جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
تواجه دول الاتحاد الأوروبي صعوبةً في التوصل إلى موقفٍ موحدٍ بشأن التعامل مع المستوطنات الإسرائيلية، في ظل تباين المواقف السياسية بين العواصم الأوروبية. ويعكس استمرار الخلافات تعقيد اتخاذ قراراتٍ مشتركةٍ في ملفات السياسة الخارجية الحساسة.
سلسلة من الخيارات لفرض عقوباتٍ على مستوطنات إسرائيلية
فشل سفراء الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى اتفاقٍ بشأن الخطوات التالية لفرض عقوباتٍ على المستوطنات الإسرائيلية، وفي ظل غياب أغلبيةٍ تؤيد أيَّ خيارٍ، أقرَّ الدبلوماسيون بأنه لا يوجد مسارٌ واضحٌ للمضي قدمًا. حيث ناقشت الدول الأعضاء مرةً أخرى خيارات التدابير التقييدية ضد المستوطنات غير القانونية في إسرائيل، لكن لم تدعم أيُّ أغلبيةٍ مسارَ عملٍ محددًا، وما زال الغموض يحيط بالرؤية والاتجاه.
ففي 22 يوليو من العام 2026، عادت المسألة الحساسة المتعلقة بالعلاقات مع إسرائيل إلى طاولة سفراء الاتحاد الأوروبي، الذين ناقشوا الخطوات التالية بشأن سلسلةٍ من الخيارات لفرض عقوباتٍ على مستوطنات البلاد في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتراوحت الخيارات، بين التطبيق الأكثر صرامةً لشبكة القواعد الحالية الخاصة بوسم منتجات المستوطنات، وفرض تعريفاتٍ جمركيةٍ مرتفعةٍ، وصولًا إلى حظرٍ تجاريٍ كاملٍ، وهي الخيارات التي نوقشت خلال الاجتماع الأخير لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي.
لم يكن هناك دعم كاف لتأييد الخيارات المطروحة
ووفقًا لمسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، فإن “الخيار الذي حظي بأكبر قدرٍ من الدعم كان حظر التجارة مع المستوطنات غير القانونية”. كما طرحت هي نفسها فكرة عقد اجتماعٍ استثنائيٍ لوزراء الخارجية لدفع هذا الملف قدمًا. لكن مناقشة السفراء، التي كان الهدف منها تقديم توجيهٍ سياسيٍ للرئاسة الأيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي، لم تسفر عن مؤشرٍ واضحٍ.
وصرح أربعة دبلوماسيين لشبكة يورونيوز بأنه لم يكن هناك دعمٌ كافٍ لتأييد أيٍّ من الخيارات المطروحة. وقال دبلوماسيٌ في الاتحاد الأوروبي لشبكة يورونيوز، شريطة عدم الكشف عن هويته: “لا يوجد اتجاهٌ حقيقيٌ للحل، فالدول الأعضاء لم ترغب في التحرك قدمًا في الوقت الحالي”.
إسرائيل تثير الانقسام بين العواصم الأوروبية
بموجب معاهدات الاتحاد الأوروبي، يمكن للمجلس أن يطلب من المفوضية، بأغلبيةٍ بسيطةٍ، تقديم اقتراحٍ. وحتى يوليو من العام 2026، أبدت السلطة التنفيذية للاتحاد الأوروبي ترددًا في المضي قدمًا بشأن العقوبات ضد المستوطنات الإسرائيلية، تقديرًا منها بأن الدعم السياسي غير كافٍ.
ولا تزال إسرائيل تشكل قضيةً مثيرةً للجدل بين العواصم الأوروبية؛ فبينما تضغط دولٌ مثل هولندا والسويد وفرنسا لتشديد القيود على الواردات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، تقاوم ألمانيا وتشيكيا التحركات التي قد تؤدي إلى إبعاد الحكومة الإسرائيلية واستفزازها.
