د. محمّد الزّهراني
جريدة الحرة ـ بيروت
أتذكر أن أحدهم قال:”ليسَ هناكَ ما هوَ أسوأُ مِنْ يومٍ طويلٍ في وظيفةٍ مملةْ”.
خُبراء تنمية الذات يُوصُّون باختيار الوظيفة المُناسبة. وفي زمننا هذا لا يملك الانسان خِياراتٍ كثيرة ليختار وظيفة تلیق بقدراته، فنسبة البطاَّلة ما تزال عالية في كل دول العالم، وربما وصلت إلى 7% وبالتالي يقبلُ الشاب والشابة بأي وظيفة تُساعده على الحياة الكريمة، فقد تجد مُختصاً في الكيمياء أو الفيزياء يعمل في مصنع للأثاث، وآخر عاد بشهادةٍ مُحترمة في إدارة المعرفة ولم يجد وظيفةً إلا في مطعمٍ صغير؛ كموصِّلٍ للطلبات. وكما قالوا “العمل ليس عيباً“؛ طالما عمل الإنسان بكرامته وحصل على رزقه بالحلال، سيبارك الله رزقه ويعوضه خيراً يوماً ما.
– إذاً ما علاقة العمل بالحياة؟
الوظيفة في رأيي تُعتبر حياةً أُخرى، فعادةً يقضي الإنسان الطبيعي ما يُقارب (25) عاماً في وظيفة مُعيَّنة. إنها حياة وارتباط، وكأنَّه قد تزوج بامرأة أُخرى. وفي الغالب كُل الوظائف مُرهقة؛ فهي تستهلك ثلث يوم الإنسان، وعندما تُسيِّطر الوظيفة على حياتك تبدأ رحلة التعب والانهيار. في دراسة حديثة أشار نحو 76% من العمَّال إلى أن ضُغوط العمل أثَّرت على علاقاتهم الشخصيَّة وأشار 66% منهم إلى أن تلك الضغوط تسبَّبت في حِرمانهم من النوم، يقول أحدهم “الوظيفة صارت قيداً لا مفر منه؛ لا تجد إلاّ القليل من الوقت للجلوس مع العائلة أو الاعتناء بنفسك أو مُمارسة الأشياء التي تستمتع بها”.
وفي المقابل، يذكر أطباء الصحة العقليَّة بعض تأثيرات العمل على حياة الإنسان:
- الشعور الدائم بالقلق والتوتر يدّل على أن وظيفتك تُؤثر عليك بشكلٍ سلبي.
- الوظيفة السيِّئة قد تُسبب لك ما يُسمى بالإرهاق والاستنزاف العاطفي. إنه نوعٌ من الاحتراق السلبي حتى تصل إلى مرحلة التبلُّد وانعدام الدافع، وحين تُكافح من أجل الحصول على الرضا والمُتعة في عملك بلا جدوى، فهذا دليلٌ على أن وظيفتك تُؤثر على عمليات عقلك.
- الصدَّاع المُزمن، آلام المعدة، الأرق، ضُعف جهاز المناعة؛ كلها قد تكون من نتاج ضُغوط العمل.
- انعدام التوازن بين عملك وحياتك، فكثيرٌ من الناس يسرقه عمله من أهله.. ومن هواياته.. ومن العناية بصحته وذاته ولا ينتبه إلا حين يصل العقد السابع من عمره.
- هناك علاقة بين طبيعة العمل وبين عدائيِّة الأشخاص، وهذا يُؤدي إلى سوء العلاقات حتى مع أقرب الناس إلى الفرد، وبعض “المُتقاعدين” يعيشون ازدواجيَّة الإحساس حين يعودون إلى منازلهم.. وفجأةً يكتشفون أُسَرَهمْ لأوَّل مرَّة.
- الوظيفة التي لا تُحقق لك الرضا.. تُصيبك بالملل وتُؤثر على نفسيتك وقُدراتك العقليَّة على المدى الطويل.
