الأكثر قراءة

انقسامات أوروبية بشأن مسار العقوبات على إسرائيل

جريدة الحرة بيروت

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

يتصاعد الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي بشأن فرض عقوبات على إسرائيل بسبب توسيع المستوطنات في الضفة الغربية، في وقت تتبنى فيه ألمانيا موقفًا متحفظًا يدعو إلى الحوار ويشكك في آلية إقرار القيود التجارية. يعكس هذا الموقف استمرار الانقسام الأوروبي حول كيفية التعامل مع سياسة الاستيطان الإسرائيلية.

موقف ألماني متحفظ تجاه إسرائيل

تتخذ الحكومة الألمانية موقفًا متحفظًا في النقاش الدائر بشأن فرض عقوبات جديدة للاتحاد الأوروبي بسبب التوسع في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية. صرح وزير الخارجية يوهان فاديفول في بروكسل بأنه يفضل الاعتماد على إجراء محادثات فعالة مع الحكومة الإسرائيلية.

كما أوضح أن أي قيود أو حظر محتمل على استيراد البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لا يمكن، من وجهة نظره، إقرارها إلا بالإجماع. وهذا من شأنه أن يجعل اعتماد مثل هذه العقوبات مستحيلًا إذا عارضتها ألمانيا ودول أخرى متحفظة على هذه الخطوة.

انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي

يشهد الاتحاد الأوروبي منذ بداية العام 2026 نقاشًا حادًا بشأن كيفية التعامل مع سياسة الاستيطان الإسرائيلية. وتتفق الدول الأعضاء على أنها تنتهك القانون الدولي، لكنها لم تتمكن حتى يوليو من العام 2026 من الاتفاق على فرض عقوبات واسعة النطاق.

وقبيل اجتماع وزراء الخارجية، أعدت المفوضية الأوروبية خيارات تتعلق بقيود تجارية محتملة. غير أن التحديد الواضح للموقف الألماني يجعل إحراز تقدم سريع أمرًا غير مرجح. ولذلك، بات على مؤيدي الإجراءات التجارية التعويل على إمكانية الطعن في الموقف الذي تتبناه ألمانيا والمفوضية الأوروبية ودول أعضاء أخرى، والقائل بضرورة الإجماع لاعتماد هذه الإجراءات.

نقاش حول شرط الإجماع

تقول الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، خلال اجتماع وزراء الخارجية، إن هناك تفسيرات قانونية مختلفة، وإن الدائرة القانونية التابعة لمجلس الدول الأعضاء ترى أن الإجراءات التجارية لا تتطلب سوى أغلبية مؤهلة.

وهذا يعني أن موافقة 15 دولة فقط من أصل 27 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي ستكون كافية، على أن تمثل هذه الدول مجتمعة ما لا يقل عن 65 بالمئة من إجمالي سكان الاتحاد الأوروبي.

أما فيما يتعلق بسياسة الاستيطان نفسها، فقد أعرب فاديفول عن موقف انتقادي مماثل لموقف مؤيدي العقوبات من دول مثل إسبانيا وفرنسا والسويد وبلجيكا وأيرلندا. وتابع “لدينا موقف واضح بشأن سياسة الاستيطان. إنها لا تتوافق مع القانون الدولي”. وأضاف أن بلاده تتوقع من الحكومة الإسرائيلية أن تتخذ إجراءات صارمة وحازمة ضد المستوطنين العنيفين. وأكد أنه أوضح هذا الموقف كذلك خلال زيارته إلى إسرائيل في يوليو من العام 2026.

توجهات السياسة الخارجية للتكتل تجاه إسرائيل

تكشف المواقف المتباينة بشأن العلاقات مع إسرائيل عن تصاعد التنافس بين المفوضية الأوروبية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس حول الجهة التي تحدد توجهات السياسة الخارجية للتكتل، وهو ما ينعكس سلبًا على تماسك الموقف الأوروبي.

وباتت إسرائيل بشكل متزايد نقطة اشتعال للخلافات بين كالاس وبقية المفوضية الأوروبية بشأن من يقود السياسة الخارجية للاتحاد. كشفت شبكة “يورونيوز” في 22 يونيو من العام 2026 أن دوبرافكا شويتسا، مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون البحر المتوسط، كانت في زيارة إلى إسرائيل.

وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية لاحقًا إن الزيارة كانت قيد الإعداد منذ فترة طويلة، إلا أنها لم تُعلن على الصفحة الرسمية الخاصة بالمفوضة، ما فاجأ عددًا من العواصم الأوروبية. لم تتمكن المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية، باولا بينيو، من تفسير سبب عدم الإعلان عن الزيارة بالشكل المناسب، مكتفيةً بالقول إن الأمر “سيُراجع”.

خلافات بشأن إسرائيل

جاءت الزيارة بعد إعلان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قطع جميع الاتصالات مع كالاس، عقب تقارير زعمت أنها شبّهت إسرائيل بجنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري.

ورغم أن الزيارة كانت مخططة قبل اندلاع هذا الخلاف، فإن فريق كالاس تساءل عن توقيتها في ضوء الأحداث الأخيرة، وأكد أهمية الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي. وخلال مؤتمر صحفي وجّه ساعر انتقادًا مبطنًا إلى كالاس، ما دفع عددًا من الدبلوماسيين الأوروبيين إلى توجيه اللوم لشويتسا بسبب عدم دفاعها عن زميلتها.

