جريدة الحرة بيروت

بقلم : حازم سعيد مدونة الكاتب حازم سعيد
لم يعد بحر البلطيق مجرد مساحة بحرية ذات أهمية تجارية وجغرافية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الحسابات الأمنية الأوروبية. فالموانئ والمنشآت الحيوية الممتدة على سواحله تواجه مجموعة متزايدة من التحديات، تتراوح بين التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية والتشويش على أنظمة الملاحة، في وقت تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات العسكرية والاستراتيجية.
ووفقًا لتقرير “بحر البلطيق الصامد” الصادر عن مركز الدراسات الشرقية البولندي، تتعرض البنية التحتية في المنطقة لضغوط متزايدة، تشمل النقل البحري والجوي والموانئ ومنشآت الطاقة والاتصالات. كما رُصدت عمليات تصوير لمنشآت حيوية، وتحليق طائرات مسيرة فوق الموانئ ومرافق النفط، إلى جانب هجمات سيبرانية متكررة ومحاولات للتشويش على إشارات GPS وأنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية، خصوصًا انطلاقًا من مناطق روسية مثل كالينينغراد وسانت بطرسبرغ.
تنبع أهمية هذه التحديات من الدور الحيوي الذي تؤديه موانئ البلطيق في التجارة الأوروبية وأمن الطاقة. فالموانئ البولندية، على سبيل المثال، تتعامل مع نسبة كبيرة من التجارة الخارجية للبلاد، كما تمثل المنطقة بأكملها جزءًا مهمًا من البنية اللوجستية لدول شمال وشرق أوروبا. وفي الوقت نفسه، يمكن لهذه المنشآت أن تكتسب أهمية إضافية خلال الأزمات العسكرية، باعتبارها نقاطًا محتملة لدعم التحركات والعمليات الدفاعية.
لا تقتصر المخاطر على الأنشطة الحديثة، إذ يخفي قاع بحر البلطيق آلاف حطام السفن، بينها مخلفات أسلحة ومواد متفجرة وكيميائية تعود إلى فترات سابقة. وبينما تمثل هذه المواد خطرًا بيئيًا، فإن وجودها قد يؤدي كذلك إلى تعطيل حركة الملاحة أو استغلالها في أعمال تخريبية، ما يجعل معالجة هذه المخلفات جزءًا من مفهوم أوسع لأمن المنطقة.
في الجانب السيبراني، تزداد المخاوف من استهداف أنظمة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بالتزامن مع التشويش على إشارات الملاحة أو تزويرها. وقد لا تقتصر تداعيات ذلك على المجال الرقمي، إذ يمكن أن تمتد إلى سلامة الملاحة البحرية وتعطيل عمليات نقل الطاقة، وهو ما يفسر اهتمام الاتحاد الأوروبي بتعزيز الأطر التنظيمية للأمن السيبراني، ومنها توجيه NIS-2.
كما يثير ما يُعرف بـ”الأسطول الظل” الروسي تحديات إضافية، نظرًا إلى استخدام بعض السفن للتحايل على العقوبات، وسط مخاوف من إمكانية توظيفها في أنشطة استخباراتية أو استهداف البنية التحتية الحيوية. ورغم العقوبات الأوروبية والغربية، لا تزال فعالية هذه الإجراءات موضع نقاش، خصوصًا في ظل صعوبة الرقابة على عدد كبير من السفن وتباين آليات التنفيذ بين الدول.
وفي مواجهة هذه التحديات، يبدو أن التعاون الإقليمي يمثل الخيار الأكثر واقعية. فتبادل المعلومات، وتعزيز التنسيق بين الموانئ وخدمات الإنقاذ والقوات البحرية، وتحسين حماية البنية التحتية الحيوية، كلها إجراءات يمكن أن تحد من المخاطر قبل تحولها إلى أزمات.
وقد اتخذ الاتحاد الأوروبي والناتو خطوات في هذا الاتجاه، من بينها استراتيجية الاتحاد الأوروبي للموانئ ومهمة “الحارس البلطيقي”. لكن التحدي الأكبر يتمثل في بناء منظومة أمنية قادرة على التعامل مع حوادث يصعب تحديد طبيعتها أو الجهة المسؤولة عنها. وهنا يبرز السؤال الأوسع: كيف يمكن للدول حماية مصالحها الحيوية والرد على التهديدات الهجينة دون أن يؤدي سوء تقدير حادث غامض إلى تصعيد أمني أوسع في منطقة شديدة الحساسية؟


