جريدة الحرة بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي
تشبه سياسة الولايات المتحدة في تعاملها مع الصراع الأوكراني موقف الإغوانا التي تراقب فريستها بصبر وانتظار، إذ تبدو واشنطن في المرحلة الحالية وكأنها تترقب أي طرف من أطراف النزاع سيتراجع أولًا، بدلًا من السعي إلى فرض تسوية مباشرة وسريعة.
فقد دخلت روسيا والولايات المتحدة جولة جديدة من الاتصالات المكثفة بشأن الأزمة الأوكرانية، وهي الجولة الثالثة من نوعها، لكنها لا تختلف كثيرًا عن المراحل السابقة من حيث طبيعة التوقعات والنتائج. فكل طرف يحاول اختبار قدرة الطرف الآخر على الصمود، بينما تبقى التسوية النهائية بعيدة المنال بسبب استمرار التباعد في المواقف الأساسية.
انزعاج روسي من التحول في الموقف الأمريكي
كمارريبدو أن موسكو تشعر بقلق متزايد من التحولات الأخيرة في الموقف الأمريكي تجاه أوكرانيا، خصوصًا مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى استقبال القيادة الأوكرانية في البيت الأبيض، والسماح لأوكرانيا بتطوير قدراتها الدفاعية والصاروخية، وهو ما اعتبرته روسيا مؤشرًا على استمرار الدعم الأمريكي لكييف، رغم الحديث المتكرر عن ضرورة الوصول إلى تسوية سياسية.
وقد عكس اجتماع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الأمريكي ماركو روبيو في مانيلا طبيعة المرحلة الحالية في العلاقات الروسية–الأمريكية، أو بالأحرى حالة الجمود التي تسيطر عليها. فالاجتماع الذي استمر لأكثر من نصف ساعة لم يتحول إلى حوار سياسي عميق، بل اقتصر على تبادل المواقف الرسمية، رغم أن الطرفين يدركان أن الملف الأوكراني يمثل العقبة الأساسية أمام أي تطور حقيقي في العلاقات الثنائية.
اتصالات دبلوماسية بلا اختراق سياسي
لقد جاء هذا الاجتماع ضمن مسار بدأ باتصالات رفيعة المستوى بين موسكو وواشنطن، كان أبرزها الاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأمريكي والروسي في يوليو/تموز، إضافة إلى سلسلة من التصريحات الأمريكية التي أكدت الرغبة في العودة إلى مسار التسوية الأوكرانية.
كما تزامنت هذه الاتصالات مع محاولات أمريكية لإعادة فتح قنوات الحوار مع موسكو بعد مشاورات مع الحلفاء الأوروبيين والقيادة الأوكرانية. إلا أن غياب النتائج الملموسة من اجتماع وزيري الخارجية أظهر أن الخلافات الأساسية لا تزال قائمة، وأن مجرد استمرار التواصل الدبلوماسي لا يعني بالضرورة وجود تقدم حقيقي نحو إنهاء الحرب.
فالعلاقات الروسية–الأمريكية لا يمكن أن تشهد تطبيعًا واسعًا قبل الوصول إلى حل للنزاع الأوكراني، بينما تبقى القضايا الأخرى، مثل العلاقات الاقتصادية أو إعادة تفعيل عمل البعثات الدبلوماسية، ملفات ثانوية أمام حجم الخلاف العسكري والسياسي.
ثلاث جولات من الاتصالات حول أوكرانيا
يشهد الملف الأوكراني حاليًا الجولة الثالثة من الاتصالات المكثفة بين موسكو وواشنطن. فقد بدأت الجولة الأولى مع الاتصالات الرئاسية في بداية عام 2025، وترافقت مع محاولات لعقد مفاوضات مباشرة بين روسيا وأوكرانيا. أما المرحلة الثانية فقد جاءت بعد قمة أنكوريج، ووصلت إلى محادثات ثلاثية، لكنها سرعان ما فقدت زخمها مع استمرار الخلافات وعدم قدرة الأطراف على الوصول إلى أرضية مشتركة.
وتتشابه جميع هذه المراحل في نمط واحد؛ إذ تبدأ واشنطن بعرض دور الوسيط، ثم تبدأ مرحلة من إعادة تقييم المواقف، تليها اتصالات مباشرة بين الأطراف، قبل أن تتراجع الجهود بسبب عدم استعداد أي طرف لتقديم تنازلات سياسية كبيرة. فالسبب الرئيسي وراء تعثر المفاوضات يعود إلى أن روسيا وأوكرانيا لم تصلا بعد إلى قناعة بأن تحقيق أهدافهما عسكريًا أصبح أمرًا مستحيلًا، وبالتالي لا يوجد دافع قوي لقبول تسوية سياسية مؤلمة.
