جريدة الحرة ـ بيروت
بقلم : د. خالد العزي مدونة د. خالد العزي

تستعد اليابان بشكل متزايد للانخراط في صراعات عسكرية مع روسيا والصين، في خطوة تكشف عن تحول جذري في الاستراتيجية العسكرية للبلاد، مدعومًا بتحولات سياسية داخلية. يتزايد الخطاب الانتقامي من قبل الحكومة اليابانية، وهو ما يجد دعماً قوياً من الولايات المتحدة، التي تتبنى سياسة مماثلة في ما يتعلق بجزر الكوريل، حيث ترفض واشنطن الاعتراف بسيادة روسيا على هذه الجزر، مما يعزز رغبة اليابان في استعادتها. ورغم صعوبة تصور حرب مباشرة مع روسيا أو الصين في الوقت الراهن، فإن التحولات العسكرية والتسليحية في اليابان تثير مخاوف متزايدة بشأن التصعيد المستقبلي.
الخطاب المتصاعد في السياسة والعسكر
أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايشي، التي حقق حزبها الديمقراطي الليبرالي فوزًا كبيرًا في الانتخابات البرلمانية، أن اليابان تعتزم تعديل دستورها “السلمي”. وقالت في خطابها: “بناءً على التطورات والمناقشات الحالية التي جرت خلال هذه الفترة، فضلاً عن حشد تعاون جميع الفصائل البرلمانية، فإنني عازمة على العمل الجاد لإعداد مشروع تعديل وتهيئة الظروف لإجراء استفتاء مبكر على تغيير الدستور.” يهدف هذا التعديل إلى تخفيف القيود التي فرضها الدستور بعد الحرب العالمية الثانية، والذي منع اليابان من امتلاك جيش هجومي وفرض الدستور السلمي، الذي يمنعها من شن الحروب خارج حدودها.
إحياء القضايا التاريخية: جزر الكوريل
من القضايا التاريخية المثيرة للجدل التي أعادت اليابان إحيائها هو نزاعها على جزر الكوريل مع روسيا. في السنوات الأخيرة، بدأت طوكيو تكثف خطاباتها الانتقامية حيال هذه الجزر، حيث تعتبرها اليابان جزءًا من أراضيها. تدعم الولايات المتحدة هذا الموقف الياباني، مما يعزز فكرة الانفصال عن روسيا من خلال إقامة قواعد عسكرية أمريكية على الجزر، وهو ما يُظهر توجهين متوازيين: رغبة اليابان في استعادة الكوريل، ودور الولايات المتحدة في تقويض السيادة الروسية على هذه الأراضي.
روسيا بين الحرب في أوكرانيا وتخوفات من استعادة اليابان لجزر الكريل
تتخوف روسيا من ردة فعل سريعة وقوية من اليابان التي حسّنت قدراتها العسكرية في مجال الصناعات الحربية بشكل واسع، بشأن استعادة جزر الكوريل المتنازع عليها منذ عام 1945. حيث ترفض موسكو توقيع اتفاقية سلام مع طوكيو لحل هذه الأزمة العالقة. ومع تدخل روسيا العسكري في أوكرانيا عام 2022، مطالبة بالسيطرة على أراضٍ كانت في عهد الإمبراطورية الروسية لمدة أربعة قرون، بدأ هذا الطلب مقبولًا نظرًا لأن الحرب بين روسيا وأوكرانيا جعلته أكثر تقبلاً على حساب أوكرانيا، مما ساعد في زيادة الضغط الدولي على كييف للقبول بمطالب روسيا. بينما تفرض الولايات المتحدة واقعًا جديدًا على أوكرانيا بترك أراضيها، ما جعل طوكيو تشعر بالثقة للمضي قدمًا في السعي للسيطرة على الجزر المحتلة. في ظل انشغال روسيا في حربها ضد أوكرانيا وعدم قدرتها على فتح جبهة جديدة، يبدو أن التاريخ قد يعيد نفسه، حيث قد تنشأ جبهة جديدة بين اليابان وروسيا في ظل هذا الوضع.
الخطوات العسكرية في عهد شينزو آبي
في عهد رئيس الوزراء السابق شينزو آبي، بدأ اليابانيون في اتخاذ خطوات فعالة لتخفيف القيود المفروضة على قوات الدفاع الذاتي. ففي تلك الفترة، أصبحت قوات الدفاع الذاتي اليابانية تتمتع بقدرة العمل خارج البلاد، بما في ذلك حماية الحلفاء. وكان آبي من المبادرين إلى إنشاء حلف الرباعي (QUAD) بالتعاون مع الولايات المتحدة وأستراليا والهند، وهو تحالف أمني يهدف إلى تعزيز التعاون العسكري في منطقة المحيط الهادئ.
زيادة التسليح وتطوير القوات البحرية اليابانية
تحت رئاسة آبي، شهدت اليابان تحولًا كبيرًا في قدراتها العسكرية. بدأت طوكيو في زيادة مشترياتها من الأسلحة الأمريكية، وعلى وجه الخصوص مقاتلات الجيل الخامس مثل إف-35، حيث تم طلب 42 طائرة في 2011، و105 طائرات أخرى في 2020. وامتدت هذه التحولات العسكرية لتشمل الترسانة البحرية اليابانية، حيث تم تطوير سفن هجومية شبيهة بـ سفن الإنزال الأمريكية (UDC) مثل مدمرات طائرات هليكوبتر من فئة Hyuga، والتي تستخدم كـ حاملات طائرات كاملة.