وكتب جوزيب بوريل، المسؤول السابق عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على منصة “إكس”: “يا له من عرض رائع لـ”التضامن والتنسيق” داخل الاتحاد الأوروبي”. وكان بوريل قد دخل في خلافات متكررة مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بشأن إسرائيل خلال فترة توليه المنصب.

توجه أوسع للمفوضية الأوروبية في ملفات السياسة الخارجية

ليست هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها شويتسا مسارًا مستقلًا بعيدًا عن مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية والعواصم الأوروبية. فقد كانت كذلك الممثلة المؤسسية الوحيدة للاتحاد الأوروبي التي انضمت إلى “مجلس السلام”، وهي مبادرة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبناء السلام في غزة، بينما قاطعتها معظم الدول الأوروبية باعتبارها منافسةً لدور الأمم المتحدة.

ووفقًا لعدد من الدبلوماسيين الأوروبيين الذين تحدثوا إلى يورونيوز شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، فإن هذه التحركات ليست مبادرات شخصية، بل جزء من توجه أوسع للمفوضية الأوروبية لتعزيز سيطرتها على ملفات السياسة الخارجية.

وقال أحد الدبلوماسيين: “شويتسا تحظى بدعم فون دير لاين لاتخاذ هذه المبادرات، وهذا ليس سرًا. السؤال هو: ما حجم الضرر الذي قد يسببه ذلك؟”. وأضاف دبلوماسي آخر أن الزيارة تحمل رسالةً إلى كالاس مفادها أن “فون دير لاين لا تحتاج إليها”.

تتعرض دائرة العمل الخارجي الأوروبي لضغوط متزايدة مع استمرار فون دير لاين في توسيع نفوذ المفوضية الأوروبية في الملفات الجيوسياسية. أشارت تقارير في يونيو من العام 2026 إلى أن بعض الدول الأعضاء تدرس تقليص صلاحيات دائرة العمل الخارجي الأوروبي، رغم أن ذلك لم يكن سوى أحد الخيارات المطروحة إلى جانب تعزيز دور الممثل الأعلى للسياسة الخارجية.

سياسات متباينة في أجندة السياسة الخارجية الأوروبية

تُعد إسرائيل ربما القضية الأوضح التي يظهر فيها هذا التنافس على رسم أجندة السياسة الخارجية الأوروبية. ورحبت عضوة البرلمان الأوروبي هيلدغارد بينتيلي، رئيسة وفد العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، بكون كالاس ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن العلاقات الخارجية. وقالت: “بدلًا من الخطاب المثير للانقسام تجاه إسرائيل من قبل كالاس، أُقدر وأدعم بالكامل النهج المسؤول والعملي والبناء والمنفتح الذي تتبعه المفوضة شويتسا”.

في المقابل، مارست غالبية الدول الأعضاء، إلى جانب كالاس، ضغوطًا على المفوضية الأوروبية لطرح قيود تجارية تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

قالت عضوة البرلمان الأوروبي لوتشيا أنونتسياتا: “من الواضح أن المفوضية تمارس سياسة تعطيل لأي إجراءات ضد إسرائيل”، مشيرةً إلى المناقشات الطويلة بشأن تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. وأضافت: “الأمور بدأت تتحرك ببطء الآن، وربما يعود ذلك إلى ضغوط الدول الأعضاء”.

أيد قادة الاتحاد الأوروبي في يونيو من العام 2026 بيانًا يدعو المفوضية إلى تقديم خيارات قبل الاجتماع المقبل لوزراء الخارجية في 13 يوليو من العام 2026. وعندما سُئل المتحدث باسم المفوضية لشؤون التجارة أولوف غيل عن هذه الخيارات خلال مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء، رفض “التكهن” بمضمونها.

التوتر سمة هيكلية وليست خللًا

تشير مصادر دبلوماسية إلى أن التوتر بين المفوضية الأوروبية ودائرة العمل الخارجي الأوروبي لا يتعلق بمفوضة بعينها، بل هو مسألة هيكلية داخل مؤسسات الاتحاد. فقد أُنشئت المديرية العامة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج التابعة لشويتسا مع بداية ولاية المفوضية الحالية تحديدًا لاستيعاب بعض صلاحيات السياسة الخارجية.

بذلك يبدو أن منصب مفوضة البحر المتوسط صُمم ليشكل تداخلًا مع اختصاصات دائرة العمل الخارجي الأوروبي، بما يسمح للسلطة التنفيذية الأوروبية بالتدخل في ملفات السياسة الخارجية عندما ترى أن الوقت مناسب لاتخاذ مبادرات دبلوماسية مستقلة. وقال دبلوماسي ثالث: “لدى المفوضة حقيبة اختصاص خاصة بها، ويجب أن تكون قادرةً على العمل في الملفات التابعة لها”، معترفًا بأن هذه الصلاحيات نُقلت من دائرة العمل الخارجي الأوروبي في بداية الولاية الحالية.

ومع ذلك، يرى آخرون أن النتيجة النهائية لهذا التداخل تتمثل في إضعاف تماسك الموقف الأوروبي في مجال السياسة الخارجية، وهو أصلًا من أكثر الملفات تعقيدًا بسبب تباين مواقف الحكومات الأوروبية. وكما قال أحد الدبلوماسيين: “إذا أردت التماسك، فعليك أن تعمل من أجله”.

https://hura7.com/?p=81525

 

الأكثر قراءة