جريدة الحرة بيروت
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
يكشف تعثر المشاريع الدفاعية المشتركة بين فرنسا وألمانيا عن أزمة أعمق في مسار بناء استقلال دفاعي أوروبي موحد، حيث تصطدم الطموحات السياسية بالمصالح الصناعية الوطنية. ويأتي انهيار برامج كبرى مثل المقاتلة المستقبلية والدبابة المشتركة ليعكس تزايد التنافس بدل التعاون داخل أوروبا. وفي ظل تصاعد التحديات الأمنية، يبرز العديد من التحديدات حول قدرة أوروبا على تحقيق تكامل دفاعي فعلي.
المصالح الوطنية تتفوق على الأهداف الدفاعية الأوروبية المشتركة
يبرز انهيار مشروع طائرة مقاتلة فرنسي ألماني، وتعثر برنامج دبابة قتال مشترك، كيف يمكن للمصالح الصناعية الوطنية أن تتفوق على الأهداف الدفاعية المشتركة. رغم مساعي الحكومات الأوروبية لتقليل اعتمادها الدفاعي على الولايات المتحدة، واستثمار مئات المليارات من اليوروهات لتحقيق ذلك الهدف. ومع ذلك، فإن هذا التفاؤل يخففه قدر من الإحباط.
إذ إن أكثر مشاريع الدفاع الأوروبية طموحًا نحو الاستقلال الاستراتيجي تعرض لانتكاسة كبيرة خلال يونيو 2026: فقد وجهت ألمانيا وفرنسا ضربة تبدو خطيرة لبرنامج المقاتلة من الجيل السادس المشترك بينهما. ولم يعد من المتوقع أن يتم بناء المكون الرئيسي لنظام القتال الجوي المستقبلي (FCAS) كمشروع مشترك.
هل يمثل فشل FCAS نقطة تحول؟
تجنبت وزيرة الدفاع الفرنسية كاثرين فوتران الخوض في الموضوع في يونيو 2026. ومع ذلك، تتزايد المؤشرات على أن باريس وبرلين وصلتا إلى طريق مسدود، ليس فقط بشأن برنامج المقاتلة، بل كذلك بشأن مشروع الدبابة المشترك. كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل قد أطلقا مشروع FCAS في عام 2017 ردًا على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقد رافق مشروع المقاتلة برنامج دبابات فرنسي ألماني يُعرف باسم “نظام القتال البري الرئيسي” (MGCS). وبموجب الترتيب، كان من المفترض أن تقود فرنسا مشروع المقاتلة، بينما تتولى ألمانيا قيادة مشروع الدبابات. ومنذ ذلك الحين، حذر ماكرون مرارًا من أنه إذا فشل FCAS، فقد يواجه مشروع MGCS المصير نفسه في نهاية المطاف.
فرنسا وألمانيا: من التوافق إلى التنافس
زاد رئيس شركة الدفاع الألمانية الأكبر “راينميتال” أرمن بابرغر من حالة الغموض، وصرح لصحيفة “فيلت أم زونتاغ” إن باريس تدرس خفض التمويل بشكل كبير للمشروع، رغم عدم اتخاذ قرار نهائي. وتقول أولريكه فرانكه من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في باريس، في تصريحها لإذاعة دويتشلاندفنك الألمانية، إنها تأخذ هذه التحذيرات على محمل الجد. وأضافت أن مشروع الدبابة يواجه صعوبات متزايدة وتقدمًا أبطأ حتى من مشروع المقاتلة منذ البداية.
وفي المقابل، قالت وزارة الدفاع الألمانية إن ألمانيا وفرنسا اتفقتا على مواصلة تطوير مشروع MGCS بطريقة “مستقلة عن المنصة” والتركيز على العناصر الأساسية للبرنامج. لكن ما إذا كان ذلك سيجعل من الدبابة المشتركة مشروعًا غير ذي جدوى يبقى سؤالًا مفتوحًا، وفق متحدث باسم الوزارة.
ترى فرانكه أوجه تشابه عدة مع مشروع المقاتلة الفاشل. فكما في برنامج الطائرة، فإن اختلاف المتطلبات العسكرية بين البلدين يعقد تطوير دبابة مشتركة. فالجيش الألماني يركز على الحماية القصوى والقوة النارية لجناح الناتو الشرقي، بينما تفضل فرنسا دبابات أخف يمكن نقلها جوًا لعمليات التدخل السريع.
