الثلاثاء, فبراير 17, 2026
18 C
Beirut

الأكثر قراءة

إصدارات أسبوعية

انكسار حدة الحسم

جريدة الحرة ـ بيروت

بقلم: علي خليل ترحيني مدونة الكاتب علي ترحيني

تمثل العقيدة العسكرية لأي كيان انعكاساً مباشراً لمخاوفه الوجودية وتصوراته حول الجغرافيا والزمان، وفي الحالة الإسرائيلية، لم تكن الحرب الخاطفة يوماً خياراً ترفياً، بل كانت ضرورة بنيوية فرضتها بيئة تفتقر إلى العمق المكاني وتعاني من حساسية مفرطة تجاه استنزاف الموارد البشرية والاقتصادية. إن الجوهر الذي قامت عليه هذه العقيدة يتمثل في محاولة اختزال الزمن العسكري للوصول إلى نتائج سياسية سريعة عبر ثلاثية المبادأة والمفاجأة ونقل المعركة إلى ساحة الطرف الآخر. ومع ذلك، فإن التحول المعاصر يكشف عن شرخ عميق في هذه البنية؛ حيث لم تعد القدرة التقنية الفائقة كافية لفرض إيقاع الزمن القصير على خصوم أدركوا أن سلاحهم الأمضى يكمن في إطالة أمد المواجهة وتحويلها إلى صيرورة مستمرة من الاستنزاف الذي لا ينتهي بضربة قاضية.

لقد طورت إسرائيل ما يمكن تسميته اقتصاد القوة، وهو مفهوم يحاول مواءمة التكنولوجيا مع الحاجة لتجنب الحروب الشاملة، فاعتمدت على الاستخبارات التقنية المتقدمة والعمليات السيبرانية والطائرات المسيرة كأدوات لتحقيق أهداف جزئية. هذا التحول يعني عملياً التخلي عن فكرة النصر النهائي لصالح فكرة ترميم الردع بصفة دورية. إن هذا المسار يعبر عن حقيقة أن العقيدة القتالية باتت تواجه حدود القوة المادية، حيث إن النواميس التي تحكم حروب العصر الحديث لم تعد تمنح المتفوق تقنياً شيكاً على بياض لحسم المعارك. فالمقاومة الحديثة حولت الزمن من عائق إلى سلاح، وبدلاً من السعي لصد الضربة الأولى، صارت تسعى لامتصاصها ثم جر الكيان إلى مسار طويل النفس، وهو المسار الذي يخشاه العقل العسكري الإسرائيلي أكثر من غيره، لأنه يفضح هشاشة الجبهة الداخلية ويحول الكلفة الاقتصادية والبشرية إلى عبء سياسي ثقيل.

أخطر تحولات هذه العقيدة يكمن في انتقالها من مواجهة الجيوش إلى استهداف البيئات الحاضنة، وهو ما تجسد فيما يُعرف بإستراتيجية الضاحية التي تشرعن الاستخدام المفرط وغير المتناسب للقوة. إن هذا التوجه يمثل طلاقاً بائناً مع نواميس القانون الدولي والنظام العالمي الذي يقوم على مبدأي التمييز والتناسب. فالعقل العسكري الإسرائيلي بات يرى في التدمير الشامل للمساحات المدنية وسيلة لتعويض الفشل في تحقيق حسم عسكري نظيف، محولاً بذلك الحرب إلى أداة للعقاب الجماعي تهدف إلى كسر إرادة المجتمعات عبر سحق مقومات حياتها. إن الإجازة الضمنية والصريحة للجيش بارتكاب أعمال تقع في دائرة الإبادة ضد أهداف مدنية ليست مجرد انحراف تكتيكي، بل هي ركن أصيل في العقيدة الجديدة التي تحاول تحويل العجز الميداني إلى ضغط نفسي وسياسي هائل عبر فاتورة الدم المدني.

إن هذا التجاوز الممنهج للنظام الدولي لم يعد يكتفي باختراق الاتفاقيات، بل يسعى لإعادة تعريف المفاهيم القانونية، مثل تحوير مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل الهجمات الاستباقية التدميرية واستباحة المستشفيات والمدارس بدعوى الاستخدام المزدوج. إن العقل العسكري هنا يغلب منطق القوة المطلقة على شرعية الوجود، معتمداً على غطاء سياسي دولي يمنحه هامشاً من الوقت لتنفيذ مآربه قبل اضطراره للتوقف. ومع ذلك، فإن هذه السياسة أثبتت مع الوقت أنها تزيد من تعقيد الموقف الإستراتيجي، إذ إن الإفراط في العنف يؤدي إلى تآكل المشروعية الأخلاقية للكيان عالمياً، ويخلق في المقابل أجيالاً أكثر إصراراً على المواجهة، مما يحول الصراع من نزاع حدود أو سياسة إلى صراع وجودي صفري لا تقبل فيه الشعوب المسحوقة بأنصاف الحلول.

إن العقيدة القتالية الإسرائيلية ليست مجرد نصوص عسكرية، بل هي محرك إستراتيجي للاقتصاد القومي، حيث تعمل الحرب كمعمل تجارب مفتوح لتطوير المشاريع الاقتصادية الكبرى القائمة على التكنولوجيا العسكرية. لقد تحول الكيان إلى ما يشبه دولة الشركات الناشئة التي تستمد قوتها من الأبحاث الحربية، حيث يتم تحويل الابتكارات المصممة لسحق الخصوم إلى منتجات تجارية تُصدر للعالم تحت شعار “تم اختبارها في الميدان”. هذا الارتباط العضوي جعل من إطالة أمد المواجهة أو تكرار جولاتها مصلحة اقتصادية لقطاعات واسعة تعتاش على تطوير أنظمة الاعتراض الصاروخي، وتقنيات التجسس، والذكاء الاصطناعي الحربي، مما يجعل قرار الحرب خاضعاً لمنطق الربح والخسارة في أسواق السلاح العالمية بقدر خضوعه للأمن.