الوجود الأمريكي على الأراضي اليابانية وتعزيز القدرات الدفاعية
الولايات المتحدة، التي تتمتع بوجود عسكري طويل الأمد في اليابان، بدأت في تعزيز الدفاعات الصاروخية عبر نشر أنظمة Aegis Ashore على السفن اليابانية. بينما تم تحويل هذه الأنظمة لتصبح قاذفات هجومية، يمكن استخدامها في إطلاق صواريخ توماهوك. وفي السنوات الأخيرة، أعلنت الولايات المتحدة عن نية نشر صواريخ متوسطة المدى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ كجزء من استراتيجيتها للحد من قدرات الصين الصاروخية. ووفقًا لتصريحات الجنرال تشارلز فلين، قائد القوات البرية الأمريكية في المحيط الهادئ، فإن نشر هذه الأسلحة في اليابان سيشكل عنصرًا محوريًا في الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة الصواريخ الصينية.
تعزيز القدرات العسكرية اليابانية: تزايد التهديدات
مع التحولات العسكرية المتسارعة، تزايدت الاستعدادات العسكرية في اليابان، بحيث باتت البلاد مستعدة بشكل متزايد للانخراط في حروب غير تقليدية، بما في ذلك الضربات الاستباقية ضد أعدائها المفترضين. في الوقت نفسه، أصبحت اليابان جزءًا رئيسيًا من الهيكل الأمني الأمريكي في منطقة المحيط الهادئ، مما يجعلها منصة استراتيجية محتملة لمواجهة التهديدات العالمية. وعلى الرغم من عدم وجود ضمانات لدخول اليابان في حرب مباشرة مع روسيا أو الصين في المستقبل القريب، فإن التعديلات العسكرية المستمرة في البلاد تجعل من غير الممكن تجاهل احتمالية التصعيد.
التنسيق بين روسيا والصين في وجه التهديدات اليابانية
في مقابلة حديثة، تحدث نيكولاي باتروشيف، مساعد الرئيس الروسي، عن التوجهات الانتقامية اليابانية، مؤكدًا أن اليابان اليوم هي واحدة من أقوى القوى البحرية في العالم. وأشار إلى أن تعزيز الإمكانات الدفاعية الروسية في الشرق الأقصى وتوسيع القوات البحرية الروسية في المحيط الهادئ سيكون من أولويات روسيا لمواجهة أي تهديد محتمل من اليابان.
وقد اتفقت روسيا و الصين على تعزيز التنسيق العسكري في المنطقة لمواجهة ما يعتبرونه التوسع العسكري الياباني. وبالمثل، فإن كوريا الشمالية تلعب دورًا مهمًا في تعزيز التحالفات في الشرق الأقصى لمواجهة أي تطور قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي.
اليابان والتهديدات المستقبلية: وضع طوكيو كحليف استراتيجي في الحرب العالمية المقبلة
مع تزايد الحديث عن التهديدات العسكرية اليابانية، أصبح من غير الممكن تجاهل احتمال دخول اليابان في النزاع العسكري كـ جبهة ثانية في حال نشوب صراع عالمي بين الناتو و روسيا و الصين. وعلى الرغم من غياب الضمانات لشن هجوم ياباني مباشر في المستقبل القريب، فإن اليابان تحت قيادة تاكايشي قد تصبح منصة رئيسية للهجوم في حالة تفجر حرب عالمية جديدة، خاصة إذا قامت الولايات المتحدة باستخدام الأراضي اليابانية كـ قاعدة للهجوم في سياق الاستراتيجيات العسكرية الأمريكية.
بينما يسعى تاكايشي وحكومتها إلى إلغاء الدستور “السلمي”، يبدو أن اليابان تتجه نحو تحويل نفسها إلى قوة عسكرية هجومية، مدعومة من الولايات المتحدة. ومع تكثيف خطاب الانتقام الياباني وتزايد القدرة العسكرية، يمكننا أن نتوقع تطورًا في سياسة طوكيو قد يؤدي إلى تصعيد النزاع مع روسيا والصين.
تشير هذه التحولات إلى أن اليابان قد تكون على وشك دخول مرحلة جديدة من الصراعات العسكرية، التي قد تضعها في مواجهة مباشرة مع قوى كبرى، مما يهدد الأمن الإقليمي والعالمي. إن التحولات في السياسات العسكرية، وتزايد الخطاب الانتقامي، وتعزيز التسلح العسكري تؤشر إلى أن اليابان تستعد بشكل متسارع لدخول صراعات عسكرية قد تشمل روسيا والصين في المستقبل القريب. ومع ذلك، تستمر المخاوف من أن تصبح اليابان ساحة محتملة للصراعات الكبرى في الشرق الأقصى، في حال حدوث تصعيد بين القوى الكبرى.