تزايد التنافس على القيادة التكنولوجية
لكن أبرز أوجه التشابه تكمن داخل الصناعة الدفاعية نفسها، والتي يلقي وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس باللوم عليها صراحة في انهيار مشروع FCAS. وقال بيستوريوس: “على مستوى الحكومات، كانت أيدينا مقيدة. الحكومتان كانتا ترغبان بشدة في مواصلة المشروع”. في برنامج FCAS، تُعتبر مجموعة “داسو أفياسيون” الفرنسية للطيران شريكًا صعبًا، وفق ما يرى سياسيون لم يتمكنوا من ضبطه.
وقال سيباستيان بيرين، رئيس لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الفرنسي، إن “ليست كل الأطراف كانت على نفس الموجة منذ البداية”. وقد تحولت الخلافات الطويلة حول حقوق الملكية الفكرية وقيادة المشروع إلى معركة على التفوق التكنولوجي المستقبلي في قطاع الدفاع.
وقد ظهر مأزق مماثل في مشروع دبابة MGCS، حيث لا تلعب “داسو” الدور الرئيسي، بل شركة “راينميتال”، أكبر منتج للذخيرة في أوروبا. وكان المشروع قد صُمم في الأصل ليقوده مشروع مشترك بين “KNDS” الذي يجمع بين شركة “كراوس-مافاي فيغمان” الألمانية و”نيكسـتر” الفرنسية. لكن ألمانيا دفعت لاحقًا لإشراك “راينميتال” بدعم سياسي قوي. وتسعى الشركة لتصبح أكبر شركة دفاع في أوروبا بحلول عام 2030. ومن المنظور الفرنسي، فإن دخول راينميتال غيّر بشكل كبير توازن القوة الحساس في المشروع.
تحديات التعاون الدفاعي في أوروبا
كانت راينميتال قد أبدت بالفعل نفاد صبرها تجاه بطء العملية السياسية في معرض يوروساتوري قبل أربع سنوات، عندما كشفت بشكل مفاجئ عن دبابة “بانثر KF51” في باريس كبديل لمشروع MGCS. ويتم تسويق هذا النظام المتقدم بقوة، ويقال إنه قريب من الحصول على طلب كبير من إيطاليا. ومن الناحية التجارية، فإن هذه الخطوة منطقية، لكنها تضعف الضغط للتوصل إلى تسويات داخل المشروع المشترك.
وفي يونيو 2026، كشفت KNDS كذلك عن دبابة للجيش الفرنسي مبنية على منصة “ليوبارد 2”. ولا تقتصر مشاكل الصناعة على المشروعين الرئيسيين. فقد واجه برنامج “يورودرون”، الذي تطوره ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، صعوبات أيضًا. وقد أدى ارتفاع التكاليف والتأخيرات إلى إبطاء التقدم. وبينما اكتملت مرحلة التصميم، تتزايد الشكوك خاصة في فرنسا حول تكلفة البرنامج وقيمته العسكرية. ورغم أن مشروع “يورودرون” لم يفشل، إلا أنه يقدم مثالًا تحذيريًا على تحديات التعاون الدفاعي في أوروبا.
مخاوف فرنسية من الهيمنة الألمانية
إن تعثر البرامج الدفاعية متعددة الجنسيات في الوقت الذي تتقدم فيه الصناعة الدفاعية الألمانية لم يمر دون ملاحظة في باريس. فقد أصبحت المخاوف من الهيمنة الصناعية الألمانية مصدر تهديد رئيسي. يقول السيناتور الفرنسي سيباستيان بيرين إن العلاقات بين البلدين “انتقلت من طموحات متباعدة إلى طموحات متنافسة”. ويرى أن رؤية ألمانيا لمستقبل قطاع الدفاع أصبحت تركز بشكل متزايد على مصالحها الوطنية، بهدف توسيع قاعدتها الصناعية الدفاعية بشكل كبير، مستفيدة من مليارات اليورو في صندوق الدفاع الخاص.
إن اتساع الخلاف الفرنسي الألماني وتداعياته على أوروبا يمثل موضوعًا رئيسيًا في معرض الدفاع في باريس. ورغم قدرة الصناعة الأوروبية على إنتاج أنظمة تسليح عالمية المستوى، فإن استمرار تغليب المصالح الوطنية يجعل التعاون الدفاعي الأوروبي أقل كفاءة وأكثر عرضة للفشل. وفي النهاية، فإن ذلك لن يؤدي إلى تقليل العبء على دافعي الضرائب.


