جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تسعى الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب وحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA)، إلى تقسيم “القرية العالمية” إلى ثلاث كتل رئيسية: الولايات المتحدة، الصين، وروسيا. هذه الرؤية الجيوسياسية لا تعكس فقط طموحات أمريكا في الهيمنة على العالم، بل تهدف أيضًا إلى إخضاع أوروبا لسيطرة سياسية واقتصادية أمريكية، بهدف خدمة مصالحها على المدى الطويل.
الهوية القومية والاقتصادية: خلفيات رؤية “أمريكا ترامب“
إن النظرة الأمريكية تجاه “أوروبا القديمة” ليست مجرد رؤية سطحية أو عدائية، بل هي استراتيجية مفصلة تهدف إلى تغيير النظرة الأوروبية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية. فالحركة التي تقف وراء ترامب، وهي حركة مسيحية بيضاء ومحافظة، ترى أن التغيرات الكبرى التي تشهدها أوروبا تُشكل تهديدًا لهوية أمريكا وتؤثر في مصالحها.
هذه الرؤية تتغذى على “الهوس بالهوية” القومية، حيث تتصاعد المخاوف من المهاجرين والتغيرات الثقافية داخل المجتمع. وفي هذا السياق، ترى الإدارة الأمريكية أن أوروبا، بما تحمله من تحديات داخلية مثل الهجرة وتغير المناخ، قد تتخلى عن سياساتها الحالية لتتوافق مع النهج الأمريكي، وهذا بالطبع يناسب أجندتها الاستراتيجية.
التحديات الأوروبية: الهجرة، تغير المناخ، والمجتمع
في إطار هذه الاستراتيجية، يسعى ترامب إلى فرض تأثيره على القوانين الأوروبية التي تتعارض مع السياسة الأمريكية:
- الهجرة: تختلف القوانين الأوروبية عن تلك الأمريكية، حيث لا تسمح أوروبا بالأساليب المتطرفة التي تتبعها إدارة الهجرة الأمريكية (ICE) في اعتقال المهاجرين. بينما في أوروبا، هناك دعوات لسياسات هجرة أكثر صرامة ولكن دون اللجوء إلى أساليب قمعية.
- تغير المناخ: بينما تنكر الولايات المتحدة تغير المناخ، تلتزم أوروبا بالاتفاقات البيئية. ومن هنا، فإن الولايات المتحدة تعتبر نهج أوروبا في الطاقة النظيفة ذريعة اقتصادية قد تخدم مصالحها.
- المجتمع: تحمي القوانين الأوروبية حقوق الأقليات الجنسية واللاجئين، وهو ما يختلف تمامًا عن السياسات التي يتم تطبيقها في الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب.
- حرية التعبير: في أوروبا، هناك حدود قانونية لحرية التعبير، مثل حظر تحية النازية. لكن في الولايات المتحدة، يتم حماية كل شيء بموجب التعديل الأول للدستور، بما في ذلك الرموز المرتبطة بالكراهية.
“نظام أمريكي جديد” ومخاوف من هيمنة ترامب
إن الطموحات الأمريكية تحت قيادة ترامب ليست موجهة إلى النأي بنفسها عن أوروبا، بل إلى إعادة تشكيل القارة لتتناسب مع رؤيتها الخاصة. ومن هنا جاء التقارب مع دول مثل المجر وسلوفاكيا وإيطاليا، بالإضافة إلى دعم اليمين في فرنسا وألمانيا. هذه السياسة تهدف إلى إحياء الهوية الوطنية الغربية في أوروبا من خلال تعزيز القومية المسيحية البيضاء، وهو النهج الذي بدأ مع حركة حزب الشاي في الولايات المتحدة في أعقاب الأزمة المالية عام 2008.
كما يرى ترامب أن هذا النهج سيعزز الكتلة الغربية تحت المظلة الأمريكية، لكنه في نفس الوقت يسعى إلى تقويض المبادئ الليبرالية التي كانت تشكل الأساس لعلاقات الغرب، عبر تصعيد الانقسامات الداخلية في أوروبا.
التقارب مع روسيا والصين: ما وراء السياسات العالمية
على الرغم من أن الصين وروسيا قد يظنان أن هذا التقارب الأمريكي مع أوروبا يمثل بداية نهاية الهيمنة الغربية، فإن الولايات المتحدة ترى أن هذا النهج سيعيد تأكيد سيطرتها على الغرب. فهي تسعى إلى تفكيك القيود القانونية في أوروبا المتعلقة بالهجرة، اللوائح الاقتصادية، وحماية المناخ، بهدف بناء “غرب قوي” يستطيع مواجهة التحديات الاقتصادية والعسكرية التي تطرأ من الصين وروسيا.
في هذه الأثناء، كانت الولايات المتحدة قد بدأت تنفيذ سياسة مبدأ مونرو في أمريكا اللاتينية، حيث أصبحت فنزويلا واحدة من أبرز الأمثلة على هذا التحول. وتُعد هذه السياسة أحد أسس الإمبريالية الحديثة التي تروج لها أمريكا، والتي تعتمد على المساعدات، الحماية العسكرية، واحتكار خدمات الأقمار الصناعية.
أين يذهب المستقبل؟
مع ترسخ هذه السياسة، تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة الصين اقتصاديًا وروسيا عسكريًا، بينما تبقى أوروبا في حالة من الغموض. في الوقت الحالي، لا يبدو أن هناك إجابة واضحة حول كيفية تفاعل أوروبا مع هذه السياسات. ولكن ما هو مؤكد هو أن الولايات المتحدة تواصل تعزيز موقفها الإمبريالي على الساحة العالمية.
إن ما تطرحه سياسة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (MAGA) يشير إلى تحول جذري في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع شراكاتها العالمية، وخاصة مع أوروبا. هي ليست مجرد رؤية اقتصادية أو سياسية، بل هي استراتيجية إمبريالية تهدف إلى تشكيل العالم وفقًا للمصالح الأمريكية، حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ التي طالما قامت عليها العلاقات الغربية.