والسؤال الآن: كيف تُحقق التوازن بين وظيفتك وحياتك؟
تقول الدكتورة: ماريسا سانفيلو:” الأمر ليس سهلاً.. ويحتاج إلى مُثابرة، لكنها ضرورة من أجل صحتك العقليَّة “، ثم قدَّمت بعض الاقتراحات المُساعدة:
– ” تقبل حقيقة أنه لا يُوجد توازن مثالي بين الحياة والعمل؛ لا تضع لتحقيقِ التوازن جدولاً مثالياً، بل كُن واقعيّاً وضع في جدولك ساعات مُتاحة للجلوس مع أهلك ومُمارسة هواياتك ومع الوقت ستجدها صارت عادة مُمكنة “.
– وفقاً لـــ “هيذر موناهان:” عندما تُريد التوازن.. من المهم أن تكون مرناً عند وضع جدولك اليومي.. ففي بعض الأحيان قد يحتاج أطفالك ساعاتٍ أطول، وأحياناً قد تحتاج هواياتك ساعاتٍ أکثر؛ وربما خصصت وقتاً خاصاً للسفر وحيداً “.
– حاول أن تجد الوظيفة التي تُحبها، أو على الأقل تجد فيها جوانب تُشعرك بالسعادة، فحياتك المهنيَّة لا ينبغي أن تكون بائسة، وحين تكره ما تقوم به فلن تكون سعيداً.
– لا تستمر في وظيفةٍ سامَّة مع أشخاص لا تشعر معهم بالود والمحبة؛ البيئة السلبيَّة تُسمم أفكارك وتُحبطك، ومن الأفضل البحث عن البديل فوراً.
– اهتم بصحتك، فهذا يُحقق التوازن، ولا بأس من الانقطاع عن العمل لفترات تُخصصها للاهتمام بصحتك، لتعود أكثر حماساً ورغبة في الإنتاجيَّة.
– خصّص وقتاً أو ساعاتٍ مُعيَّنة من كل أسبوع للانفصال عن العمل؛ لا تحمل هُموم عملك إلى منزلك، وليس شرطاً أن تتفقد صندوق بريدك الإلكتروني كل يوم.
تحكي موناهان: “كان مديري يقرأ رواية في السفر، بينما كُنت أفعل شيئاً يتعلَّق بالعمل، لم أفهم حينها أنه كان يمنح نفسه وقتاً للراحة بينما كُنت أزيد نفسي بعض الإرهاق”!
– خُذ إجازة، حتى ولو كانت طويلة، وبلا مُقابل مالي. الإجازة تحسِّن طاقتك الذهنيَّة حين تنفصل عن كل شيء يربطك بوظيفتك حتى لو كانت وظيفة جيِّدة.
– خَصَّص وقتاً يومياً لعائلتك، فمهما كانت علاقاتك مع زُملاء عملك جيِّدة وإيجابية فإنها لا تُساوي شيئاً مقارنةً بالحب الذي تلمسه مع عائلتك؛ المُؤسسة قد تستغني عنك في أي لحظة بينما عائلتك تبقى معك إلى الأبد. ومهما كانت الاقتراحات فالأمر يعود إلى قوة إرادتك.
هامش:
معظم الأفكار تم اقتباسها من المقالات التالية:
Overworking: The Effects on Mental Health. By: Haeli Harris. March 3, 2023.
https://www.nivati.com/blog/overworking-the-effects-on-mental-health
How to Improve Your Work-life Balance Today. By: Marisa Sanfilippo. Updated Oct 25, 2024). https://www.businessnewsdaily.com/5244-improve-work-life-balance-today.html
. Ways to Improve Your Work-Life Balance Today. By Sammi Caramela, B2B Staff Writer5
https://heathermonahan.com/boss-in-heels-press/improve-your-work-balance
شاعرٌ وكاتبٌ ومترجمُ سعوديٌّ. صدرَت لَهُ 9 إصدارات.


