكن المأزق الإسرائيلي قائم رغم ذلك. فالتفوق التدميري لم يتحول إلى قدرة سهلة على فرض تسوية مستقرة. البطء في التقدم البري، واتساع الكلفة الإنسانية، واستمرار الحاجة إلى القصف المكثف، كلها مؤشرات إلى أن إسرائيل تستطيع أن تدمر، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها أن تنتج واقعاً سياسياً نهائياً يضمن لها ما تريده من دون أثمان ممتدة. وهذا هو التناقض الكلاسيكي في حروب التفوق العسكري: سهولة إيقاع الخراب لا تعني سهولة بناء النتيجة.
ترامب بين استعراض القوة وحسابات السوق والداخل
أما دونالد ترامب، فلا يمكن فهم سلوكه عبر مفردة واحدة. فهو لا يتحرك فقط كرئيس يريد استخدام القوة، ولا فقط كرجل أعمال يفكر في النفط والغاز والأسواق، ولا فقط كسياسي شعبوي مولع بصورة الرجل الذي يفرض الشروط. إنه يجمع هذه العناصر كلها في وقت واحد. ولذلك بدت تصريحاته متأرجحة بين التصعيد اللفظي والاندفاع نحو التهدئة، بين لغة النصر ولغة الصفقة، بين التهديد بفتح أبواب الجحيم والرغبة في تسجيل اختراق يمكن تسويقه في الداخل الأميركي باعتباره إنجازاً من دون مستنقع.
الاهتزاز العنيف في الأسهم، ثم الارتداد السريع، والانفعالات التي أصابت النفط والتأمين والشحن والاستثمار، كلها جعلت استمرار الحرب المفتوحة عبئاً على البيت الأبيض، لا مادة للدعاية فقط. فالأسواق لا تصوّت في الانتخابات، لكنها تصنع المناخ الذي يسبقها. ومن هنا يصبح مفهوماً أن تبحث واشنطن عن لحظة توقف عند حافة الانفجار، بحيث لا يبدو التراجع هزيمة، ولا يبدو الاستمرار مقامرة مكلفة إلى حد لا يُحتمل.
ليست المصالح المالية والنفطية والتجارية أموراً ثانوية في هذا كله. لكنها أيضاً ليست التفسير الوحيد. الأصح أن الحرب، عند ترامب، التقت فيها الشعبوية الداخلية مع مصالح الطاقة والمال ومع الرغبة القديمة في الظهور بمظهر من يعيد رسم الخرائط بقوة الإرادة وحدها. وهذا ما يفسر كثيراً من تناقضاته: تصعيد حاد في الخطاب، ثم قبول بتهدئة ملتبسة، ثم عودة إلى الادعاء بأن الأهداف قد تحققت تقريباً.
إيران بين الصلابة والإنهاك وصراع الواجهات
في إيران، لا يمكن فصل الخارج عن الداخل. فالدولة التي تظهر متماسكة تحت النار هي نفسها دولة تواجه ضغوطاً اقتصادية خانقة، وحاجةً دائمة إلى ضبط المزاج الداخلي، وخشية من أن تتحول الحرب الطويلة إلى باب إضافي للاحتقان الاجتماعي. لهذا لا يبدو التفاوض خيار ضعفٍ صرف، ولا يبدو التشدد خيار قوةٍ صرفة. إنهما معاً جزء من آلية البقاء.
ويبدو واضحاً أن ما يسمى “التيار المعتدل” لم يعد يُقرأ بالطريقة القديمة نفسها. فظريف، الذي كان في مرحلة سابقة الواجهة الأوضح للدبلوماسية الإيرانية ذات الطابع البراغماتي، لا يظهر اليوم في قلب المشهد كما كان من قبل. الواجهة الأشد حضوراً باتت أقرب إلى تركيبة تمزج بين الدبلوماسية الرسمية والدولة العميقة، بين منطق التفاوض ومنطق المؤسسة الصلبة. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن معناها أن النظام الإيراني لا يقدّم التفاوض باعتباره تنازلاً لتيار إصلاحي في مواجهة المتشددين، بل باعتباره أداة تستخدمها البنية الحاكمة نفسها، بمختلف أجنحتها، من أجل امتصاص الضغوط وإعادة التموضع.
