الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

الهدنة القادمة تدفع لبنان للتفاوض مع إسرائيل بشكل مباشر ودون وسيط

جريدة الحرة بيروت

بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

مع تصاعد التوترات في المنطقة ومع دخول لبنان في مرحلة من التحديات الأمنية والسياسية العميقة، بدأ لبنان يشهد تطورات غير متوقعة، خاصة فيما يتعلق بعلاقاته مع إسرائيل. وبينما كانت التوترات تدور حول الأراضي اللبنانية في السنوات الأخيرة، طرحت إسرائيل فكرة التفاوض المباشر مع الدولة اللبنانية، وهو أمر كان يعتبر مستبعدًا في السابق، سواء بسبب الاعتبارات الداخلية اللبنانية أو بسبب الانخراط الإيراني في الشأن اللبناني عبر حزب الله.

الحدث اللافت كان إعلان رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، قبوله بالتفاوض مع لبنان بشكل مباشر، بالرغم من الشروط القاسية التي أرفقها. هذا الإعلان خلق موجة من التساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التغيير المفاجئ في الموقف الإسرائيلي. فنتنياهو الذي كان يصر على ربط لبنان بإيران في أي مفاوضات سابقة، أصبح اليوم مستعدًا للجلوس مع الدولة اللبنانية بدون وسيط.

وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: ما هو السر في قبول نتنياهو بالتفاوض مع لبنان بشكل مباشر، رغم كل شروطه المرتفعة التي تتعلق بنزع سلاح حزب الله، وإقامة سلام شامل مع إسرائيل؟

الإجابة تكمن في التغيرات التي طرأت على الحسابات الإسرائيلية مع مرور الوقت. في الوقت الذي ظل فيه لبنان الرسمي ملتزمًا بمبدأ الفصل بين لبنان وإيران، كانت الحكومة اللبنانية واضحة في مواقفها منذ الثاني من آذار، لا سيما في التعامل مع سلاح حزب الله غير الشرعي وغير القانوني. كما كانت الحكومة حازمة في تأكيد حقها الحصري في اتخاذ قرارات الحرب والسلام، رافضة أي تدخل خارجي في هذا الشأن. إضافة إلى ذلك، أدانت لبنان العدوان الإيراني على الدول العربية، مؤكدة على ارتباط لبنان بالعلاقات العربية، خصوصًا من خلال التنسيق مع المحور العربي حول قضايا أساسية مثل دعم حقوق القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، يمكن فهم قبول نتنياهو بالتفاوض كخطوة استراتيجية تهدف إلى “إخراج لبنان من دائرة النفوذ الإيراني”. في لحظة حاسمة، حيث كانت إسرائيل ترى أن لبنان قد أصبح جزءًا من الصراع الإقليمي بسبب تورط إيران المباشر فيه، كان هذا التفاوض خطوة لتقليص هذا النفوذ، والتأكد من أن لبنان لن يكون ساحة حرب بالوكالة مرة أخرى. وكانت إيران قد نجحت في تحويل لبنان إلى “ساحة نفوذ” مع تعويم حزب الله كقوة إقليمية، مما كان يشكل مصدر قلق كبير لإسرائيل.

وعلى المستوى العسكري، يمكن القول أن نتنياهو قد قرر ضرب لبنان في ساحة بنت جبيل بشكل استراتيجي، في رسالة واضحة لجميع الأطراف الإقليمية. كانت هذه الضربة بمثابة محاولة لتأكيد “إضعاف” أي تهديدات قد تأتي من لبنان على إسرائيل، بعدما حاولت الأطراف المتحالفة مع إيران تقوية حزب الله. إلا أن التطورات السياسية على الساحة الدولية، وخاصة في ضوء التفاهمات الأمريكية حول عدم شمول لبنان في الاتفاقات المتعلقة بالسلام مع إيران، مهدت الطريق أمام إسرائيل لإجراء تحول في سياستها.

وعندما أتى إعلان نتنياهو بقبول التفاوض مع لبنان بشكل مباشر، كان ذلك بمثابة استجابة لتحولات استراتيجية في المنطقة. فقد أظهرت مواقف الحكومة اللبنانية، بقيادة الرئيس جوزيف عون، التمسك بالسيادة اللبنانية على الأراضي اللبنانية، مع العمل على الحفاظ على الأمن الداخلي، ومكافحة النفوذ الأجنبي، خصوصًا الإيراني، الذي كان يشكل تهديدًا طويل الأمد. وكان هذا الموقف اللبناني قد نجح في دفع إسرائيل إلى فتح الباب للتفاوض، مع التأكيد على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق شروطًا تضمن عدم تدخل أي طرف آخر في الشؤون اللبنانية.

في هذا السياق، ربما ربط نتنياهو قبول إسرائيل بالتفاوض مع لبنان بفصل لبنان عن إيران. فقد أدركت إسرائيل أن استمرار النفوذ الإيراني في لبنان، عبر حزب الله، يشكل تهديدًا أكبر لمصالحها الأمنية، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات في المنطقة. ومع التفاوض الأمريكي الإيراني، رأى نتنياهو في هذا التوقيت فرصة لإبعاد إيران عن الساحة اللبنانية، والتحرك نحو التفاوض المباشر مع الدولة اللبنانية. فتح باب التفاوض والقبول به يعني أن لبنان أصبح هو المتحكم في مصيره، مما يضعف النفوذ الإيراني في المنطقة. بذلك، كان نتنياهو يلتقط الأنفاس ولا يريد تعكير المسار الأمريكي الذي يمثل له حماية دائمة ووجودية.

لكن في المقابل، ظل لبنان يربط مستقبله العربي بعلاقاته مع الدول العربية، حيث أن التفاوض مع إسرائيل يتطلب توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على السيادة اللبنانية، وحماية مصالح الشعب اللبناني، دون التأثير سلبًا على علاقات لبنان التاريخية مع العالم العربي. ومن هنا كانت حكومة لبنان تسعى دائمًا إلى إبرام اتفاق هدنة يضمن سيادة لبنان واستقرار حدوده، بالإضافة إلى حماية السلام الأهلي الذي كان في خطر بسبب التصعيد الإسرائيلي المستمر.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن الأطراف المعنية من تجاوز الشروط المتناقضة والوصول إلى اتفاق يمكن أن يحقق السلام بين لبنان وإسرائيل؟ وهل يمكن لهذا التفاوض المباشر أن يكون خطوة نحو تحقيق استقرار دائم في المنطقة؟

https://hura7.com/?p=77773

الأكثر قراءة