الحسابات الأمريكية تجاه الحرب
كان الحماس الدبلوماسي الأمريكي في المراحل السابقة قائمًا على اعتقاد بأن الحرب قد تنتهي بسرعة، وأن واشنطن ستكون قادرة على تحقيق مكاسب سياسية من خلال لعب دور الوسيط. وقد اعتقد ترامب في بدايات ولايته الثانية أن أوكرانيا لن تستطيع الاستمرار في مواجهة روسيا دون دعم أمريكي، وأن الضغط العسكري والسياسي قد يدفع كييف في النهاية إلى قبول تسوية تتضمن تنازلات، مع محاولة الحفاظ على حدود معينة تمنع توسع النفوذ الروسي بشكل أكبر.
وفي الوقت نفسه، استخدمت الولايات المتحدة الملف الأوكراني كأداة ضغط على حلفائها الأوروبيين، إذ طالبتهم بتحمل مسؤوليات أكبر في مجال الدفاع، وزيادة الإنفاق العسكري، وتقليل الاعتماد على واشنطن في حماية الأمن الأوروبي.
أوروبا وإعادة تشكيل دورها الأمني
خلال الأشهر التي أعقبت قمة أنكوريج، بدأت الدول الأوروبية بتعبئة موارد مالية وعسكرية أكبر لمواجهة روسيا، ليس فقط في إطار الحرب الأوكرانية، بل ضمن رؤية أوسع تتعلق بمستقبل الأمن الأوروبي. وفي قمة الناتو، حاول الحلفاء الأوروبيون إظهار استعدادهم لتحمل مسؤوليات أكبر، بما في ذلك زيادة الإنفاق الدفاعي وشراء المزيد من المعدات العسكرية الأمريكية. ويبدو أن واشنطن كانت راضية عن هذا التطور، إذ إن أحد أهدافها الأساسية كان دفع أوروبا إلى تحمل جزء أكبر من أعباء الأمن والدفاع.
أوكرانيا من أداة ضغط إلى ورقة تفاوض
نتيجة لهذه التطورات، لم تعد أوكرانيا مجرد أداة ضغط أمريكية على الحلفاء الأوروبيين، بل أصبحت ورقة تفاوضية أكثر تعقيدًا. فقد ظهر نوع من التضامن الغربي المعلن تجاه دعم كييف، سواء في اجتماعات مجموعة السبع أو قمم الناتو. لكن هذا الدعم السياسي لم يرافقه حتى الآن خطوات عسكرية حاسمة تغير طبيعة الصراع، باستثناء وعود محدودة بتقديم بعض الأنظمة الدفاعية. ورغم الحديث عن انتهاء مرحلة “روح أنكوريج”، فإن جوهر الموقف الأمريكي لم يتغير بشكل كبير، إذ لا يزال قائمًا على البراغماتية السياسية وليس على موقف أيديولوجي مؤيد لطرف معين بشكل مطلق.
واشنطن تنتظر تراجع أحد الأطراف
يتمثل الاختلاف الأساسي في المرحلة الحالية في أن الولايات المتحدة لم تعد تنتظر فشل أوكرانيا كما كان يُعتقد سابقًا، بل أصبحت تراقب احتمال تراجع موسكو تحت ضغط الظروف العسكرية والسياسية. فالمعادلة الحالية تقوم على الانتظار، فواشنطن تريد معرفة أي طرف سيصل أولًا إلى مرحلة يصبح فيها استمرار الحرب أكثر تكلفة من تقديم تنازلات. ولهذا يمكن تلخيص طبيعة الحوار بين موسكو وواشنطن بأنه تواصل مستمر دون اختراق حقيقي، حيث يدرك الطرفان أن الطريق نحو التسوية لا يزال طويلًا.
مستقبل الصراع واحتمالات التسوية
من المتوقع أن تستمر الاتصالات الأمريكية–الروسية خلال الفترة المقبلة، سواء عبر زيارات المبعوثين أو الاتصالات الهاتفية أو اللقاءات الدبلوماسية المختلفة. إلا أن استمرار الحوار لا يعني بالضرورة قرب التوصل إلى اتفاق. فالولايات المتحدة تسعى على الأقل إلى الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، بانتظار تغير الظروف السياسية أو العسكرية التي قد تفرض واقعًا جديدًا على أطراف الصراع.
وفي النهاية، تبدو واشنطن وكأنها تتبع سياسة الانتظار الطويل، مراقبةً تطورات الحرب ومستوى قدرة كل طرف على الصمود. فالصراع الأوكراني لم يعد مجرد مواجهة بين روسيا وأوكرانيا، بل أصبح جزءًا من صراع أوسع يتعلق بتوازن القوى العالمي ومستقبل العلاقات بين موسكو والغرب. وكما في قصة الإغوانا التي تراقب فريستها بصبر حتى تصل إلى اللحظة المناسبة، يبدو أن الولايات المتحدة تراقب مسار الأزمة، منتظرةً أن يصل أحد أطراف الصراع إلى نقطة التراجع أولًا. أما موسكو، فهي تدرك طبيعة هذه الاستراتيجية وتحاول التعامل معها وفق حسابات طويلة الأمد.