وفي هذا الإطار يكتسب قاليباف أهمية خاصة. ليس لأنه صار فجأة عنوان الاعتدال، بل لأنه يمثل وجهاً من وجوه الدولة التي تجمع بين الصلة بالمؤسسة الصلبة والقدرة على الانخراط في إدارة اللحظة السياسية. أما المرشد والحرس الثوري، فالحرب لم تضعف موقعهما المركزي كما كان يؤمل في واشنطن وتل أبيب، بل دفعت، على الأرجح، نحو مزيد من تماسك مركز القرار تحت عنوان الدفاع عن الدولة، لا عن جناح بعينه فقط.
هذا لا يعني أن إيران خرجت منتصرة. بل يعني فقط أنها لم تُهزم على النحو الذي أراده خصومها. خرجت مجروحة، مثقلة، مضطرة إلى التفاوض، لكنها ما زالت تملك ما يكفي كي تمنع خصومها من كتابة النتيجة النهائية وحدهم.
الخليج بين الخوف من إيران والخوف من الحماية الأميركية نفسها
القصف الذي طال قطر والكويت، وما أحاط به من توتر أصاب البنى الحيوية والطاقة والملاحة والثقة العامة، أظهر أن الخليج لم يعد قادراً على الاكتفاء بدور المتفرج الحذر. فالمنطقة التي بُنيت نماذجها الاقتصادية في العقود الأخيرة على فرضية الاستقرار النسبي، وعلى الثقة بأن المظلة الأميركية قادرة على الردع والاحتواء، وجدت نفسها أمام سؤال قاسٍ: ماذا لو كانت الحماية نفسها جزءاً من المشكلة؟ وماذا لو كان التصعيد الأميركي الإسرائيلي مع إيران يهدد المصالح الخليجية بقدر ما يهدد إيران ذاتها؟
من هنا يمكن فهم القلق الخليجي لا من الحرب فقط، بل من طريقة إدارتها. ذلك أن دول الخليج لا تريد إيران قوية مهيمنة، لكنها لا تريد أيضاً حرباً تفجر الموانئ والطاقة والماء والأسواق وطرق الشحن. وهي، في العمق، تريد نظام توازن يردع طهران من دون أن يحول الخليج كله إلى ميدان مفتوح للرسائل الصاروخية والضربات الانتقامية. وهذه معضلة لم تجد حلاً مستقراً حتى الآن.
باكستان وعُمان: لماذا تميز الوسيطان وما حدود دورهما؟
في مثل هذه اللحظات لا يبرز الوسيط لأنه محايد تماماً، بل لأنه قادر على أن يكون مقبولاً بما يكفي من الأطراف المتنازعة، وأن يملك خطوطاً مفتوحة مع المتخاصمين في آن. وهنا يفسَّر تميز باكستان. فهي ليست قوة بعيدة عن المنطقة، وليست مندمجة فيها إلى حد يجعلها خصماً مباشراً، وتملك في الوقت نفسه صلات مع واشنطن وعلاقات مع إيران وحساسية خاصة تجاه الخليج وموازين العالم الإسلامي. لذلك أمكن لها أن تتحرك في اللحظة الحرجة كوسيط وظيفي قادر على إحياء قناة كانت توشك على الموت.
أما عُمان، فتميزها يعود إلى شيء مختلف قليلاً: تقليد طويل من الهدوء، والقدرة على استضافة القنوات الخلفية من دون صخب، والقبول المتراكم لدى أطراف تعرف أن مسقط لا تدخل عادة في الوساطات لتسجيل انتصارات دعائية، بل لتوفير المكان الهادئ الذي يسمح بخفض الضجيج. لهذا ظلت عُمان، حتى عندما لا تكون صاحبة الدور الأبرز في لحظة بعينها، مرجعية معنوية وسياسية في هذا النوع من التفاهمات، لأنها بنت عبر سنوات صورة الدولة التي تتقن فن التوسط من دون استعراض.