قال دبلوماسيٌ ثانٍ: “تبحث بعض الدول الأعضاء عن مسارٍ للمضي قدمًا، لكن دولًا أخرى لا تتحرك في أي اتجاهٍ على الإطلاق. ولم نتمكن من قراءة ما يحدث بصورةٍ دقيقةٍ”. إن الدعم الموجه لحظرٍ تجاريٍ ليس بعيدًا عن الأغلبية البسيطة، إلا أن الحد الأدنى المتمثل في 14 دولةً عضوًا لم يكتمل بعد. وتشير التقارير إلى أن نحو سبع دولٍ تعارض أيًّا من المقترحات، بينما لم تتخذ دولٌ أخرى موقفًا بعد.
مع عدم وجود ما يرجح كفة أيِّ خيارٍ، يتفق الدبلوماسيون على أنه لا يوجد تصورٌ واضحٌ لما سيأتي لاحقًا. وتزداد الصورة تعقيدًا بسبب الانتخابات البرلمانية المرتقبة في إسرائيل أواخر أكتوبر من العام 2026، مما يجعل أيَّ تحركٍ من جانب الاتحاد الأوروبي أقل احتمالًا، خشية أن يُنظر إليه على أنه تدخلٌ في السياسة الداخلية. واختتمت الرئاسة الأيرلندية الاجتماع بالإعلان عن إجراء المزيد من المشاورات الثنائية خلال العام 2026.
وأصبح الاجتماع الاستثنائي لمجلس الشؤون الخارجية، الذي اقترحته كالاس، مستبعدًا في الوقت الراهن، مع تزايد الإلحاح السياسي خلف ملفاتٍ أخرى، ولا سيما تجدد الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران.
أما المحادثات رفيعة المستوى التالية، المخطط لها، فهي الاجتماع غير الرسمي لوزراء الخارجية في أيرلندا مطلع سبتمبر من العام 2026. وحتى ذلك الحين، ليس من الواضح ما إذا كان سيكون هناك وقتٌ لمعالجة هذه القضية، بعدما انتقل الاهتمام إلى ملفاتٍ أخرى. وقال الدبلوماسي الأول لشبكة يورونيوز: “نعلم جميعًا أن الأمر معقدٌ، لكن لا يمكن فرضه قسرًا. إنه يحتاج إلى مزيدٍ من الوقت”.
توجهات السياسة الخارجية للتكتل تجاه إسرائيل
تكشف المواقف المتباينة بشأن العلاقات مع إسرائيل عن تصاعد التنافس بين المفوضية الأوروبية ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس حول الجهة التي تحدد توجهات السياسة الخارجية للتكتل، وهو ما ينعكس سلبًا على تماسك الموقف الأوروبي. وباتت إسرائيل بشكل متزايد نقطة اشتعال للخلافات بين كالاس وبقية المفوضية الأوروبية بشأن من يقود السياسة الخارجية للاتحاد.
كشفت شبكة “يورونيوز” في 22 يونيو من العام 2026 أن دوبرافكا شويتسا، مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون البحر المتوسط، كانت في زيارة إلى إسرائيل. وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية لاحقًا إن الزيارة كانت قيد الإعداد منذ فترة طويلة، إلا أنها لم تُعلن على الصفحة الرسمية الخاصة بالمفوضة، ما فاجأ عددًا من العواصم الأوروبية. لم تتمكن المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية، باولا بينيو، من تفسير سبب عدم الإعلان عن الزيارة بالشكل المناسب، مكتفيةً بالقول إن الأمر “سيُراجع”.
جاءت الزيارة بعد إعلان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قطع جميع الاتصالات مع كالاس، عقب تقارير زعمت أنها شبّهت إسرائيل بجنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري. ورغم أن الزيارة كانت مخططة قبل اندلاع هذا الخلاف، فإن فريق كالاس تساءل عن توقيتها في ضوء الأحداث الأخيرة، وأكد أهمية الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي.
وخلال مؤتمر صحفي وجّه ساعر انتقادًا مبطنًا إلى كالاس، ما دفع عددًا من الدبلوماسيين الأوروبيين إلى توجيه اللوم لشويتسا بسبب عدم دفاعها عن زميلتها. وكتب جوزيب بوريل، المسؤول السابق عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على منصة “إكس”: “يا له من عرض رائع لـ”التضامن والتنسيق” داخل الاتحاد الأوروبي”. وكان بوريل قد دخل في خلافات متكررة مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بشأن إسرائيل خلال فترة توليه المنصب.