علاوة على ذلك، فإن العقيدة العسكرية التي باتت تركز على التكنولوجيا الفائقة تهدف إلى تقليل الاعتماد على القوى البشرية الكثيفة التي تعطل عجلة الإنتاج المدني أثناء التعبئة العامة. ومن هنا، تبرز المشاريع الاقتصادية الكبرى في مجال السيبرانية كجزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع، حيث يتم دمج العقول الشابة في وحدات استخباراتية تقنية تتحول لاحقاً إلى شركات تكنولوجية عملاقة ترفد الخزينة بمليارات العملات. إن هذا التداخل خلق طبقة من النخب الاقتصادية التي ترى في العقيدة القتالية قاطرة للنمو، وهو ما يفسر الإصرار على استمرارية التفوق النوعي؛ ليس فقط لضمان الحسم العسكري، بل للحفاظ على المركز التنافسي في الاقتصاد الرقمي العالمي الذي يعتمد في جوهر أدواته على براءات اختراع ولدت من رحم الموت والدمار.

وفي سياق المشاريع الكبرى، يظهر جلياً أن العقيدة القتالية تخدم مسارات الطاقة والربط القاري، حيث تسعى إسرائيل عبر قوتها العسكرية إلى تأمين حقول الغاز ومشاريع الممرات الاقتصادية التي تهدف لربط الشرق بالغرب. إن حماية هذه المصالح تتطلب عقيدة قتالية قادرة على فرض واقع أمني مستقر بالقوة، وتجاوز أي تهديد قد يعيق تدفق الاستثمارات الدولية. وبذلك، تصبح ممارسات العنف والإبادة ضد الأهداف المدنية في بعض جوانبها وسيلة لتطهير المناطق الجغرافية التي يُراد تحويلها إلى ممرات اقتصادية أو منصات طاقة، مما يكشف عن وجه استعماري يزاوج بين العقيدة الحربية والجشع الرأسمالي، حيث يُسحق الإنسان لتعبيد الطريق أمام تدفق رؤوس الأموال والمشاريع العابرة للحدود.

إن التداخل بين التقني والمعلوماتي في العقيدة المعاصرة خلق طبقة جديدة من أدوات المواجهة، حيث أصبح التحكم في الرواية لا يقل أهمية عن السيطرة على الميدان. فالحرب الخاطفة اليوم تحتاج إلى تسويق سياسي يبرر عنفها، ولكن في عصر التدفق المعلوماتي، سقطت القدرة على حجب الحقائق، وباتت صور الإبادة تطارد المخطط العسكري وتحد من هوامش حركته. هذا القيد الخارجي، مضافاً إليه القيد الداخلي المتمثل في حساسية المجتمع الإسرائيلي تجاه الخسائر، جعل من فكرة الحسم مفهوماً نظرياً. فالجيش الذي صُمم ليكون مستنهضاً للهمة في مواجهات قصيرة، وجد نفسه غارقاً في أعمال تطهير واحتلال طويلة تنهك الروح القتالية وتؤدي إلى تآكل الثقة، مما يجعل ساعة الإشراق التي ينتظرها قادة الكيان لتحقيق انتصار تاريخي تبدو أبعد من أي وقت مضى.

إن ما تخلص إليه هذه القراءة العميقة هو أن الكيان يمر بمرحلة من التيه الإستراتيجي، حيث لم تعد الأدوات القديمة صالحة للواقع الجديد، ولم تستطع الأدوات الحديثة أن توفر الأمن المفقود. إن تحول العقيدة من الهجوم الصاعق إلى التدمير الشامل يعكس إدراكاً متأخرًا بأن موازين القوى في المنطقة قد تغيرت بنيوياً. فالحرب لم تعد صراعاً بين جيوش تلتقي في صحراء مفتوحة، بل أصبحت صراع إرادات وتكنولوجيا وعي، وهو ميدان لا تمتلك فيه إسرائيل اليد العليا بالضرورة. إن الاستثمار في العنف المفرط ضد المدنيين قد يحقق إنجازات تدميرية لحظية، لكنه يزرع بذور زوال الفعالية الإستراتيجية للقوة، لأن النهايات باتت تُصنع بإرادة الصمود الجماهيري وليس فقط بكثافة النيران.

في الختام، يظهر بوضوح أن الحرب الخاطفة في الفكر العسكري الإسرائيلي قد انحرفت عن مسارها المهني لتصبح أداة إبادة وتدمير للبنى الحضارية، مدفوعة بشبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والتكنولوجية. إن هذا التحول يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرته على حماية نواميسه وقوانينه التي تُسحق تحت جنازير الدبابات وتُباع في معارض السلاح الدولية كقصص نجاح تقنية. إن العقيدة التي تشرعن استهداف المدنيين وتتجاوز النظام العالمي، وتربط أمنها بأرباح شركات التكنولوجيا العسكرية، لا يمكن أن تنتج أمناً مستداماً، بل هي وصفة لصيرورة من الصراعات الدامية التي تفقد فيها القوة معناها وقدرتها على الحسم، وتتحول معها الانتصارات الميدانية المزعومة إلى هزائم سياسية وأخلاقية وتاريخية كبرى تلاحق الكيان في كل محفل، مؤكدة أن ساعة الإشراق الحقيقية للمنطقة لن تتحقق إلا بكسر هذا التلاحم بين آلة القتل ومنطق السوق.

https://hura7.com/?p=73566

الأكثر قراءة