الاقتصاد العالمي: حرب تبتلع الثروة ثم تعيدها مذعورة
ما جرى في الأسهم والنفط والعملات ليس هامشاً مالياً للأزمة، بل هو قلبها الكاشف. فحين تهبط الأسواق بعنف ثم ترتد بسرعة، فذلك لا يعني أن الثقة قد عادت، بل يعني أن الرأسمال كان يسعّر خطر الانفجار الشامل ثم أعاد تسعير المخاطر بعد ظهور الهدنة. نحن هنا لا نرى استقراراً، بل نرى اقتصاداً عالمياً يعيش على أعصابه. تريليونات من الدولارات تبخرت أو أعيد تقييمها أو تحركت بين الأصول والأسواق في أيام قليلة، وهذا وحده يكفي ليدل على أن الحرب لم تعد مسألة شرق أوسطية ضيقة، بل صدمة تمس النظام الاقتصادي بأسره.
وإذا كانت هذه الحرب قد كشفت شيئاً، فهو أن القوة العسكرية لم تعد منفصلة عن الذعر المالي. كل صاروخ يضرب منشأة أو ميناء أو طريق شحن أو عاصمة منتجة للطاقة لم يعد مجرد حدث عسكري، بل صار قراراً يهز محافظ الاستثمار، وأسعار التأمين، وأرباح الشركات، وقدرة الحكومات على الادعاء بأن الأمور تحت السيطرة.
الخلاصة: لا أحد حسم، والجميع يحاول أن يترجم الدم إلى سياسة
المشهد النهائي، حتى الآن، ليس مشهداً لنصر مكتمل ولا لهزيمة مكتملة. الولايات المتحدة لم تُخضع إيران كما أرادت. إسرائيل لم تكسر محور النفوذ الإيراني ولا فرضت نهاية واضحة لـ«حزب الله». إيران لم تنتصر، لكنها منعت خصومها من فرض استسلامها. و«حزب الله» لم يثبت أنه يملك حق الكلام باسم لبنان، لكنه ما زال يحاول أن يحول النزف إلى شرعية تفاوضية وسياسية.
غير أن الحقيقة الأشد إيلاماً تبقى في مكان آخر: لبنان هو الذي يدفع الثمن الأعلى في لعبة لا يملك قرارها كاملاً. يُقصف لأنه داخل المعادلة الإيرانية، ولا يُحمى لأنه خارج التفسير الأميركي الإسرائيلي للاتفاق، وتُضعف دولته لأن قوة السلاح غير الدولتي ما زالت تعيش فيها، ويُترك شعبه بين الاحتلال والغارات والانهيار والفراغ السياسي. وهكذا يتحول البلد مرة جديدة إلى الأرض التي تُختبر عليها حدود الآخرين، لا حدود نفسه.
ليست المشكلة، في نهاية المطاف، أن الأطراف المعلنة للحرب تملك أهدافاً خارجية فحسب، بل إن لكل طرف منها أسباباً داخلية تدفعه إلى الإمعان في النار أو إلى القبول بوقفٍ مبهم لها. نتنياهو يحتاج إلى حرب تبقيه في قلب المشهد. ترامب يحتاج إلى قوة تستعرض نفسها ثم تعود إلى السوق قبل الانهيار. إيران تحتاج إلى تفاوض لا يبدو استسلاماً. و«حزب الله» يحتاج إلى دم يترجم دوراً. وبين هذه الحاجات جميعاً، لا يظهر السلام بوصفه قراراً أخلاقياً أو استراتيجياً ناضجاً، بل بوصفه هدنةً مؤقتة بين جولات قسرية من الصراع.
لهذا لا ينبغي الانخداع بتعبير “وقف إطلاق النار” ما لم يُجب عن السؤال الحاسم: وقفٌ للنار بين مَن، وعلى أي جبهة، وبأي معنى سياسي؟ ما دام الجواب معلقاً، وما دام كل طرف يقرأ الاتفاق على هواه، فإن ما نعيشه ليس سلاماً معلقاً على التنفيذ، بل حرباً معلقة على التفسير. وفي الشرق الأوسط، حين تصبح الحرب مسألة تأويل، يصبح الدم هو اللغة الوحيدة التي لا يختلف أحد على معناها.


